طهران على صفيح ساخن: كيف يدير النظام الإيراني موجة الغضب الشعبي؟
لا تزال الاحتجاجات الإيرانية مستمرة إلى اليوم، ومن المتوقع أن تتصاعد خلال الأيام القليلة المقبلة، حيث تتزامن الاحتجاجات الحالية مع الذكرى السابعة والأربعين للثورة الإيرانية التي أطاحت بحكم الشاه الإيراني محمد رضا بهلوي، والتي اندلعت أحداثها في يناير 1979، واستمرت حتى 11 فبراير من ذلك العام، حين فرّ الشاه هاربًا، وحطّت طائرة الخميني أرض إيران قادمًا من منفاه الاختياري في باريس.
حملت الاحتجاجات الحالية في طهران والعديد من المدن الإيرانية طابعًا ثوريًا مضادًا للثورة الإيرانية التي اندلعت عام 1979، فمعظم الشعارات والرموز التي حملتها الاحتجاجات الحالية تشكل انقلابًا على رموز ومفاهيم الثورة الإسلامية الإيرانية، فمثلًا برز اسم ولي العهد السابق رضا محمد بهلوي كحاكم منتظر لإيران فوق سقوط نظام الملالي، كما طالبت المظاهرات بعودة حكم الشاه من جديد، بل أقدم المتظاهرون على رفع علم الشاه بدلًا من علم الثورة الإيرانية، إذ عادت الشمس والأسد ليزينا العلم الإيراني، مع إزالة الرموز الإسلامية من العلم.

كما ناشدت بعض المظاهرات الإيرانية بتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وإزاحة النظام السياسي على غرار الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، فيما توجه العديد من النشطاء الإيرانيين في الخارج، مثل شيرين عبادي الحائزة على جائزة نوبل للسلام عام 2003 لتطوعها للدفاع عن المعتقلين في الداخل الإيراني، بتوجيه رسالة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بضرورة التدخل في الشأن الإيراني، مؤكدة أن القوات الخاصة بنظام الملالي تهاجم المستشفيات وتقوم باختطاف الجرحى وإرسالهم مباشرة إلى أماكن الاحتجاز، وتحذر عبادي من تكتيك قطع الاتصالات وخدمات الإنترنت للتغطية على الجرائم المرتكبة ضد الناشطين والمحتجين في إيران، إذ يسعى نظام الملالي إلى عزل الاحتجاجات الإيرانية عن العالم حتى يستطيع النظام وأد الاحتجاجات التي ما زالت في مهدها.
كما ذكّرت عبادي المجتمع الدولي بمظاهرات نوفمبر 2019، حين تغاضى المجتمع الدولي عن دعمها، وقد أسفرت عن وفاة ما يقارب 1500 مواطن إيراني، لذا تطالب عبادي بأهمية تدخل المجتمع الدولي من أجل كبح القمع وإنقاذ أرواح المحتجين، وجدير بالذكر أن الرئيس الأمريكي في وقت سابق، في بداية العام الجاري، هدد بالتدخل في حال استخدام القوة لقمع المعارضين.

رسائل أمريكية
رغم التحذير الأمريكي من محاولات النظام لوأد الاحتجاجات، إلا أن النظام خلال الأيام الماضية دفع بقوات الحرس الثوري في العديد من المدن الإيرانية لمواجهة الاحتجاجات القائمة، الأمر الذي وضع الرئيس الأمريكي في حرج من تعهداته السابقة بحماية المتظاهرين من عمليات القمع، فمثلًا يوم الجمعة الماضية تم قطع الاتصالات وخدمات الإنترنت في البلاد، ودارت بعض المواجهات بين المحتجين وقوات الحرس الثوري.
مؤخرًا بعثت واشنطن برسالة غير مباشرة إلى إيران عبر سلطنة عمان، وذلك من خلال زيارة وزير خارجية عمان بدر البوسعيدي إلى طهران يوم السبت 11 يناير 2026، ولقائه بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ومن المرجح أن يكون اللقاء بين الجانبين قد حمل رسائل أمريكية مباشرة إلى النظام الإيراني تطالبه بتعديل مواقفه السياسية الخاصة بالبرنامج النووي والصواريخ الباليستية، في مقابل تقليل وتيرة الدعم الأمريكي والإسرائيلي للاحتجاجات الدائرة حاليًا في البلاد، وتقليل فرص الضربة العسكرية الإسرائيلية المتوقعة لطهران.
تحركات النظام الإيراني
خلال تعامله مع الاحتجاجات الحالية، يتبع النظام الإيراني سياسة العصا والجزرة في التعامل مع الاحتجاجات، فعلى سبيل المثال أقدم النظام في بداية العام الحالي على إقالة محافظ البنك المركزي على خلفية تدني قيمة العملة الإيرانية، كما تقرر صرف دعم حكومي مقداره سبعة دولارات لكل مواطن شهريًا، أملًا في تحسين المعيشة ومكافحة الغلاء المستشري في البلاد.
وفي المقابل حرص النظام السياسي على تأليب المجتمع الإيراني على بعضه، من خلال مطالبة أنصاره بالنزول إلى الشارع احتجاجًا على الاحتجاجات المناهضة له، لتحويل الأمر في البلاد إلى حرب ساحات مؤيدة ومناهضة للنظام السياسي.

وفي السياق نفسه بدأ النظام اللعب على وتيرة الأزمات العرقية والطائفية في البلاد، فالعديد من المصادر المقربة من النظام الإيراني تدّعي أن أغلب الاحتجاجات تدور في المناطق التي يقطنها العرب والسنة والأكراد وطائفة اللور، فخلال اليومين الماضيين تمكن الحرس الثوري من استهداف عناصر محسوبة على حزب الحياة الحرة الكردستاني، وذلك في المنطقة الحدودية شمال غرب البلاد مع دولة العراق.
ويعد حزب الحياة الكردستاني، الذي تأسس عام 2004، من أبرز المدافعين عن حقوق الأكراد في إيران، ويطالب بإنشاء إدارة ذاتية للأكراد في شمال غرب البلاد، ويتمتع الحزب باتصالات قوية مع حزب العمال الكردستاني في تركيا، وتتهمه إيران حاليًا بأنه تنظيم إرهابي مسلح، ومن حين لآخر تقوم بقصف قواعده على الحدود التركية العراقية.
بالإضافة إلى ذلك عملت الآلة الإعلامية للنظام الإيراني على إبراز العديد من الجوانب السلبية للاحتجاجات الأخيرة، مثل تعمد البعض حرق المساجد والمتاجر وبعض المنشآت الحكومية، فمثلًا برزت العديد من الصور التي تظهر احتراق المصاحف الشريفة نتيجة أعمال الشغب التي واكبت الاحتجاجات.

وفي المقابل بدأت قوى الجيش والحرس الثوري تتعامل بحذر مع الاحتجاجات، فمنذ اندلاع الاحتجاجات منذ ثلاثة أسابيع وحتى اليوم لم يقع سوى 51 قتيلًا، وذلك وفق بيانات منظمة إيران هيومن رايتس، التي مقرها دولة النرويج، وبمقارنة أعداد تلك الضحايا مع أرقام الضحايا في اضطرابات 2022 نجدها قليلة للغاية، والتي راح ضحيتها ما يقارب 500 شخص، أما احتجاجات البازار التي اندلعت عام 2019 فقد راح ضحيتها حوالي 300 شخص، أي أن نسبة الضحايا في الاحتجاجات الحالية هي الأقل في تاريخ الاحتجاجات الإيرانية، وهو ما يدل على وجود استجابة إيرانية فعالة مع تلك الاحتجاجات، ورغبة النظام في تحقيق أكبر قدر ممكن من الاحتواء وخفض التصعيد الشعبي.
سيناريوهات مستقبلية
بات الوضع السياسي في إيران مرهونًا بمرور الأيام المقبلة، خاصة كلما اقتربنا من 11 فبراير المقبل، وهو اليوم المخصص للاحتفال بالذكرى السنوية لنجاح الثورة الإسلامية، إذ نحن أمام سيناريوهين: إما نجاح المحتجين في تصعيد احتجاجاتهم في الأيام المقبلة، وبالتالي تعريض مستقبل النظام للخطر وإسقاطه في ذكرى نجاحه، أو نجاح النظام في احتواء الاحتجاجات الحالية وتقليل وتيرتها خلال فترة الاحتفالات بالثورة الإيرانية، لكن توجد ثمة نقاط يجب الإشارة إليها في ترجيح أي من السيناريوهين، وهي:
أولًا: الدعم الأمريكي الإسرائيلي للاحتجاجات
من المؤكد أن إعلان إسرائيل وأمريكا دعمهما المباشر للاحتجاجات الإيرانية الحالية من شأنه تعزيز مكانة النظام الإيراني وإكسابه المزيد من الشرعية السياسية، وإعطائه الفرصة الكافية والمناسبة لحشد أنصاره على الأرض، وفي المقابل يقلل هذا الدعم السافر من شرعية تلك الاحتجاجات السياسية، ولعل ما صرح به ولي العهد السابق رضا بهلوي يصب في هذا الاتجاه، إذ طالب بإبعاد التدخل الأمريكي عن الاحتجاجات الحالية، كما طالب بضرورة أن تكون عملية إزالة النظام بدوافع إيرانية خالصة.
ثانيًا: تدخل رموز النظام القديم
رفع الاحتجاجات الإيرانية الأخيرة شعارات مؤيدة لعودة حكم الشاه، مثل "يعيش الشاه"، من شأنه التقليل من فرص نجاح الاحتجاجات الإيرانية الأخيرة، فحكم الشاه في السابق لم يكن له نقاط مضيئة في التاريخ الإيراني، إذ إن الانطباع العام عن حكم الشاه أنه كان حكمًا سلطويًا مستبدًا أطاح بالديمقراطية التي نشأت في عهد حكومة مصدق في بداية عقد الخمسينيات، وسلم النفط الإيراني للدول الغربية مثل أمريكا وبريطانيا، وبالتالي فإن المناداة بعودة حكم الشاه من شأنها خلق حالة من الجدل السياسي في الداخل الإيراني حول أهمية تلك الاحتجاجات وتأييدها.

ثالثًا: الاحتواء الحكومي السريع
تحاول الحكومة الإيرانية اتخاذ العديد من التدابير الجادة من أجل احتواء الغضب الشعبي في البلاد، من خلال إقالة العديد من المسؤولين، وفرض دعم عيني للمواطنين، فضلًا عن إبراز صور الخراب التي خلفتها الاحتجاجات، خاصة في المساجد، واللعب على وتر الدين في المجتمع الإيراني، وكلها أمور تدفع إلى زيادة فرص احتواء الاحتجاجات القائمة.
ختامًا:
في ظل ما تشهده إيران من احتجاجات متواصلة وتفاعلات داخلية وخارجية معقدة، يبقى مستقبل المشهد السياسي الإيراني مرهونًا بقدرة النظام على تحقيق توازن دقيق بين أدوات القمع والاحتواء، وبين حجم الضغوط الشعبية المتصاعدة. فبينما يسعى النظام إلى تفكيك زخم الاحتجاجات عبر إجراءات اقتصادية وأمنية مدروسة، يواجه في المقابل حالة سخط عميقة تغذيها أزمات معيشية وتصدعات اجتماعية وسياسية متراكمة. وفي ظل تداخل العامل الخارجي مع الديناميات الداخلية، تبدو الأيام المقبلة، خاصة مع اقتراب ذكرى الثورة الإسلامية، حاسمة في تحديد ما إذا كانت الاحتجاجات ستتحول إلى موجة تغيير أوسع تهدد بنية النظام، أم ستنجح السلطة في امتصاصها واحتوائها ضمن حدود لا تمس جوهر الحكم القائم.



