ما بعد حماس: قراءة في مستجدات ترتيبات المرحلة الثانية من اتفاق غزة
في استجابة سريعة، جرى تعيين الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف مديرًا تنفيذيًا لمجلس السلام الدولي المزمع إنشاؤه، ليتولى عملية إعادة الإعمار في قطاع غزة والإشراف على حكومة التكنوقراط الفلسطينية المزمع إنشاؤها في الفترة المقبلة لإدارة القطاع. وفي هذا السياق، أعلنت حركة "حماس" إصدار أوامرها إلى جميع هيئاتها الإدارية بالاستعداد التام لتسليم السلطة إلى الحكومة الفلسطينية التكنوقراطية المقترحة لإدارة قطاع غزة.
وأكد حازم قاسم، المتحدث باسم حركة "حماس"، أن هناك تعليمات داخل الحركة بتسهيل عملية تسليم السلطة لضمان نجاح مجلس السلام الدولي والحكومة الفلسطينية المرتقبة، وذلك بما يتماشى مع المصلحة الفلسطينية وتنفيذ الخطة الأمريكية التي أوقفت الحرب، وتم التوقيع عليها في مدينة شرم الشيخ المصرية في أكتوبر الماضي.
يأتي إعلان حركة "حماس" الأخير في ظل تحولات سياسية يشهدها الوضع في قطاع غزة وحركة حماس، أبرزها اقتراب الإعلان عن تشكيل هيئة "مجلس السلام الدولي" البالغة 15 عضوًا، والتي من المفترض أن يتم الإعلان عن هذا التشكيل خلال هذا الأسبوع، حسبما صرحت صحيفة "جيروزاليم بوست" العبرية. كما يأتي إعلان حماس بعد يوم من لقاء ملادينوف مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي أصر على ضرورة نزع سلاح حركة "حماس"، كما التقى بنائب الرئيس الفلسطيني حسن الشيخ.

ترتيب البيت في حماس
جاء أيضًا البيان الأخير لحركة "حماس" بعد أيام قليلة من إعادة ترتيب البيت الداخلي في الحركة، واختيار علي العامودي رئيسًا لمكتب الحركة في قطاع غزة. وجاء اختيار العامودي بمثابة تحقيق للاستمرارية في النهج والتفكير السائد في الحركة، والقائم على التمترس وتعزيز أطروحات المقاومة والتحالف مع الدول والأطراف الداعمة لها، مثل إيران وحزب الله.
فالعامودي ينتمي إلى التيار الذي كان يقوده في السابق يحيى السنوار، والقائم على تعزيز نهج المقاومة في أدبيات الحركة واستمرار التعاون مع دول محور المقاومة، ولفظ الاتجاهات الأخرى التي برزت خلال السنوات الماضية، والرامية إلى تخفيف نهج المقاومة وفك الارتباط مع إيران وحزب الله، وتعزيز علاقات حماس مع الدول العربية المعتدلة مثل السعودية والإمارات. ويقود هذا النهج الرئيس السابق للمكتب السياسي للحركة خالد مشعل.

لذا يُدار تساؤل هنا، ما هو وضع الحركة في الداخل عقب تنازلها عن مفاتيح السلطة في القطاع للحكومة الفلسطينية التكنوقراطية؟ وهل ستستمر الحركة في إطار نهجها المقاوم، أم ستعمل على تجميد ذلك النهج مؤقتًا؟ وهل ستتخلى الحركة عن مسؤوليتها في إدارة المساعدات الغذائية والإغاثية في القطاع، والتي تستغلها الحركة في العديد من المناحي، أبرزها أنها الوسيلة الرئيسية في حصول الحركة على التمويلات اللازمة لإدارة أنشطتها المختلفة في القطاع، وأنها أيضًا وسيلة للتجنيد وإعادة التعبئة الشعبية واجتذاب عناصر جديدة من الشباب من داخل القطاع، وأخيرًا تُعد أيضًا وسيلة لتمرير خطاب حماس في الأوساط الشعبية في القطاع.
توسع قوة الاستقرار الدولية
من المؤكد أنه عقب الانتهاء من تشكيل "مجلس السلام الدولي" خلال الأسبوع الجاري وبداية الأسبوع المقبل، سيتم أيضًا الانتهاء من تشكيل الهيئات الأخرى المعاونة لمجلس السلام، مثل الإعلان عن حكومة التكنوقراط التي ستدير القطاع، وتشكيل قوة الاستقرار الدولية.
وفيما يخص تشكيل "قوة الاستقرار الدولية"، أعلنت بنغلاديش مؤخرًا عزمها المشاركة في قوة الاستقرار الدولية في قطاع غزة، وذلك بعد لقاء مستشار الأمن القومي البنغالي خليل الرحمن مع الدبلوماسيين الأمريكيين أليسون هوكر وبول كابور في واشنطن، في 11 يناير 2026.
لتنضم بذلك بنغلاديش إلى قائمة الدول الإسلامية الرامية إلى المشاركة في قوة الاستقرار الدولية، مثل تركيا وإندونيسيا وباكستان، وغيرهم من باقي الدول العربية والإسلامية. كما تأتي المشاركة البنغالية في غاية الأهمية نظرًا للخبرة البنغالية في إدارة الاضطرابات السياسية والأمنية العميقة، فمن المؤكد أن القوات البنغالية نجحت في إدارة الأزمة السياسية والأمنية التي ألمّت بالبلاد في عام 2024، حين اندلعت الاضطرابات الأمنية التي أدت في النهاية إلى دفع رئيسة الوزراء السابقة، الشيخة حسينة، إلى مغادرة البلاد والعيش في الهند منفية.
قراءة في المستجدات الأخيرة
جاءت المستجدات الأخيرة، مثل قرار حماس بتسليم الهيئات الإدارية للحكومة الجديدة ومشاركة بنغلاديش في قوة الاستقرار الدولية، لتحمل العديد من الدلالات المهمة، أبرزها:
أولًا: تصدير الأزمة للحكومة المرتقبة
يبدو في الظاهر أن انسحاب الحركة من الهيئات الإدارية في القطاع أمر في صالح المواطن الفلسطيني، إلا أنه في الباطن يحمل أزمة مرتقبة ستنفجر في وجه حكومة التكنوقراط المقبلة. فحماس تسيطر فعليًا على قطاع غزة منذ عام 2005، وعلى مدار عقدين من الزمن تغلغلت الحركة في كافة مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية في القطاع. فالأمر لا يقتصر على انسحاب قادة الحركة من مشهد إدارة القطاع، فقد تدفع الحركة أعضاءها في الصفوف الإدارية الأدنى إلى الانسحاب أيضًا، الأمر الذي يضع الحكومة المقبلة في أزمة مفتعلة، مفادها انهيار النظام البيروقراطي في القطاع وعدم وجود هيئات تنفيذية لإدارة شتى مناحي الحياة، الأمر الذي سيعرض الحكومة المقبلة لخطر السخط الشعبي المبكر على أدائها في تحقيق وظائفها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ثانيًا: إعادة تشكيل خريطة الجمعيات والمنظمات الإغاثية في القطاع
تُعد الجمعيات والمنظمات الخيرية أحد أذرع الحركة في إدارة القطاع، فمن خلالها يتم توفير التمويل واحتياجات القطاع من السلع والخدمات. لذا، فإنه في حال تراجع حركة حماس عن إدارة القطاع، سيتم أيضًا إعادة تشكيل خريطة الجمعيات والمنظمات الإغاثية في غزة. فالجمعيات المقربة من الحركة من المحتمل أن تكون أكثر تحفظًا في التفاعل والتعامل مع الحكومة الجديدة، مثل جمعية "قوافل الخير" التي اتهمتها إسرائيل بتمويل أنشطة حركة حماس، وكذلك جمعية "فلسطين الخيرية" التي مقرها تركيا، وجمعية "الوئام الخيرية"، وجمعية "البركة الخيرية"، ومؤسسة "إسراء الخيرية" التي مقرها هولندا.

ثالثًا: خلق حكومة موازية في القطاع
إزاء التخوفات السابقة من انهيار النظام الإداري والبيروقراطي في القطاع، وعزوف الجمعيات والمنظمات الخيرية عن دعم الحكومة المرتقبة، الأمر الذي سيدفع إلى بروز حكومة موازية في قطاع غزة تديرها حماس، والتي ستحتفظ بالمقومات الإدارية والخيرية لنفسها.
رابعًا: تخوف إسرائيل من هيمنة المكون الإسلامي على قوة الاستقرار الدولية
الإعلان عن مشاركة بنغلاديش يأتي بعد تأكيدات باكستان، وتعهد تركيا، وموافقة إندونيسيا على المشاركة في قوة الاستقرار الدولية. وكل الدول السابقة تنتمي إلى العالم الإسلامي، وبالتالي ستثار المخاوف الإسرائيلية من احتمالية عدم انجراف تلك القوة الوليدة لتحقيق الأهداف الإسرائيلية، المتمثلة في عملية نزع سلاح حركة "حماس" بالقوة المسلحة وتجريدها من هياكلها الإدارية.
ختامًا:
تعكس مستجدات المرحلة الثانية من اتفاق غزة تحولات عميقة في بنية إدارة القطاع ومعادلات النفوذ داخله، حيث يفتح تسليم حركة "حماس" للهيئات الإدارية الباب أمام مرحلة انتقالية معقدة تختبر قدرة حكومة التكنوقراط المرتقبة ومجلس السلام الدولي على فرض الاستقرار وإدارة الملفات الخدمية والأمنية. وفي الوقت ذاته، يفرض توسع قوة الاستقرار الدولية، وتزايد المشاركة الإسلامية فيها، تحديات إضافية تتعلق بتوازن المصالح الإقليمية والمخاوف الإسرائيلية من طبيعة هذه القوة ودورها الفعلي. وبين رهانات التفكيك الإداري، وإمكانية بروز حكومات موازية، يظل نجاح الترتيبات الجديدة مرهونًا بمدى قدرة الأطراف الدولية والفلسطينية على منع فراغ السلطة، وضمان انتقال منظم لا يعيد إنتاج الأزمات القديمة في ثوب جديد.



