لماذا يخشى ترامب نوفمبر القادم؟ معركة الكونجرس تشتعل مبكرًا
مع استهلال عام 2026، بدأت الدوائر السياسية الأمريكية الحديث عن انتخابات التجديد النصفي، والمقرر إقامتها في نوفمبر القادم، وتعد تلك الانتخابات من أبرز المعارك الانتخابية في الولايات المتحدة، إذ تمثل تصويتًا على سياسات الرئيس الأمريكي، وغالبًا ما تحمل تلك الانتخابات طابعًا عقابيًا ضد سياسات الرئيس، حيث يتم عادة انتخاب الحزب المناوئ لحزب الرئيس.
حاليًا، يخشى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من نتائج انتخابات التجديد النصفي خلال العام الجاري، فخلال لقائه مع أعضاء مجلس النواب من الحزب الجمهوري في مركز ترامب – كينيدي للفنون الأدائية، طالب ترامب أعضاء الحزب الجمهوري بالفوز في انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، وعدم السماح للحزب الديمقراطي بالفوز في تلك الانتخابات، وإلا سيتعرض للعزل من منصبه.
حث ترامب أعضاء حزبه على العمل بروح واحدة في قضايا النوع الاجتماعي، والرعاية الصحية، وإصلاح الانتخابات، ومحاولة تقليل الغضب الشعبي من ارتفاع غلاء المعيشة في البلاد.
يأمل ترامب في إرساء سابقة تاريخية بأن يفوز حزبه الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي، إذ ستجري المنافسة على جميع مقاعد مجلس النواب، وثلث مقاعد مجلس الشيوخ. فخلال العام الماضي، وسّع الأعضاء الجمهوريون (211 عضوًا من أصل 435 عضوًا) في مجلس النواب الأمريكي من صلاحيات الرئيس الأمريكي في مسألة الإنفاق، إلا أنه مؤخرًا بدا هناك انزعاج من قرارات الرئيس ترامب، خاصة بعد استخدامه حق النقض في رفضه لبعض المشروعات المائية في ولايتي كولورادو ويوتا. ومن ثم، تمت إعادة مناقشة المشروع مرة أخرى في مجلس النواب، ومن المفترض أن تحصل تلك المشروعات على أغلبية الثلثين لكي تتجاوز فيتو الرئيس الأمريكي، مما يعني تصويت الحزب الجمهوري لصالح تلك المشروعات.

ماضٍ سياسي مضطرب
يرغب الرئيس الأمريكي في احتفاظ حزبه الجمهوري بتمثيل قوي في مجلس النواب القادم، وكذلك الحفاظ على نسبته في مجلس الشيوخ، تخوفًا من صعود الحزب الديمقراطي خلال الانتخابات المقبلة، نظرًا للتاريخ المضطرب بينه وبين الحزب الديمقراطي.
فخلال ولايته الأولى من عام 2016 وحتى يناير 2021، تعرض ترامب لمحاولتي عزل من المنصب، واحدة في عام 2017، والأخرى في يناير 2021 قبل أسبوع من تخليه عن السلطة لصالح الرئيس السابق جو بايدن، وذلك على خلفية قضايا متعلقة بأوكرانيا، وقضايا أخرى مرتبطة بالتأثير في نتائج الانتخابات في ولاية جورجيا، والتسبب في أحداث الشغب في مبنى الكابيتول (مقر البرلمان) في 6 يناير 2021. ولم يشفع للرئيس ترامب وقتها سوى مجلس الشيوخ، الذي كان يحتفظ بأغلبية جمهورية حالت دون تحقيق العزل السياسي للرئيس الأمريكي. لذا يتخوف ترامب حاليًا من خسارة حزبه الجمهوري في الانتخابات المقبلة، الأمر الذي سيسمح للحزب الديمقراطي بإعادة فتح الملفات القديمة، كاقتحام الكابيتول ومحاولة التأثير في نتائج الانتخابات، كذريعة لعزل ترامب.
لذا ستكون الانتخابات المقبلة ليست فقط مقيِّدة لصلاحيات الرئيس الأمريكي، بل ربما تكون محاولة لعزله من منصبه السياسي، وهو ما يفسر حالة الذعر السياسي التي يعيشها الرئيس ترامب.

فمنذ الحرب العالمية الثانية، خسر حزب الرئيس في المتوسط 26 مقعدًا في مجلس النواب، وأربع مقاعد في مجلس الشيوخ خلال الانتخابات النصفية، ولم يحدث أن فاز حزب الرئيس في انتخابات التجديد النصفي سوى في سبع مرات فقط، أبرزها في عهد الرئيس الأسبق جورج بوش الابن عام 2002، إذ أتت تلك الانتخابات في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، واتجاه الولايات المتحدة وقتها لما يسمى بالحرب على الإرهاب في أفغانستان والعراق.
إشارات سابقة
مما يزيد حالة الذعر التي يعيشها الرئيس الأمريكي هو وجود سوابق دالة على احتمالية فوز الحزب الديمقراطي، أبرزها ما حدث في ولايتي كاليفورنيا ونيويورك. فالأخيرة شهدت بروز الحزب الديمقراطي خلال انتخابات عمدة نيويورك، والتي أسفرت عن فوز اليساري المنتمي للحزب الديمقراطي زهران ممداني في نتائج الانتخابات، متجاوزًا في ذلك الكتل التصويتية الصلبة للحزب الجمهوري والتجمعات اليهودية بالمدينة.
أما في ولاية كاليفورنيا، والتي تعد من أكبر الولايات الأمريكية، فقد شهدت أيضًا في نوفمبر الماضي استفتاءً على تعديل الدوائر الانتخابية بها، ويسمح هذا التعديل بضمان تفوق الحزب الديمقراطي بمقاعد إضافية تبلغ خمس مقاعد عن الحزب الجمهوري، إذ عادة ما تركز سياسات الحزب الديمقراطي على تمثيل الأقليات. وجاء ذلك الاستفتاء ردًا على محاولات ترامب تعديل الدوائر الانتخابية في ولاية تكساس بما يسمح بتفوق محدود للحزب الجمهوري.
كما أسفر استفتاء كاليفورنيا عن تصعيد الديمقراطي حاكم الولاية غافين نيوسوم ليكون ندًا سياسيًا لترامب خلال الفترة المقبلة، ومن المحتمل أن تشهد الانتخابات الرئاسية المقبلة صراعًا بين ترامب ونيوسوم.
وفي انتخابات أخرى في ولايتي نيوجيرسي وفرجينيا، حقق الحزب الديمقراطي تقدمًا سياسيًا بفوزه في نتائج الانتخابات في الولايتين؛ ففي ولاية نيوجيرسي فازت المرشحة الديمقراطية ميكي شيريل على منافسها الجمهوري جاك تشياتاريلي في انتخابات حاكم الولاية.
أما في ولاية فرجينيا، فقد حققت المرشحة الديمقراطية أبيغيل سبانبرغر فوزها بمنصب حاكمة الولاية، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ الولاية، وتاريخيًا تعد الانتخابات في ولاية فرجينيا بمثابة مؤشر على الاتجاه التصويتي الوطني في الولايات المتحدة.

وأخيرًا، يمكن تلخيص تخوفات الرئيس الأمريكي في النقاط التالية:
أولًا: العودة لمسألة العزل السياسي والقانوني
عودة الحزب الديمقراطي إلى الأغلبية البرلمانية في مجلسي النواب والشيوخ من شأنها إعادة مسألة عزل ترامب من منصب رئاسة البلاد.
ثانيًا: تقييد صلاحيات رئيس البلاد
في حال عدم قدرة الحزب الديمقراطي على عزل ترامب، فمن المؤكد أن الحزب سيعمل على تقييد قدرات الرئيس وصلاحياته الإنفاقية، مما يقلل من هامش المناورة السياسية للرئيس الأمريكي في مجالات الصحة والمشروعات الخدمية.
ثالثًا: تقليل صلاحيات الرئيس في الشأن الخارجي
عودة الحزب الديمقراطي من شأنها إعادة التفكير في العديد من القضايا الخارجية التي سعى الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب إلى اتخاذ سياسات تهدف إلى تقليل النفوذ الأمريكي فيها، مثل قضايا المناخ، ودعم الناتو، ودعم المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة. وقد تشكل عودة الحزب الديمقراطي عائقًا أمام تحركات الرئيس ترامب في ملفات بعينها، مثل الأزمة الفنزويلية ورؤيته حول حل الأزمة الأوكرانية.
ومنذ شهر تقريبًا، أصدر رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية الأسبق تامير هايمان مقالة تحليلية حذر فيها من أن النعيم الأمريكي لن يدوم طويلًا، وأن نهايته ستكون مع انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر المقبل، مطالبًا بلاده بتحقيق أكبر قدر من الاستفادة خلال الوقت الراهن من سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قبل أن يتعرض لمضايقات الحزب الديمقراطي.
ختامًا:
تمثل انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 اختبارًا حاسمًا لمستقبل دونالد ترامب السياسي، إذ لا تتعلق نتائجها فقط بتوازن القوى داخل الكونجرس، بل بمسألة بقاء الرئيس نفسه في مأمن من العزل وتقييد الصلاحيات. وبينما يسعى ترامب لحشد حزبه وتوحيد صفوفه خشية تكرار سيناريوهاته الصدامية مع الديمقراطيين، تشير المؤشرات الانتخابية المبكرة إلى أن المعركة ستكون شديدة التعقيد. وعليه، فإن الانتخابات المقبلة قد تتحول من استحقاق تشريعي دوري إلى استفتاء سياسي شامل على سياسات ترامب وأسلوب حكمه، بما يحمله ذلك من تداعيات عميقة على الداخل الأمريكي ودور الولايات المتحدة في الخارج.