بينما ينشغل العالم بضوضاء دافوس، والجدل الدائر حول مجلس السلام العالمي واحتمالات تهميش دور الأمم المتحدة ومؤسسات الشرعية الدولية، فضلًا عن الجدل السياسي المتصاعد حول مساعي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لضم جزيرة جرينلاند وما يثيره ذلك من توتر داخل حلف شمال الأطلسي واحتدام الحرب الأوكرانية، تتشكل في الخلفية أزمة بالغة الخطورة تتمثل في تصعيد عسكري أمريكي متدرج قد يفتح الباب أمام مواجهة مباشرة مع إيران.
فبعيدًا عن العناوين الصاخبة، تواصل الولايات المتحدة تعزيز وجودها العسكري في الشرق الأوسط بوتيرة لافتة. ومن المتوقع أن تصل حاملة الطائرات العملاقة أبراهام لينكون إلى نطاق عمل القيادة المركزية الأمريكية خلال سويعات، وهي تحمل على متنها نحو ثمانين طائرة مقاتلة متطورة، ترافقها ثلاث مدمرات مجهزة بصواريخ كروز من طراز توماهوك. وبوصول هذه القطع إلى بحر العرب، ستنضم إلى أصول بحرية وجوية أخرى تم رصدها بالفعل في المنطقة، من بينها قطع بحرية في الخليج العربي والبحر المتوسط، وعشرات الطائرات المقاتلة من طرازات متقدمة موزعة على قواعد أمريكية مختلفة.
ولا يقتصر هذا التحشيد على الولايات المتحدة وحدها. فقد دفعت بريطانيا بعدد من مقاتلات تايفون إلى إحدى قواعدها الجوية في الخليج، فيما أعلنت إسرائيل حالة استنفار غير مسبوقة، شملت إلغاء إجازات الضباط والجنود، ورفع جاهزية جيشها، ولا سيما سلاح الجو. هذه التحركات المتزامنة، من حيث الحجم والتوقيت وطبيعة التموضع العسكري، لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد استعراض روتيني للقوة.
وفي هذا السياق، ترددت في الأسابيع الأخيرة تقارير غير مؤكدة عن وصول طائرات شحن عسكرية صينية وروسية إلى إيران، في مؤشر محتمل، وإن لم يُؤكَّد رسميًا، على دعم لوجستي من قوتين كبيرتين تجمعهم علاقة وثيقة بطهران.
لكن السؤال الجوهري يظل مطروحًا، هل نحن أمام استعداد فعلي لحرب، أم أمام أقصى درجات الضغط السياسي والعسكري لدفع إيران إلى مسار تفاوضي جديد؟
من الناحية الأمريكية، لا تبدو واشنطن معنية بالانخراط في صراع طويل الأمد في الشرق الأوسط، خاصة في ظل بيئة دولية مضطربة، وتحديات استراتيجية متزايدة في شرق أوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ. كما أن تجربة الحروب الممتدة في العراق وأفغانستان لا تزال ماثلة في الذاكرة الاستراتيجية الأمريكية، بكل ما حملته من كلفة بشرية وسياسية واقتصادية.
في المقابل، لا تبدو طهران في موقع يسمح لها بتقديم تنازلات جوهرية في ملفات تمس جوهر قوتها الردعية، وعلى رأسها البرنامج النووي والقدرات الصاروخية. فالنظام الإيراني، الذي نجح مؤخرًا في إخماد موجات احتجاج داخلية، لا يرى في التنازل الأحادي ضمانة للأمن، بل مخاطرة قد تفتح الباب أمام أزمة شرعية داخلية دون أن توفر له حماية حقيقية من أي تهديدات مستقبلية.
وفي هذا السياق، تبدو المقارنات التي تُطرح أحيانًا مع سيناريوهات تغيير الأنظمة في دول أخرى، مثل فنزويلا، بعيدة عن الواقع. فإيران ليست دولة هامشية، بل قوة إقليمية كبرى، ذات نظام عقائدي متماسك، وترسانة عسكرية معتبرة، وموقع جيوسياسي بالغ الحساسية في قلب الشرق الأوسط وآسيا الوسطى. إسقاط مثل هذا النظام لا يشبه بأي حال إزاحة رئيس في دولة كاريبية، بل ينطوي على تعقيدات استراتيجية هائلة تتعلق ليس فقط بالأمن والاقليمي، بل أيضا بالاستقرار العالمي.
في ضوء ذلك، يمكن قراءة التحشيد العسكري الأمريكي بوصفه أداة ضغط قصوى، تهدف إلى دفع إيران نحو طاولة المفاوضات من جديد علي أن تكون أكثر مرونة، سواء فيما يتعلق ببرنامجها النووي أو قدراتها الصاروخية. غير أن هذا المسار لا يحظى بإجماع داخل المعسكر الأمريكي الإسرائيلي نفسه.
فإسرائيل، على عكس واشنطن، لا تؤمن بجدوى الحلول السياسية في التعامل مع الملف الإيراني. ومنذ أحداث السابع من أكتوبر وما تلاها من تطورات إقليمية، تعززت لدي تل أبيب قناعة مفادها أن إسقاط النظام الإيراني هو السبيل الوحيد لمعالجة شواغلها الأمنية. ومن هذا المنطلق، تمارس إسرائيل ضغوطًا مكثفة داخل دوائر صنع القرار الأمريكية لدفع الأمور نحو خيار الحسم العسكري، مستندة في ذلك إلى نفوذ سياسي وإعلامي واسع داخل الولايات المتحدة.
وبالإضافة للانحياز الإسرائيلي لخيار التصعيد العسكري، فأن التوجه الأمريكي للضغط علي إيران من أجل إبرام اتفاق سياسي تقدم فيه طهران تنازلات هائلة، يصطدم بحسابات أكثر تعقيدًا. فإيران، التي تعرض نفوذها الإقليمي لانتكاسات مؤلمة بعد الضربات التي تلقاها حلفاؤها ووكلاؤها في أكثر من ساحة، ترى في قدراتها الصاروخية آخر أدوات الردع الفعالة التي تملكها وتري كذاك في برنامجها النووي آخر ورقة تفاوض تقايض بها من أجل مصالحها الأمنية. والتخلي عن هذه الأدوات والمقدرات، أو تقليصها بشكل جوهري، لن يضمن لها الحماية من أي عمل عسكري إسرائيلي أو غربي في المستقبل، بل قد يشجع عليه.
هنا تتقاطع عوامل التصعيد والردع وسوء التقدير. فكل طرف يتحرك انطلاقًا من تصوراته الخاصة للأمن والتهديد، في بيئة إقليمية شديدة الهشاشة، حيث يمكن لأي خطأ في الحسابات أو حادث غير محسوب أن يشعل مواجهة واسعة النطاق، قد تتجاوز حدود الضربة المحدودة إلى صراع إقليمي متعدد الجبهات.
المشهد، إذن، بالغ التعقيد، ولا يسمح بإجابات قاطعة. فالحرب ليست حتمية، لكنها لم تعد مستبعدة. والضغط السياسي قد يفتح باب التفاوض، لكنه قد ينقلب إلى مواجهة إذا تداخلت الحسابات أو تصاعدت الضغوط الداخلية على صناع القرار.
ما يمكن الجزم به هو أن المنطقة تقف أمام واحدة من أكثر لحظاتها حساسية منذ سنوات. فخلف ضجيج المؤتمرات والمبادرات السياسية، تتشكل وقائع ميدانية قد تعيد رسم ملامح الإقليم بأكمله. وبين خيار الحرب وخيار التفاوض، تبقى القرارات القادمة محكومة بميزان دقيق بين الردع والمغامرة، ميزان قد يختل في أي لحظة بما لذلك من عواقب لا يحمد عقباها.