بين سندان المدخرين ومطرقة الاستثمار.. توصيات الخبراء تميل لدعم الإنتاج
في منعطف اقتصادي حاسم، تتجه أنظار المراقبين نحو البنك المركزي المصري وسياسته النقدية، التي أصبحت بمثابة إبرة البوصلة الموجهة لمستقبل التعافي. بينما تتهافت الأنباء عن تحسن مؤشرات العملة الصعبة وتراجع معدلات التضخم، يبرز قرار خفض أسعار الفائدة كأهم أدوات السياسة النقدية، محللاً بضربة واحدة بين دعم مسيرة التنمية وتهدئة مخاوف الاستقرار المعيشي.
فهل يمثل التيسير النقدي الضمانة الحقيقية لانطلاق القطاع الإنتاجي من قيود التمويل الباهظ؟ أم أن الاقتصاد المصري لا يزال في حاجة إلى علاج جذري يعتمد على تعزيز الإنتاج المحلي لسد فجوة الواردات؟ تصريحات الخبراء تكشف لوحة اقتصادية معقدة، حيث تتداخل السياسات النقدية مع العوامل الخارجية والتحديات الهيكلية، لتشكل خريطة الطريق نحو الاستقرار والنمو المستدام.
دفة الاقتصاد تتجه نحو التيسير
في تحول لافت، بدأت السياسة النقدية في مصر تأخذ منحىً تيسيرياً بعد فترة من التشدد، مدفوعة بتحسن مؤشرات الاقتصاد الكلي.
وأكد الخبير المصرفي طارق حلمي أن قرار خفض الفائدة "ينعكس إيجابيًا على الاقتصاد ككل"، مشيراً إلى أنه يقلل من تكلفة التمويل على القطاع الإنتاجي والصناعي، مما يشجع الشركات على التوسع وضخ استثمارات جديدة. كما يخفض هذا القرار، بحسب حلمي، "أعباء خدمة الدين على الدولة" عبر تقليل الفوائد على أدوات الدين المحلي، مما يساعد في تحقيق هدف خفض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي إلى مستويات قريبة من 80%.
وفي الاتجاه ذاته، يرى الخبير محمد البيه أن البيئة الاقتصادية أصبحت مهيأة لهذه الخطوة، مدعوماً بـ"تحسن ملحوظ في مصادر العملة الأجنبية".
ويستند البيه في تحليله إلى قفزة تحويلات المصريين في الخارج إلى نحو 36 مليار دولار، وارتفاع إيرادات السياحة إلى ما بين 13 و13.5 مليار دولار، بالإضافة إلى تدفق استثمارات أجنبية غير مباشرة في أذون الخزانة بلغ رصيدها قرابة 40 مليار دولار.
ويؤكد أن هذا الاستقرار في سوق الصرف ساهم بشكل مباشر في "احتواء التضخم"، مفسحاً المجال للبنك المركزي لمواصلة سياسة التيسير النقدي.
المدخرون.. الطرف الأكثر تضرراً
لكن كل سياسة لها ثمنها.. يُسلط طارق حلمي الضوء على الجانب الاجتماعي الأبرز لقرار خفض الفائدة، وهو تأثيره السلبي على "القطاع العائلي الذي يعتمد بشكل كبير على العوائد الشهرية من الودائع".
ويوضح أن انخفاض الفائدة من مستويات 22-23% إلى 14-15% يعني تراجعاً كبيراً في العوائد التي كانت تساعد الأسر على مواجهة ارتفاع الأسعار.
ومع ذلك، يرى حلمي أن هذا الأثر "يمكن احتواؤه" إذا ما انخفضت الأسعار في السوق بتناسب مع تراجع التضخم، وهو أمر رهين بتجاوز التجار واستجابة السوق.
الإنتاج المحلي.. الحل الاستراتيجي الذي لا غنى عنه
بينما تركز التحليلات على السياسة النقدية، يقدم الخبير الدكتور أحمد شوقي رؤية أعمق، مؤكداً أن "السياسات النقدية لا تكفي" وحدها لتحقيق استقرار اقتصادي حقيقي.
ويشدد على أن "الحل الجذري لخفض التضخم يتطلب زيادة معدلات الإنتاج المحلي والتشغيل"، مما يقلل من فجوة الميزان التجاري التي تتجاوز 30 مليار دولار.
وتتماشى هذه الرؤية مع ما أشار إليه البيه من مؤشرات إيجابية على أرض الواقع، مثل نمو صناعة المنسوجات بنسبة 25%، وتوسع الصناعات البتروكيماوية والإلكترونية، ودخول مصانع جديدة لتجميع السيارات مثل "بروتون" و"جيتور" و"جيلي" إلى السوق، بالإضافة إلى مشروعات الاستثمار الأجنبي المباشر كمصنع الإطارات الصيني في العين السخنة.
كل هذه العوامل، كما يؤكد شوقي، تعمل على "تقليص الطلب على العملة الأجنبية" وتدعم استقرار سعر الصرف، وهو ما يؤدي تدريجياً إلى رفع قيمة الجنيه.
توقعات مستقبلية.. بين التفاؤل والواقعية
رغم التحسن الكبير في معروض العملة الصعبة، يحذر طارق حلمي من التفاؤل المفرط بشأن سعر الصرف، واصفاً التكهنات بهبوط الدولار إلى 35 أو 40 جنيهاً بأنها "غير واقعية".
ويعلل ذلك باستمرار العجز الكبير في الميزان التجاري، مما يعني بقاء الطلب على الدولار أعلى من المعروض، متوقعاً أن يظل السعر في نطاق 46-50 جنيهاً للدولار في المدى المنظور.
من ناحية أخرى، يبدو البيه أكثر تفاؤلاً بشأن استمرار سياسة التيسير، "طالما أن استقرار سعر الصرف واحتواء التضخم مستمران"، معتبراً أن ارتفاع معدلات الفائدة الحقيقية بشكل مبالغ فيه يمثل "عبئًا على الاستثمار وحركة الصناعة".
الخلاصة التي تقدمها تصريحات الخبراء هي أن الاقتصاد المصري يقف على أرضية أكثر صلابة، حيث تعمل سياسة خفض الفائدة كـ"متنفس" للاستثمار والنمو، وفقاً للبيه. لكن هذه السياسة ليست عصاً سحرية.
إنها أداة فعالة فقط عندما تكون جزءاً من استراتيجية شاملة، كما يوضح د. شوقي، ترتكز على دعم القطاع الإنتاجي لتحقيق الاكتفاء الذاتي وتعزيز الصادرات. المعادلة صعبة، لكنها واضحة: خفض الفائدة يحفز الاستثمار ويخفض كلفة الدين، لكن ضمان استمرارية النمو والاستقرار الاجتماعي يمر حتماً عبر بوابة الإنتاج، الذي وحده يمكنه سد فجوة الميزان التجاري وبناء اقتصاد حقيقي قادر على الصمود.

