رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

صراع اليمين الإسرائيلي مع القضاء: وزراء نتنياهو متهَمون بالفساد والخيانة

المحكمة العليا الإسرائيلية
المحكمة العليا الإسرائيلية - أرشيفية

على غرار قضايا الفساد وخيانة الأمانة وتلقي الرشاوى التي تلاحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يواجه أعضاء الائتلاف الحاكم في إسرائيل حاليًا، خاصة المنتمين لقوى اليمين المتطرف، تهمًا مشابهة تتعلق بالفساد المالي وإساءة استغلال السلطات.

فخلال الأيام الأخيرة، وُجهت دعاوى قضائية وبرلمانية ضد كل من وزير المالية بتسلئيل سموتريش المنتمي إلى الحزب الديني القومي – الصهيونية الدينية "المفدال"، وأيضًا وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير المنتمي إلى حزب القوة اليهودية، بتهم متعلقة بتبديد الأموال وإساءة استغلال السلطة. وعلى غرار سلوك رئيس الوزراء في التهرب من المحاكمة القضائية، لجأ أيضًا سموتريش وبن غفير إلى نفس النهج من التهرب، سواء من المساءلة القضائية أو المساءلة البرلمانية.

إساءة استغلال السلطة

في مطلع العام الحالي، تم تقديم مذكرة قانونية إلى المدعي العام للحكومة غالي بهاراف ميارا، تفيد بتجاوز وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير الحدود القانونية لسلطته على جهاز الشرطة المدنية في البلاد، وأوضحت المدعية العامة العسكرية أن القانون الإسرائيلي يفصل سلطات الوزير في الحكومة الإسرائيلية عن سلطات جهاز الشرطة، فصلاحيات الوزير تنحصر في وضع السياسات العامة فقط، أما الشرطة فلها سلطات حصرية تتمثل في القرارات العملياتية والتحقيقية والتنفيذية، مؤكدة أن هذا الفصل راسخ في القانون.

بتسلئيل سموتريش
بتسلئيل سموتريش

وتؤكد تحقيقات النائب العام أن الوزير إيتمار بن غفير تجاوز صلاحياته في وضع السياسات العامة، وتجاوز الحدود، وأصبح يؤثر على عمليات الشرطة من خلال تصريحات معينة وأفعال علنية، وأن تلك التصرفات باتت تؤثر على سير عمليات الشرطة والتحقيقات وأولويات إنفاذ القانون، وكذلك تدخل بن غفير في مسائل أخرى مثل التعيينات العليا في الشرطة.

كما حذرت المدعية العامة من أن استمرار التدخل السياسي في عمل الشرطة يهدد بتقويض مهنية الشرطة ويضعف الشفافية القانونية لديها، فضلاً عن انعدام الثقة في إنفاذ القانون وإضعاف مبدأ المساواة القانونية. وبناءً عليه، طالبت المدعية العامة بضرورة إقالة الوزير إيتمار بن غفير من منصبه على خلفية تجاوزاته في أداء مهامه وتأثيره على عمل الشرطة.

اتهام بالانقلاب القضائي

في إطار رده على اتهامات المدعية العامة الإسرائيلية، اتهم الوزير إيتمار بن غفير المدعية العامة بمحاولة تدبير انقلاب قضائي في الحكومة، كما دعا قادة الائتلاف ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بعدم الامتثال للقرارات القضائية الأخيرة بشأن إقالته.

ومن أبرز قادة الائتلاف المطالبين بعدم الامتثال لقرار المدعية العامة كل من وزير الخارجية جدعون ساعر ورئيس الائتلاف الحاكم أوفير كاتس. وسرد إيتمار بن غفير في رده على مذكرة المدعية العامة أن تصرفاتها أشبه بتصرفات العصابات، وأنه لا توجد أية سابقة في تاريخ الديمقراطيات الغربية لعزل وزير من منصبه بأمر قضائي، ويتنافى هذا مع مبدأ الفصل بين السلطات واستقلالية السلطات في أداء مهامها. ويدعي بن غفير أن سبب محاولة المدعية العامة لإقالته هو نجاحه في الترويج لسياسات تعارضها، كما أن المدعية العامة غير قادرة على فتح تحقيق جنائي ضده لعدم وجود ما يستدعي التحقيق.

إيتمار بن غفير
إيتمار بن غفير

تحويلات مالية غير مصرح بها

في قضية أخرى طالت أحزاب اليمين المتطرف في الائتلاف الحاكم، أرسلت المستشارة القانونية للكينست، ساجيت أفيك، رسالة شديدة اللهجة إلى وزارة المالية ووزيرها سموتريش يوم 11 يناير الماضي، طالبت فيها الوزارة بضرورة تقديم كشف حساب كامل لجميع الأموال التي تم تحويلها خلال السنوات الخمس الماضية والتي لم تطلع عليها لجنة المالية في الكينست.

جاء تحرك المستشارة القانونية للكينست بعد جلسة استماع تمت في المحكمة العليا للنظر في التماسات وطعون حول قيام الحكومة بتحويل أكثر من مليار شيكل إسرائيلي من الأموال المخصصة لمدارس الحريديم. وخلال جلسة الاستماع، أقرت الدولة بأن معظم الأموال قد تم تحويلها بالفعل قبل تصويت اللجنة المالية على الموافقة، ومن جانبها أعلنت قوى المعارضة في الكينست عن تأييدها لمطالب المستشارة القانونية.

بدأ التحرك في تلك القضية حينما رفعت منظمة "حيدوش – حرية الدين والمساواة"، بالاشتراك مع عضوة الكينست نعمة لازمي، دعوى قضائية أمام المحكمة العليا بشأن تحويل الأموال إلى المؤسسات التعليمية الحريدية، وتم دمج تلك الدعوى أيضًا مع التماس آخر قدمه حزب "يش عتيد" الذي يترأسه يائير لابيد.

تأثيرات مختلفة

تحمل التحركات القانونية الأخيرة ضد أعضاء اليمين الإسرائيلي المشاركين في الائتلاف الحاكم العديد من التأثيرات المختلفة، والتي ستكون لها دور خلال الفترة المقبلة، خاصة أننا على أعتاب انتخابات تشريعية قبل نهاية العام الجاري. ومن المؤكد أن تلك التحركات سيكون لها أثر سياسي، ومن أبرز تلك الآثار المرتقبة:

تأزيم موقف اليمين المتطرف: بات اليمين المتطرف حاليًا في مآزق سياسية، خاصة بعد الدعاوى القانونية والبرلمانية الأخيرة، الأمر الذي قد ينقص شعبية تلك الأحزاب في الشارع السياسي ويمهد لخسارتها كتلها التصويتية خلال الانتخابات المقبلة.

غالي بهاراف ميارا
غالي بهاراف ميارا

تفكيك الائتلاف الحاكم: بقرار المستشارة القانونية للكينست بمساءلة وزير المالية سموتريش، بات هناك احتمالية لتفكك الائتلاف الحاكم، خاصة الأحزاب الحريدية التي تعد الضمانة الوحيدة لبقاء الائتلاف. فالقرار الأخير والمدفوع من توجهات حزب "يش عتيد" من شأنه زيادة الاضطرابات داخل الائتلاف الحاكم، واعتبار الأحزاب الحريدية مجرد عبء، وهو ما قد يهدد تماسك الائتلاف وإمكانية إجراء انتخابات مبكرة.

نتنياهو
نتنياهو

 

استمرار الضغط القضائي خاصة مع اقتراب العفو عن نتنياهو: منذ عام 2023، دخلت السلطة القضائية في صراع سياسي مع الائتلاف القائم، ونجحت في توجيه لائحة اتهام ضد رئيس الوزراء نتنياهو، الأمر الذي منح السلطة القضائية والمحكمة العليا وضعًا قانونيًا وسياسيًا قويًا. وغالبًا ما سيتم تعزيز الوضع القانوني والسياسي للسلطة القضائية بالاتهامات الأخيرة الموجهة ضد كل من سموتريش وإيتمار بن غفير، وهو ما قد يؤدي إلى تقديم نتنياهو تنازلات مؤلمة في حالة قبوله صفقة سياسية تمنحه العفو القضائي.

ختامًا:

التحركات القضائية والبرلمانية الأخيرة ضد أحزاب اليمين المتطرف في الحكومة الإسرائيلية تُظهر مدى هشاشة التوازن السياسي داخل الائتلاف الحاكم، وعلاقة السلطة القضائية بالقوى التنفيذية. فبينما يسعى الوزراء المتهمون إلى التهرب من المساءلة، تُبرز هذه القضايا التوتر المستمر بين القانون والسياسة، وتأثيرها المباشر على استقرار الحكومة ومصداقية المؤسسات. ومع اقتراب الانتخابات المقبلة، من المؤكد أن هذه النزاعات ستشكل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الأحزاب على المحافظة على شعبيتها، وستحدد بشكل كبير موازين القوى في المشهد السياسي الإسرائيلي خلال الفترة القادمة.

 محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء