حرب غزة والإعلام الغربي: تراجع قداسة الهولوكوست وسردية الابتزاز السياسي
تحتفل إسرائيل كل يوم 27 يناير من كل عام بذكرى المحرقة أو الهولوكوست، وهو تقليد سنوي دأبت عليه إسرائيل منذ عام 2005، حين نجحت في استصدار قرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة بتحديد يوم 27 يناير من كل عام للاحتفال بذكرى ضحايا المجازر التي ارتكبها النازيون بحق اليهود والغجر والشعوب السلافية والبولنديين في ألمانيا والنمسا ودول أوروبا الشرقية.
على مدار العقود الماضية، لعبت الهولوكوست دورًا كبيرًا في حشد وتعبئة جهود اليهود في شتى بقاع الأرض لخدمة المصالح الإسرائيلية، كما استُخدمت أيضًا من أجل ابتزاز المجتمعات الأوروبية، خاصة ألمانيا والنمسا، كإجراء تعويضي عما ارتكبه أجدادهم من مجازر بحق اليهود قبيل الحرب العالمية الثانية.
حافظت إسرائيل على وجودها وتأثيرها في المجتمعات الغربية لعقود طويلة، مستذكرة إياهم بذكريات المحرقة وما آلت إليه الأمور في أربعينيات القرن الماضي، لكن المشهد السياسي الإسرائيلي واليهودي في أوروبا تغير تمامًا عقب 7 أكتوبر 2023، حيث تهاوت بكائيات الهولوكوست أمام الخطاب الإعلامي الناشئ في الدول الغربية المتناول للقضية الفلسطينية وأبعادها الإنسانية، الأمر الذي أزعج الدوائر الصهيونية سواء في إسرائيل أو في أوروبا، حتى بات العديد من المفكرين والمعنيين بالشأن الصهيوني يؤكدون أن سياسات ما قبل المحرقة في أوروبا بدأت تطل من جديد، وأن أوروبا ذاهبة إلى تلك الفترة مرة أخرى تحت ستار جديد، وهو عولمة الانتفاضة الفلسطينية.

الشعار الأخير، "عولمة الانتفاضة"، جرى استخدامه بكثافة من قبل العديد من المسؤولين الرسميين في إسرائيل للتدليل على الأثر الفعال الذي لعبته وسائل الإعلام بمختلف أنواعها في التأثير على الرأي العام الأوروبي تجاه القضية الفلسطينية وضحايا قطاع غزة.
ما فات على المسؤولين في إسرائيل والمناصرين للصهيونية في أوروبا هو ضرورة التفريق ما بين معاداة السامية ومعاداة الصهيونية؛ فالمصطلح الأول مصطلح عنصري يشير إلى بغض اليهود عامة والعمل على إبادتهم جميعًا، أما المصطلح الثاني فهو مصطلح سياسي يشير إلى رفض السياسات الإسرائيلية الأقرب للسياسات الاستعمارية، ورفض جرائم الإبادة الجماعية التي تنال الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية، وأيضًا مناطق جنوب لبنان.

من المؤكد أن 7 أكتوبر، رغم تداعياتها الكارثية على الفلسطينيين (مقتل أكثر من 70 ألف مواطن فلسطيني وتشريد مليوني مواطن فضلًا عن تدمير قطاع غزة كاملًا)، إلا أنها أخرجت المارد من القمقم، فاليوم باتت القضية الفلسطينية حديث العالم شرقًا وغربًا، كما أن العلاقات الإسرائيلية الخارجية باتت مرتبطة أكثر بتطورات القضية الفلسطينية، فمعظم الدول حاليًا في علاقتها مع إسرائيل بدأت تربط القضية الفلسطينية بمسألة الاعتراف بالدولة الفلسطينية وتحسنها، لذا تتمنى إسرائيل حاليًا وكأن 7 أكتوبر لم يأتِ بعد، وتريد العودة إلى الوضع الذي كانت عليه يوم 6 أكتوبر 2023، أي أنها تريد حبس المارد في القمقم مرة أخرى.
هيمنة فلسطينية
لطالما تفاخرت إسرائيل تاريخيًا بقوة تأثيرها في الإعلام الغربي، وأن الآلة الإعلامية الغربية منحازة لها تمامًا خلال العقود الماضية، لكن مؤخرًا انقلب الأمر رأسًا على عقب، وباتت إسرائيل تشتكي من مناصرة الإعلام الغربي للقضية الفلسطينية، وسط سيل من الاتهامات الموجهة لليهود وإسرائيل بارتكاب جرائم إنسانية في قطاع غزة.

في البداية، يؤكد معهد سياسات الشعب اليهودي أن الإعلام الغربي بدأ مؤخرًا في التشكيك في المصطلحات الإسرائيلية الفاهمة للصراع العربي الإسرائيلي، فعلى سبيل المثال يُدار النقاش حاليًا في الإعلام الغربي حول التفريق بين مفهوم "المستوطنة" ومفهوم "الحي"، فكل منهما له دلالة، وكذلك المقارنة بين مفهومي "السياج الأمني" و"الجدار العنصري"، وغيرها من المصطلحات الملتبسة، أي أن هناك ثورة في الإعلام الغربي حول المصطلحات الإسرائيلية المفسرة للصراع العربي الإسرائيلي.
فمفهوم "السياج الأمني" يدل على محاولة الدولة لحماية أمن مواطنيها وفقًا لما تقتضيه القوانين الداخلية والدولية، وأن لكل دولة الحق والرؤية في كيفية تأمين حدودها ومنشآتها، أما مفهوم "الجدار العنصري" فيدل على اعتداء واقع على حقوق الغير، وأن هناك هضمًا لأراضي الغير لصالح المصالح الإسرائيلية.
افتتان بالأخبار الإسرائيلية
يؤكد معهد سياسات الشعب اليهودي في تقرير له صادر بتاريخ 22 يناير 2026 وجود حالة من الافتتان العالمي بالأخبار الإسرائيلية، وكأن إسرائيل تحولت إلى مركزية العالم، كما أن الأحداث الإسرائيلية أصبحت مؤشرًا أخلاقيًا للعصر ومسرحًا يُختبر فيه الضمير الأخلاقي للعالم.

ويسرد تقرير معهد سياسات الشعب اليهودي تفاصيل دقيقة حول تركيز الإعلام الغربي مع إسرائيل، مشيرًا إلى دراسة سابقة سبق أن نشرها عقب 7 أكتوبر للكاتب جيل تروي، والتي حملت عنوان "الدليل الأساسي لأحداث 7 أكتوبر وتداعياتها: حقائق وأرقام وتاريخ". يوضح تروي أنه في الأشهر التسعة الأولى عقب 7 أكتوبر نشرت صحيفة نيويورك تايمز حوالي 6656 مقالًا عن الحرب في غزة، مقارنة بـ80 مقالة نشرتها الصحيفة الأمريكية عن الشهور التسعة الأولى للحرب الأمريكية في الموصل خلال الفترة الممتدة من 2016 و2017، والتي تدخلت فيها الولايات المتحدة للحرب على تنظيم داعش.
كما نشرت الصحيفة الأمريكية 198 مقالًا عن حرب التيجراي في شمال إثيوبيا التي اندلعت ما بين عامي 2020 و2022، والتي راح ضحيتها حوالي 600 ألف شخص تقريبًا، كما نشرت الصحيفة 5434 مقالًا عن الحرب الأهلية السورية منذ اندلاعها في 2011 وحتى 2024.

ويشير معهد سياسات الشعب اليهودي إلى تحليل أجرته شركة مايكروسوفت بالاعتماد على تطبيق الذكاء الاصطناعي "كوبايلوت" إلى أن حوالي 70 ألف مقال كُتب عن غزة خلال التسعة شهور الأولى من الحرب، مقارنة بألف مقال كُتب عن الحرب في الموصل خلال عامي 2016 و2017. كما أشار المعهد إلى ملاحظة ماتي فريدمان، مراسل وكالة أسوشيتد برس، إلى قيام الوكالة الأمريكية بتوظيف مراسلين لتغطية الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة أكثر مما توظفه لتغطية أخبار الصين وروسيا والهند مجتمعين، كما أن عدد الصحفيين المختصين بالشأن الإسرائيلي في الوكالة أكثر من عدد الصحفيين المختصين بشؤون إفريقيا جنوب الصحراء، رغم أن تلك المنطقة تضم عشرات الدول فضلًا عن احتوائها العديد من النزاعات المسلحة، وتشهد إبادات جماعية ونزوحًا جماعيًا للملايين من المواطنين الأفارقة.
دلالات التحول الإعلامي الغربي
يتساءل اليهود ومعهد سياسات الشعب اليهودي حول أسباب ودوافع التحول الإعلامي المزعج لإسرائيل، ولتفسير تلك الظاهرة ينبغي النظر إلى النقاط التالية:
أولًا: حالة الجمود الإعلامي
ألفت وسائل الإعلام والتواصل اليهودية حالة الجمود التي باتت عليها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فمنذ انتهائها شغلت المحرقة القضية المركزية للإعلام الصهيوني في أوروبا الغربية، واستغلت إسرائيل في العقود الماضية ذكرى المحرقة من أجل ابتزاز موارد الدول الأوروبية، أما اليوم وبعد مرور أكثر من ثمانية عقود على ذكرى المحرقة، باتت المجتمعات الأوروبية اليوم غريبة كليًا عن تلك الحقبة الزمنية، ولا يمتلك أي مواطن أوروبي حالي أية ذكريات خاصة بها، وبالتالي فإن تذكير الأوروبيين حاليًا بذكرى المحرقة بات أمرًا غير مجدٍ.

ثانيًا: التوسع الرقمي الإعلامي
نشهد حاليًا ثورة إعلامية معلوماتية، إذ باتت المعلومات حقًا لكل إنسان على وجه البسيطة، إذ بات من السهولة على أي شخص في العالم إبراز الأحداث المحيطة به، ويتضح هذا الأمر جليًا في شبكة المراسلين والصحفيين في قطاع غزة، والذين لعبوا الدور الأبرز في نقل الصورة كاملة عما يجري في القطاع إلى الرأي العام الدولي، وبالتالي نجح هؤلاء المراسلون في نقل الصورة الصحيحة للأحداث، مستفيدين من التطور الرقمي الإعلامي وتحليقه في فضاء بعيد عن الإعلام الموجه.

ثالثًا: وجود جاليات عربية قوية في الدول الغربية
تغيرت المجتمعات الأوروبية حاليًا، إذ بات هناك جاليات عربية وإسلامية قوية التأثير تجوب العواصم الأوروبية، وخلال السنوات الماضية بدأت تتصاعد أهمية تلك الجاليات في صنع السياسات الأوروبية، وبات القادة المنتخبون ديمقراطيًا يخشون غضب تلك الجاليات، وهو الأمر الذي سمح في النهاية بتزحزح المواقف الإسرائيلية تجاه الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ومحاولة تبني القضايا الإنسانية الفلسطينية، والضغط على الجانب الإسرائيلي من أجل إيقاف الحرب في غزة.
ختامًا:
يتضح أن التحولات التي يشهدها خطاب الإعلام الغربي تجاه القضية الفلسطينية لم تعد مجرد تغير عابر في زوايا التغطية أو المصطلحات المستخدمة، بل تعكس تحوّلًا أعمق في وعي الرأي العام الغربي وحدود تأثير السردية الإسرائيلية التقليدية. فقد أفرزت التطورات الأخيرة، وعلى رأسها أحداث 7 أكتوبر وتداعياتها الإنسانية، واقعًا إعلاميًا جديدًا بات أكثر تشككًا في الخطاب الرسمي الإسرائيلي وأكثر انفتاحًا على الرواية الفلسطينية، مستفيدًا من الثورة الرقمية واتساع دوائر التأثير المجتمعي داخل الدول الغربية.

هذا التحول يفسر جانبًا كبيرًا من التخوفات الإسرائيلية المتصاعدة، إذ لم تعد ورقة الهولوكوست قادرة على أداء دورها السابق في تحصين السياسات الإسرائيلية من النقد أو في كبح النقاشات الأخلاقية والقانونية حول ممارسات الاحتلال. ومع اتساع مساحة النقد الإعلامي، تجد إسرائيل نفسها أمام تحدٍ غير مسبوق يتمثل في تآكل قدرتها على التحكم في السردية الدولية، وبروز القضية الفلسطينية كقضية إنسانية عالمية تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة.
وعليه، يبدو أن معركة الخطاب والإعلام باتت لا تقل أهمية عن المعركة على الأرض، وأن مستقبل الصراع سيتأثر بدرجة كبيرة بمدى قدرة كل طرف على التأثير في الرأي العام العالمي، في ظل عالم باتت فيه الصورة والمعلومة أسرع انتشارًا وأكثر قدرة على كسر الاحتكار الإعلامي وصناعة الوعي الجمعي.
محمد الدابولي*
باحث في السياسات الدولية
- # الهولوكوست
- # المتحف الوثائقي للهولوكوست
- # المجتمعات الأوروبية
- # الدول الاوروبية
- # العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة
- # العدوان الإسرائيلي على غزة
- # العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني
- # عولمة الانتفاضة
- # الإعلام الأوروبي ضد العدوان الإسرائيلي
- # الإعلام الأوروبي والعدوان الإسرائيلي
- # الإعلام الأوروبي والعدوان على غزة



