رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

لجنة التكنوقراط وإدارة غزة: إحلال الأمن أم صدام فلسطيني–فلسطيني؟

قوة رادع التابعة
"قوة رادع" التابعة لحركة حماس - أرشيفية

تتسارع الخطوات حاليًا من أجل إتمام المرحلة الثانية من اتفاق غزة، والذي بدأ بتعيين الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف مديرًا تنفيذيًا لمجلس السلام الدولي في قطاع غزة، ومؤخرًا، في مساء 14 يناير 2026، تم الإعلان عن تشكيل لجنة التكنوقراط المنوط بها إدارة قطاع غزة، وتم اختيار الدكتور علي عبد الحميد شعث مديرًا لتلك اللجنة، كما تم الاتفاق على بقية أعضاء اللجنة، ومن المفترض أن تشهد القاهرة يوم الخميس 15 يناير أول تجمع للجنة مع المدير التنفيذي لمجلس السلام الدولي نيكولاي ملادينوف.

رحبت الدول الوسيطة (مصر وتركيا وقطر) بتشكيل لجنة التكنوقراط لإدارة القطاع، وذلك من أجل الإسراع في تحسين الأوضاع الإنسانية في غزة، وفي هذا السياق أكد المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف أن إطلاق المرحلة الثانية من خطة الرئيس ترامب ينتقل حاليًا من وقف إطلاق النار إلى نزع السلاح والحكم التكنوقراطي وإعادة الإعمار.

نيكولاي ملادينوف
نيكولاي ملادينوف

وفي وقت سابق من هذا الأسبوع أعلنت حركة حماس، التي تتولى حاليًا إدارة القطاع منذ عام 2007، أنها أصدرت أوامرها إلى الهيئات الإدارية التي تتبعها في قطاع غزة بتسليم السلطة إلى لجنة التكنوقراط التي سيتم تشكيلها لإدارة قطاع غزة.

هل اللجنة تكنوقراطية فعلًا؟

يُطرح حاليًا تساؤل حول الهوية والانتماء السياسي لأعضاء اللجنة التي تم تشكيلها مؤخرًا، فمن قراءة السير الذاتية لأعضاء اللجنة ومتابعة حساباتهم الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي، يتبين أن بعض أعضاء اللجنة بالفعل مديرون تكنوقراطيون، وعلى رأسهم مدير اللجنة علي شعث، فيما كان البعض الآخر موجهًا سياسيًا ومناوئًا وخصمًا في الماضي لحركة حماس، مثل المسؤول عن الملف الأمني في قطاع غزة سامي نسمان، والمسؤول عن الملف الديني والأوقاف في غزة رامي توفيق حلس.

وتوجد العديد من الأسماء الأخرى المرشحة لتكون أعضاء في اللجنة، مثل عبد الكريم عاشور مدير جمعية الإغاثة الزراعية، وعائد ياغي مدير جمعية الإغاثة الطبية، وعائد أبو رمضان مدير الغرفة التجارية في غزة، وجبر الداعور رئيس جامعة فلسطين، وبشير الريس استشاري الهندسة، وعمر شمالي مدير الاتصالات الفلسطينية في قطاع غزة، وعلي برهوم مهندس واستشاري في بلدية رفح، والمحامية هناء ترزي.

تشير المعلومات المتوفرة إلى أن أغلب أعضاء اللجنة الثمانية عشر هم أصلًا من سكان قطاع غزة، كما تشير المعلومات المتوافرة إلى أنه تم استبعاد أسماء سبق ترشيحها في الماضي، مثل أمجد الشوا الذي كان مرشحًا لرئاسة اللجنة في السابق. وأخيرًا، فيما يخص ميزانية اللجنة، فإنها ستكون مستقلة عن السلطة الوطنية الفلسطينية، وسيكون مصدرها الدول المانحة، والتي غالبًا ما ستكون عضوًا في مجلس السلام الدولي المزمع تشكيله خلال الأيام الجارية، وسيتولى ملادينوف مسؤولية تمرير تلك الأموال إلى اللجنة التكنوقراطية.

الرئيس السيسي مع زعماء دول العالم اثناء اتفاقية السلام في شرم الشيخ
الرئيس السيسي مع زعماء دول العالم اثناء اتفاقية السلام في شرم الشيخ

تكنوقراطية علي شعث

في عجالة سريعة، يُقصد بـ"حكم التكنوقراط" في الأساس حكم الفنيين، والابتعاد عن السياسيين المؤدلجين في إدارة المهام التنفيذية للوزارات، وعادة ما يتم اللجوء إلى حكم التكنوقراط في الأزمات السياسية وحالات فقدان الثقة، وكأنه حل توافقي بين جميع الأطراف السياسية.

يعد رئيس لجنة التكنوقراط المعين حديثًا، علي شعث، من أبرز الكوادر الفلسطينية، فضلًا عن كونه من قطاع غزة، فهو من مواليد مدينة خان يونس، وينتمي إلى عائلة كبيرة في القطاع لها باع كبير في السياسة الفلسطينية، إذ ينتمي أغلب أفراد تلك العائلة إلى حركة فتح الفلسطينية.

وبالتوازي مع الخط السياسي للعائلة، نال شعث شهادة البكالوريوس في الهندسة المدنية من جامعة عين شمس المصرية عام 1982، ثم الماجستير عام 1986، أما الدكتوراه فقد حصل عليها عام 1989 من جامعة كوينز البريطانية، وتخصص شعث في مجالات البنية التحتية.

تدرج شعث في الوظائف المدنية بالسلطة الوطنية الفلسطينية، حيث تولى منصب وكيل وزارة النقل والمواصلات مشرفًا على مشروعات الطرق والبنية التحتية في الضفة الغربية، كما تولى رئاسة مجلس الإسكان الفلسطيني، ورئاسة سلطة الموانئ الفلسطينية، ومستشارًا لوزارة الإسكان والأشغال العامة التابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية.

لذا يمكن اعتبار أن الخبرة الهندسية التي كونها شعث خلال دراسته للهندسة في مصر وبريطانيا، ولاحقًا عمله في وزارتي النقل والمواصلات، والإسكان والأشغال العامة الفلسطينية، هي ما رجحت حظوظ شعث لتولي تلك المهمة، خاصة أنه خبير بعمليات إعادة الإعمار وإنشاء البنية التحتية، وهو ما قد يكون مقبولًا خلال الفترة المقبلة في غزة، خاصة أن القطاع يشهد حالة تدمير تام تستلزم تضافر الخبرات الهندسية من أجل إعادة بنائه وتعميره من جديد.

علي شعث
علي شعث

ثارات الماضي أم إحلال السلام

من ضمن الأسماء المرشحة في لجنة التكنوقراط اللواء سامي نسمان، المسؤول السابق في جهاز الاستخبارات العامة في السلطة الوطنية الفلسطينية، والمسؤول السابق عن ملف قطاع غزة، ويعد اختيار نسمان لإدارة ملف الأمن في غزة بعيدًا شيئًا ما عن معيار التكنوقراطية، فالمسؤول السابق في الاستخبارات الفلسطينية يمتلك عداءً سياسيًا تاريخيًا مع حركة حماس. ففي مارس 2016، سبق أن حكمت المحكمة العسكرية في قطاع غزة على نسمان بالسجن 15 عامًا بتهم متعلقة بالإخلال بالأمن العام، حيث اتهمته حماس بدعم خلايا وتنظيمات تستهدف زعزعة استقرار الوضع في القطاع وإحداث فجوات أمنية.

لذا يدور تساؤل مهم حول طبيعة الدور والمهام المكلف بها سامي نسمان في قطاع غزة خلال الفترة المقبلة في حال قبول ترشيحه، وما هي الأولوية الأولى لمهامه في القطاع: هل إحلال السلام والأمن في القطاع المتهدم، أم نزع سلاح حركة حماس وإخراج العداوات القديمة بين فتح وحماس مرة أخرى إلى السطح؟

رامي حلس وعداء حماس

من ضمن الأسماء المرشحة في اللجنة الدكتوررامي توفيق حلس، حيث من المفترض ترشيحه لتولي مسألة الأوقاف والشؤون الدينية في القطاع، ويعد حلس من أبرز الدعاة في الضفة الغربية عداءً لحركة حماس، وهو الأمر الذي ينفي صفة التكنوقراطية عن عمله في قطاع غزة، فهو منذ البداية لم يمتلك أية حيادية تجاه حركة حماس.

إذ دأب حلس على وصف حركة حماس بالجماعة الإخوانية التكفيرية الموالية لإيران والمتمتعة بالتفكير الضلالي، فمنذ نشوب الحرب في قطاع غزة حمّل حلس حماس مسؤولية الدمار في القطاع، متهمًا إياها بالاستفادة ماليًا من الحرب الماضية.

فعلى سبيل المثال، في 18 نوفمبر الماضي نشر حلس منشورًا عبر صفحته على فيسبوك يرحب فيه بقرار مجلس الأمن باعتماد الخطة الأمريكية، والتي رحب فيها بأهمية تفكيك سلاح حركة حماس في قطاع غزة. وفي السياق نفسه، انتقد حلس إجراءات حركة حماس التي تم اتخاذها عقب وقف إطلاق النار، بمطاردة الميليشيات التي تتهمها حركة حماس بالتواطؤ مع إسرائيل خلال حرب غزة الأخيرة، مثل الميليشيات القبلية الخاصة بعائلة دغمش.

اللواء سامي نسمان 
اللواء سامي نسمان 

صدام مرتقب

ما يهمنا في تشكيل لجنة التكنوقراط هم المسؤولون عن الملف الأمني في مرحلة ما بعد حماس، فالمرشح لتولي تلك المهمة سامي نسمان يمتلك تاريخًا عدائيًا مع الحركة، ومن المحتمل أن يتم توظيف ذلك التاريخ خلال الفترة المقبلة لتصفية الحسابات مع الحركة. ومما يزيد الأمور تعقيدًا تعيين رامي حلس مسؤولًا عن الملف الديني في القطاع، مما يعني إضفاء الشرعية الدينية لتحركات نسمان المناهضة لحركة حماس. لذا توجد العديد من النقاط التي يجب الانتباه إليها، وهي:

أولًا: الموقف من الميليشيات المناوئة لحماس 

فور توقيع وقف إطلاق النار، انطلقت حرب قصيرة الأجل في قطاع غزة بين ميليشيات الحركة وبين ميليشيات أخرى تعتبرها مناوئة لها، وتتهمها حماس بالعمالة لإسرائيل، مثل ميليشيات دغمش وياسر أبو شباب وحسام الأسطل. ونجحت تحركات حماس في تقويض تلك الميليشيات، إلا أن الموقف قد يختلف كليًا مع قدوم اللجنة التكنوقراطية الجديدة، فالعديد من أعضائها داعمون لمثل تلك الميليشيات. فعلى سبيل المثال، كان مسؤول الأوقاف رامي حلس من أبرز المدافعين عن تلك الميليشيات خلال حربها الأخيرة مع حماس، خاصة ميليشيات دغمش، كما سبق أن اتهمت حماس سامي نسمان في عام 2016 بدعم جماعات مناوئة لها في غزة. لذا يثار تساؤل: هل سيكون تشكيل تلك اللجنة بمثابة قبلة النجاة لتلك الميليشيات، وإعادة تأطير دورها في عملية نزع سلاح حماس وفرض الأمن والاستقرار، بالتعاون مع قوة الاستقرار الدولية المزمع إنشاؤها؟

ثانيًا: قوة رادع في حماس

على الجانب الآخر، برزت في حركة حماس فصيل عسكري يُدعى "قوة رادع"، والذي تمكن في أيام قليلة عقب وقف حرب غزة الأخيرة من إعادة فرض الأمن والسيطرة، ومواجهة الخارجين على حماس، وتقزيم دور الميليشيات المناوئة لها. لذا يدور تساؤل مهم حول أهمية دور ذلك الفصيل خلال الفترة المقبلة، والتي قد تشهد تقلبات وحربًا داخلية في قطاع غزة بين الحركة وخصومها الفلسطينيين من قادة الأمن والميليشيات المناهضة لها.

 رامي توفيق حلس
 رامي توفيق حلس

ثالثًا: الضغط المالي

تعد اللجنة مستقلة ماليًا عن السلطة الوطنية الفلسطينية، وسيمتلك ملادينوف مسؤولية توزيع الأموال المخصصة لتلك اللجنة، وهو ما يعني وجود ضغوط مالية مبكرة أمام عمل لجنة التكنوقراط، إذ سيتم استخدام الدعم المالي كورقة ضغط مستقبلية على اللجنة الفلسطينية وإجبارها على تنفيذ توجهات مجلس السلام الدولي، ولعل أهم تلك التوجهات هو نزع سلاح حركة حماس.

وختامًا:

 يلوح في الأفق حرب فلسطينية ـ فلسطينية في قطاع غزة تحت مسمى نزع سلاح حركة حماس والمقاومة الفلسطينية، فمن الاختيارات الأمنية في لجنة التكنوقراط يتضح لنا أن من سيتولى تلك المهمة هم الفلسطينيون أنفسهم، وأن شبح سيناريو حرب المخيمات التي دارت في جنوب لبنان خلال الفترة من عام 1983 وحتى عام 1988 يعود من جديد، ولكن هذه المرة في الداخل الفلسطيني، وتحديدًا في قطاع غزة.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء