هل اقتربت لحظة الانفراجة؟ .. خبراء يكشفون سر تراجع الدولار وتأثيره على السوق| ملف خاص
تحت عنوان "هل اقتربت لحظة الانفراجة؟"، يرصد فريق إيجيبتك في هذا الملف الخاص التطورات اللافتة في سوق الصرف، بعد تراجع سعر الدولار إلى ما دون 48 جنيهًا لأول مرة منذ عام. نستعرض خلال هذا الملف آراء خبراء اقتصاديين ومصنعين حول أسباب هذا الهبوط المفاجئ، وتأثيراته المحتملة على السوق المصرية، ومستقبل الأسعار في ظل هذه المتغيرات.
لماذا ينخفض الدولار الآن؟
يرى مهند ياقوت، كبير محللي الأسواق بالشرق الأوسط بشركة سكوب ماركتس، أن التراجع الأخير في سعر صرف الدولار أمام الجنيه المصري يُمثل تطورًا مهمًا يعكس تحسنًا ملموسًا في المؤشرات الاقتصادية، وليس مجرد تحرك تقني مؤقت.

سياسة نقدية مختلفة
يوضح ياقوت في تصريحات خاصة لـ “ ايجيبتك ” أن قوة الجنيه في 2025 لم ترتبط بتدفقات الأموال الساخنة كما في السابق، بل جاءت رغم خفض البنك المركزي أسعار الفائدة تدريجيًا بمقدار 525 نقطة أساس خلال الفترة من أبريل حتى أغسطس، ليصل سعر الإيداع إلى 22%.
هذه السياسة حدّت من جاذبية أدوات الدين قصيرة الأجل، وأبرزت أن الدعم الحالي للجنيه يستند إلى مصادر أكثر استدامة.
احتياطي النقد الأجنبي وتعافي الموارد
يشير ياقوت إلى أن ارتفاع الاحتياطي النقدي الأجنبي إلى أكثر من 49 مليار دولار بنهاية يوليو عزز الثقة في قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها، وقلل من فرص المضاربة على الدولار.
كما ساهمت زيادة تحويلات المصريين بالخارج بنسبة 81% خلال الأشهر السبعة الأولى من 2025، إلى جانب تعافي عائدات السياحة بنسبة 24%، في توفير مصادر حقيقية لدعم العملة المحلية.
أضاف ياقوت أن صرف الشريحة الأخيرة من قرض صندوق النقد الدولي بقيمة 1.2 مليار دولار في مارس 2025، بعد مراجعة ناجحة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي، منح إشارات إيجابية للمستثمرين الدوليين، وأعاد الثقة في مسار الاقتصاد المصري، خاصة مع التزام الدولة بتنفيذ إصلاحات هيكلية.
تراجع عالمي انعكس محليًا
على جانب آخر يرى، الخبير المصرفي الدكتور هاني حافظ ، أن الدولار شهد خلال الأيام الماضية تراجعًا ملحوظًا أمام معظم العملات الرئيسية، وهو ما انعكس بدوره على السوق المحلي في مصر بتراجع سعره مقابل الجنيه بعد فترة من الاستقرار النسبي.
ولفت إلى أن هذا التراجع في الأساس يرجع إلى ضغوط اقتصادية داخل الولايات المتحدة، أبرزها ضعف بيانات سوق العمل التي جاءت أقل من التوقعات، ما دفع الأسواق إلى ترجيح اتجاه الاحتياطي الفيدرالي نحو تخفيض أسعار الفائدة خلال اجتماعاته المقبلة ، وأن خفض الفائدة يعني تقليص جاذبية الدولار كوعاء استثماري، وبالتالي فقدان جزء من قوته أمام العملات الأخرىى ، إلى جانب ذلك، فإن حالة القلق التي تسود الأسواق بشأن استقلالية السياسة النقدية الأمريكية، في ظل إشارات عن تدخلات سياسية محتملة، عززت حالة عدم اليقين ودعمت اتجاه المستثمرين إلى البحث عن بدائل أكثر استقرارًا.

ما هو الوضع الراهن؟ ومدى التأثير على الأسواق
يرى الدكتور علي الإدريسي، الخبير الاقتصادي وأسواق المال، أن هبوط الدولار إلى ما دون مستوى 48 جنيهًا يفتح نافذة تفاؤل لكن لا يغيّر المعادلة الكاملة تلقائيًا، فالسعر الرسمي الذي تراقبه البنوك والسوق أظهر تقلباً حول منتصف الـ 48 جنيه خلال الأيام الأخيرة، بينما تسجّل بيانات البنوك المركزية ومصادر السوق تقارباً مماثلاً في معدلات التداول.
متى تستفيد الصناعة من تراجع الدولار؟
بينما يؤكد المهندس محمد البهي، عضو مجلس إدارة اتحاد الصناعات المصرية أن تأثير انخفاض سعر الدولار أمام الجنيه المصري لن يظهر بشكل ملموس في الوقت الراهن، وسيبدأ فقط عند حدود هبوط تتراوح بين 15–20٪ حتى يحدث تأثير قوي ومستدام على الصناعة الوطنية، موضحًا أن انخفاض الدولار الحالي (بنحو 5–6٪ من ذروته) لا يزال بعيداً عن المستوى الذي يمكن أن يشكّل تأثيرًا صناعيًا عميقًا، وفق ما أشار إليه البهي.

وأشار إلى أنه على الرغم من تحسن طفيف في سعر الصرف، فإنه لم يصل بعد إلى مستويات كافية لتحفيز تأثيرات ملموسة على الصناعة. يرى البهي أن المؤشرات لا تزال ضمن نطاق "الهبوط الجزئي"، وحتى يصل إلى 15–20٪ انخفاضًا لن تُلاحظ الأثر الكافي على الصناعة الوطنية، سواء من حيث الكلفة أو الأداء. لكن حال حدوث مثل هذا الانخفاض، فإن المستفيد الأكبر سيكون شرائح المقترضين والمستوردين، الذين سيُعاد توجيه السيولة نحو الاستهلاك والاستثمار الصناعي.
هل لعبت صفقة العبار دورًا في مصر؟
يؤكد البهي أنه لا يمكن إنكار أن توقيع صفقة استثمارية ضخمة لتطوير مشروع “مراسي ريد” على ساحل البحر الأحمر كان له أثراقتصادي مباشر، لافتا إلى أن هذه الصفقة، التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات، فقد بعثت برسالة قوية للأسواق مفادها أن مصر قادرة على جذب استثمارات استراتيجية كبرى، ما انعكس في صورة ضغوط بيعية على الدولار وتعزيز للجنيه ، ما يعني أن الصفقة لم تكن العامل الرئيسي في تراجع الدولار عالميًا، لكنها كانت عاملًا محفزًا لانخفاضه محليًا، وأعطت دفعة قوية للثقة في الاقتصاد المصري.

بينما يرى الدكتور علي الإدريسي، الخبير الاقتصادي وأسواق المال، أن الصفقات الاستثمارية الكبرى مثل مشروع «مراسي ريد»، يؤكد الإدريسي أن دورها مهم لكنه محدود زمنيًا، فهي تعزز معنويات السوق وترفع التدفقات الرأسمالية على المدى المتوسط، إلا أن أثرها الفعلي على السيولة الدولارية والاحتياطي الأجنبي يحتاج سنوات حتى تظهر ثماره.
هل يصل الدولار إلى 40 جنيه؟
وحول إمكانية هبوط الدولار إلى مستوى 40 جنيهًا، وصف الإدريسي ذلك بأنه «هدف طموح للغاية» يتطلب تغييرات هيكلية عميقة وكميات ضخمة من العملة الصعبة في فترة وجيزة، تتمقل في زيادات ملموسة في الصادرات، تحسن إيرادات السياحة وقناة السويس، جذب استثمارات مباشرة ضخمة، وارتفاع الاحتياطي الأجنبي، مؤكدًا أ من دون هذه العوامل، يبقى سيناريو 40 جنيهًا بعيدًا في المدى القصير، إلا إذا حدثت تطورات استثنائية كصفقات سيادية ضخمة أو إعادة تسعير شاملة للسياسات النقدية والمالية.
التقليل من الضغوط التضخمية
أما عن انعكاسات قوة الجنيه على التضخم والذهب والأسواق، فيشير إلى إن انخفاض الدولار يخفف من الضغوط التضخمية المستوردة خصوصًا على السلع والوقود وقطع الغيار. بينما تتأثر أسعار الذهب في السوق المحلية مباشرة بتحرك الجنيه مقابل الدولار، لكنها في الوقت نفسه مرتبطة بالسعر العالمي للأوقية وعوائد السندات الأمريكية، مما يجعل النتيجة النهائية مزيجًا بين العوامل الداخلية والخارجية.

تعزيز ثقة المستثمرين وخفض تكاليف التمويل
أما فيما يتعلق بمؤشرات البورصة، فأوضح الإدريسي أنه عادة تعافي العملة يعمل على تحسينها من خلال تعزيز ثقة المستثمرين وخفض تكاليف التمويل المستورد، لكن التأثير يختلف من قطاع لآخر حسب طبيعة الشركات ما إذا كانت مصدرة أم مستوردة.

وفي ما يخص الصفقات الاستثمارية الكبرى مثل مشروع «مراسي ريد»، يؤكد الإدريسي أن دورها مهم لكنه محدود زمنيًا، فهي تعزز معنويات السوق وترفع التدفقات الرأسمالية على المدى المتوسط، إلا أن أثرها الفعلي على السيولة الدولارية والاحتياطي الأجنبي يحتاج سنوات حتى تظهر ثماره.
دورة تعافي أم هدنة مؤقتة
في النهاية، نجد أن تراجع الدولار أمام الجنيه المصري تحت مستوى الـ 48 جنيهًا، فإنه يمنح الاقتصاد المصري متنفسًا ويبعث رسائل إيجابية للأسواق، إلا أنه لا يكفي لإحداث دورة تعافٍ مستدامة، ترتكز على مدى تحسن 4 مؤشرات رئيسية وهي صافي الاحتياطي الأجنبي لدى البنك المركزي، حجم الواردات والصادرات، إيرادات قناة السويس وقطاع السياحة وتحويلات المصريين بالخارج، والتدفقات الرأسمالية واستثمارات المحافظ.
إذا تحسنت بالتوازي مع سياسات نقدية ومالية منضبطة، يمكن تحويل «الهدنة المؤقتة» إلى مسار تعافٍ حقيقي للجنيه المصري.