رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بناء السياج الحديدي: تحولات الأمن الإسرائيلي على الحدود الأردنية

الجدار الحديدي بين
الجدار الحديدي بين الأردن واسرائيل - أرشيفية

بدأت وزارة الدفاع الإسرائيلية في إزالة الألغام في المنطقة الحدودية مع الأردن، حيث تم تدمير ما يقارب 500 لغم قديم مضاد للدبابات، وذلك ضمن مشروع إنشاء حاجز حدودي جديد على الحدود الأردنية، لضبط الأمن وعمليات التهريب التي تتم عبر الحدود الأردنية الإسرائيلية.

مجموعة الألغام المضادة للأفراد والمدرعات سبق أن زرعتها إسرائيل في ستينيات القرن العشرين، حينما كانت تنشط منظمات وفصائل المقاومة الفلسطينية في شرق الأردن، خاصة بعد حرب عام 1967، حيث اتخذت فصائل المقاومة، وفي مقدمتها حركة فتح بقيادة ياسر عرفات، الحدود الأردنية الإسرائيلية فرصة للتوغل في الداخل الإسرائيلي وتنفيذ العديد من عمليات المقاومة المسلحة.

تبدأ حاليًا عملية إزالة الألغام الأرضية من أجل بناء 500 كيلومتر من الأسيجة الحديدية والخرسانية، والتي تبدأ من مرتفعات الجولان شمالًا حتى منطقة رمال سمر في منطقة وادي عربة جنوب إسرائيل على الحدود مع الأردن. وسيتم تقسيم المشروع إلى العديد من المراحل الإنشائية، ستركز المرحلة الأولى منها على منطقة مرتفعات غور الأردن القريبة من الضفة الغربية. وصرّح المسؤول والمشرف على المشروع، إران أوفير، بأن الحاجز سيتضمن حدودًا ذكية عند اكتماله، متضمنًا أنظمة جمع معلومات ورادارات وكاميرات وأنظمة اتصالات متطورة.

الجدار الحديدي بين الأردن واسرائيل - أرشيفية 
الجدار الحديدي بين الأردن واسرائيل - أرشيفية 

دوافع البناء

بدأت عملية التخطيط لإقامة المشروع في نوفمبر 2024، أي بعد تولي يتسرائيل كاتس منصب وزارة الدفاع عقب إقالة يوآف غالانت، وتمت الموافقة الرسمية على بناء المشروع في مايو 2025، ومن المحتمل أن يتم الانتهاء من بنائه في مطلع عام 2028. وتبلغ التكلفة الإجمالية للمشروع حوالي 5.5 مليار شيكل إسرائيلي.

وتحاول إسرائيل حاليًا تبرير بناء السياج الحدودي إلى العديد من الاعتبارات الأمنية التي تروج لها القيادة العسكرية الإسرائيلية، ومنها منع أية محاولات لتهريب السلاح إلى الداخل الفلسطيني، خاصة الضفة الغربية، إذ تتهم تل أبيب إيران بتهريب السلاح من سوريا إلى الأردن، ومنها إلى الضفة الغربية.

الجدار الحديدي بين الأردن واسرائيل - أرشيفية 
الجدار الحديدي بين الأردن واسرائيل - أرشيفية 

ومرت فكرة السياج الأمني على الحدود الأردنية بالعديد من المراحل التاريخية، أبرزها في الستينيات حين تم تلغيم الحدود بواسطة الألغام والمتفجرات لمنع أية عملية تسلل عبر الحدود. وفي الفترة الأخيرة، ومع تآكل الألغام بفعل عوامل التعرية، برزت إلى الواجهة فكرة إنشاء السياج الأمني. ففي البداية، ساهمت عمليات تهريب الأفارقة إلى الداخل الإسرائيلي عبر الحدود الأردنية في دفع القيادة السياسية لإعادة التفكير في بناء السياج الحدودي، وذلك في عام 2018 حين طرح نتنياهو وقتها تلك المسألة.

من عام 2018 وحتى عام 2023، مرت فكرة بناء السياج الحدودي الأردني برفض قاطع من العديد من المسؤولين السياسيين في وزارة المالية الإسرائيلية، مثل بتسلئيل سموتريتش، الذي هاجم تكلفة بناء السياج الحدودي مع الأردن.

ولم يكن وزير الدفاع الحالي يتسرائيل كاتس هو أول من طالب بفكرة بناء السياج الحدودي، فقد سبقه يوآف غالانت في هذا الأمر، والعديد من القادة الكبار في الجيش الإسرائيلي، مثل اللواء المتقاعد يهودا فوكس، الذي سبق أن أرسل رسائل تحذيرية إلى رئيس هيئة الأركان السابق هاليفي، يحذره فيها من عدم بناء السياج الحدودي.

الجدار الحديدي بين الأردن واسرائيل - أرشيفية 
الجدار الحديدي بين الأردن واسرائيل - أرشيفية 

تغيرت الأمور عقب عملية طوفان الأقصى في أكتوبر 2023، إذ زادت أهمية بناء السور والسياج الأمني مع الأردن، ودخل وزير الدفاع يتسرائيل كاتس مع نظيره بتسلئيل سموتريتش في صفقة تبادلية في مايو 2025، تسمح لكاتس بالحصول على التمويل اللازم لبناء السياج الحدودي، وفي المقابل يتم السماح للجمعيات الاستيطانية ببناء العديد من البؤر الاستيطانية في الضفة الغربية، مما يعزز عملية إرضاء اليمين الإسرائيلي عن تحركات وزير الدفاع الأخيرة.

دلالات بناء السياج الحدودي:

أولًا: تسريع وتيرة بناء البؤر الاستيطانية

 جاءت عملية بناء السياج الأمني مع الأردن في مقابل تغاضي الجيش الإسرائيلي الطرف عن عملية بناء البؤر الاستيطانية الإسرائيلية في الضفة الغربية، ويأتي ذلك بالتوازي مع الإجراءات العسكرية الإسرائيلية التي تمت خلال الشهر الماضي في شمال الضفة الغربية، والتي مكنت من عزل بعض القرى والمناطق وإخلاء العديد من المنازل والأماكن.

ثانيًا: عزل الضفة عزلًا تامًا

بناء السياج الحدودي سيجعل الضفة الغربية محاصرة بين السياج الأردني شرقًا والجدار الفاصل غربًا، وبالتالي ستكون الضفة الغربية أشبه بسجن كبير محاصر من جميع النواحي بالأسيجة الحدودية المراقبة بواسطة شبكات متطورة من الكاميرات وأجهزة الرادارات ونظم الإنذار، وبذلك ستكون الضفة الغربية معزولة تمامًا عن محيطها الإقليمي، خاصة التواصل مع الأردن، حيث تمتد العديد من العائلات من شرق الأردن إلى غربه.

الجدار الحديدي بين الأردن واسرائيل - أرشيفية 
الجدار الحديدي بين الأردن واسرائيل - أرشيفية 

 

ثالثًا: زيادة عملية خنق سكان الضفة

بناء السياج الحدودي من شأنه إنجاح أية سياسة إسرائيلية مستقبلية لخنق سكان الضفة وتجويعهم، إذ بات بناء السياج الأردني يوفر فرصة للنظام الإسرائيلي لخنق الضفة الغربية وتقليل دخول البضائع والمواد الغذائية إليها، الأمر الذي يعرض سكان الضفة لخطر المجاعة في الفترة المقبلة، وسيكون الوضع مشابهًا لما يحدث حاليًا في قطاع غزة.

الجدار الحديدي بين الأردن واسرائيل - أرشيفية 
الجدار الحديدي بين الأردن واسرائيل - أرشيفية 

رابعًا: فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على الضفة الغربية

مما سبق يتضح أن عملية بناء السياج الأمني مع الأردن تمثل خطوة ليست الأولى، بل الرئيسية، في إعادة فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على الضفة الغربية، وضمها إلى إسرائيل، وتهجير سكانها.

ختامًا:

 لا يمكن قراءة مشروع بناء السياج الأمني على الحدود الأردنية الإسرائيلية باعتباره إجراءً أمنيًا تقنيًا أو استجابة ظرفية لمخاوف التهريب والتسلل، بل يندرج ضمن رؤية استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للضفة الغربية وفرض وقائع جديدة على الأرض. فالسياج لا يعزز فقط منظومة العزل والحصار، بل يسهم في تكريس فصل الضفة عن عمقها العربي والإقليمي، ويمهد لسياسات الضم وفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة عليها. وعليه، فإن هذا المشروع يعكس انتقال إسرائيل من إدارة الصراع إلى إعادة هندسته ميدانيًا، بما يحمله ذلك من تداعيات سياسية وإنسانية وأمنية عميقة على مستقبل القضية الفلسطينية والمنطقة ككل.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء