صفقة كبرى في تل أبيب: نتنياهو يستبق المحاكمة بخطة إعادة تموضع سياسي
لا تزال أزمة العفو الرئاسي عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تشغل الرأي العام الإسرائيلي، خاصة في ظل التصريحات الأخيرة لنتنياهو التي أكد فيها عدم نيته الإقرار بالذنب أو حتى اعتزال الحياة السياسية. فنتنياهو ذو الـ(76) عامًا ما زال يبحث عن الاستمرارية في الحياة السياسية الإسرائيلية لسنوات مقبلة، ليكون أكبر رئيس وزراء لإسرائيل في التاريخ فضلًا عن كونه أكثر شخصية إسرائيلية تولت هذا المنصب الرفيع.
تصريحات نتنياهو تنبئ عن أن جعبته ما زالت تمتلك العديد من الأحابيل السياسية الفعالة. فنتنياهو منذ صعوده السياسي في عام 1996 امتلك المرونة السياسية الكاملة التي مكنته من الاستمرارية في منصب رئيس الوزراء لفترة تقارب 15 عامًا، وتحديدًا من عام 2009 إلى عام 2025، ولم يخسر منصبه إلا في عام 2022 فقط، وسرعان ما استرده.

عدم الإقرار بالذنب
يُحاكم حاليًا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في ثلاث قضايا متعلقة بالفساد والاحتيال وخيانة الأمانة، وأُثيرت على وسائل الإعلام الإسرائيلية منذ عام 2019 إلى اليوم. واستغل نتنياهو فترة الحرب الأخيرة (2023 ــــــــ 2025) في تأجيل محاكمته في القضايا المنسوبة إليه. وعقب انتهاء الحرب انهالت الدعوات المؤيدة لصدور العفو السياسي عن نتنياهو من قبل أعضاء حزب الليكود تحت دعاوى مختلفة، أبرزها الحفاظ على التماسك الداخلي والأمن القومي الإسرائيلي، وأخيرًا تكريم الشخص الذي نجح في استعادة الرهائن المختطفين والقضاء على خطري حركة حماس وحزب الله، وأخيرًا ضرب المشروع النووي الإيراني.
يصر رئيس الوزراء الإسرائيلي على عدم الاعتراف بالذنب؛ ففي خلال المؤتمر الصحفي المشترك مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس يوم 8 ديسمبر 2025 أكد نتنياهو أنه يرفض فكرة الانسحاب من الحياة العامة كما يستبعد فكرة الإقرار بالذنب.
الصفقة الكبرى
باتت إسرائيل على موعد مع صفقة سياسية كبرى يجري التجهيز لها حاليًا في الغرف المغلقة، أطرافها ثلاث شخصيات مهمة، وهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، والرئيس يتسحاق هرتسوغ، وأخيرًا رئيس المحكمة العليا يتسحاق عاميت، الذي كان له في الأيام القليلة الماضية تصريحات على هامش مؤتمر جمعية القانون العام تفيد بانحدار مستوى الديمقراطية الإسرائيلية والتوجه إلى نظام استبدادي قائم على الحكم الفردي.

يلمح العديد من أطراف النظام الإسرائيلي إلى وجود صفقة سياسية كبرى يتم التحضير لها الآن في الأروقة الداخلية في تل أبيب وواشنطن. وتركن الصفقة على عدد من الثوابت، أبرزها إنهاء مشكلة الانقلاب القضائي وتشكيل لجنة رسمية للتحقيق في أحداث 7 أكتوبر، وزيارة نتنياهو لواشنطن، واحتمالية أن تجني الزيارة ثمارًا سياسية متعلقة بمستقبل اتفاقيات إبراهام في المنطقة.
وفي هذا الصدد يشير الكاتب الإسرائيلي ألوف بن، رئيس تحرير صحيفة هآرتس العبرية، إلى احتمالية ميلاد معسكر سياسي جديد في تل أبيب على خلفية العفو عن نتنياهو، وذلك في مقالته الصادرة يوم 9 ديسمبر.
يشير ألوف بن إلى احتمالية قيام رئيس الوزراء بتغيرات واسعة على معسكره السياسي بإقصاء قوى اليمين المتطرف والانعطاف إلى قوى يمين ويسار الوسط الإسرائيلي، وسيكون ذلك مقابل إيقاف خطة الإصلاح القضائي التي سبق أن تقدم بها نتنياهو، فضلًا عن احتمالية توقيع اتفاقية تطبيع مع المملكة العربية السعودية خلال الأشهر المقبلة، وهو الأمر الذي سيعزز المكانة السياسية لنتنياهو في الأوساط الداخلية.

يوضح رئيس تحرير صحيفة هآرتس أن نتنياهو عمل خلال الفترة الماضية على خيانة شركائه في الائتلاف بطريقة غير مقصودة وغير متعمدة من خلال الاستجابة لمطالب خصومه السياسيين بأهمية الإفراج عن الرهائن المحتجزين لدى حماس، وفي المقابل عدم إعارة الانتباه إلى مطالب حلفائه في الائتلاف من قوى اليمين المتطرف التي كانت تطالب بفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية وإخلاء قطاع غزة بالكامل من السكان.
واستبق نتنياهو زيارته لواشنطن بقراره الأخير إزالة 14 بؤرة استيطانية في الضفة الغربية واعتقال ما يقارب 70 مستوطنًا، مما يوحي بخضوع نتنياهو للإدارة الأمريكية التي ترى ضرورة تهدئة الأحوال في الضفة الغربية في الوقت الراهن، وضرورة إبراز إسرائيل وجهها المعتدل لكي يكون ذلك خطوة في سبيل إكمال اتفاقيات إبراهام مع السعودية وباقي الدول العربية.
ومما لا شك فيه، فإن إقرار إزالة 14 بؤرة استيطانية من أصل 250 بؤرة استيطانية في الضفة الغربية يحمل رسالة سياسية مبطنة إلى قوى اليمين المتطرف بأن أحلامهم في الاستيطان الكامل في الضفة وفرض السيادة عليها باتت مؤجلة لحين إعادة ترتيب الأوضاع الداخلية والخارجية لنتنياهو وإسرائيل.
شعبية مضطربة
يواصل ألوف بن ترويجه للصفقة المحتملة بأن الرسائل السياسية التي بعث بها نتنياهو باتت تلقى قبولًا واسعًا في الأوساط المعارضة، خاصة ساحة كابلان، وهي الساحة المخصصة للتظاهرات المناهضة لنتنياهو، خاصة بعد نجاحه في الإفراج الكامل عن كافة المحتجزين والرهائن لدى حركة حماس. وبات الشعار المرفوع حاليًا: "لا نريد بيبي.. لكن بيبي وحده هو القادر على تحقيق رغباتكم"، وهو ما يشير إلى الشعبية المضطربة التي يتمتع بها رئيس الحكومة الإسرائيلية، إذ يستغل براغماتية الشارع السياسي الإسرائيلي القائمة على تحقيق رغبات الشارع في مقابل استمرار الاحتفاظ بمنصبه.
على هامش المناورة
يتمتع نتنياهو بمرونة شديدة وامتلاكه فن المناورات السياسية. فحاليًا يتم الترويج لمظهر "بيبي المعتدل" لأجل الحصول على العفو السياسي، متسلحًا بالعديد من أوراق الضغط التي سيمارسها على الجهات المناوئة له مثل السلطة القضائية، كاحتمالية إلغاء خطته للإصلاح القضائي، والأهم من ذلك إعادة النقاش حول إمكانية تشكيل لجنة رسمية للتحقيق في أحداث 7 أكتوبر يترأسها قاضٍ من المحكمة العليا.
وتأتي ورقة تشكيل اللجنة الرسمية في ظل تعالي الأصوات الداخلية المطالبة بالتدخل لتشكيل لجنة رسمية للتحقيق في أحداث 7 أكتوبر. فعلى سبيل المثال، طالب رونين بار، الرئيس السابق لجهاز الأمن العام "الشاباك" خلال أحداث 7 أكتوبر، بضرورة تشكيل لجنة رسمية للتحقيق في أحداث 7 أكتوبر حتى لا تتكرر تلك الأحداث مرة أخرى.

الموافقة على قانون تجنيد الحريديم
في سبيل تودده لقوى يمين ويسار الوسط مثل الحزب الديمقراطي الإسرائيلي بقيادة يائير جولان، الذي يضم في طياته حزبي العمل وميرتس، لم يغفل أيضًا التودد للأحزاب الحريدية مثل شاس ويهدوت هتوراه. ففي خلال حضوره جلسة الكنيست يوم الاثنين 8 ديسمبر أعلن نتنياهو عن تأييده العميق لقانون إعفاء الحريديم، مدعيًا أن القانون سيؤدي إلى إعفاء الآلاف من جنود الاحتياط من الخدمة، ومنتقدًا في ذلك الوقت مشروع القانون المقدم من المعارضة الإسرائيلية.
مما يعطينا شكلًا مبدئيًا للتحالف الإسرائيلي القادم، الذي قد يكون مبنيًا على ائتلاف ثلاثي الأبعاد: مكون من الليكود بصورته المعتدلة، وقوى يسار الوسط الإسرائيلي بقيادة الحزب الديمقراطي، وأخيرًا تحالف الأحزاب الحريدية.
وختامًا:
يتضح أن رئيس حزب الليكود الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ذو الـ76 عامًا يراهن على مسألة الوقت وإطالة الأمد. فحاليًا يحاول الانسلاخ من تحالفه مع قوى اليمين المتطرف، وإعادة الارتباط مع قوى يسار الوسط مثل الحزب الديمقراطي، الذي يشكل حزب العمل القوة الضاربة فيه، مستعيدًا ذكريات التعاون بين الحزبين إبان فترة إسحاق رابين وإسحاق شامير في ثمانينيات القرن الماضي.
كما يُدرك نتنياهو أن مستقبله السياسي بات قصير الأجل لاعتبارات تقدمه في السن وعدم قدرته المستقبلية على مواصلة أعماله، لذا يسعى إلى تحقيق خروجه الآمن من الحياة السياسية الإسرائيلية، وذلك عن طريق حصوله على عفو سياسي غير مشروط بالإقرار بالذنب، واستمراره في السلطة بضع سنوات قليلة مقبلة ترسخ لمجده الشخصي في خدمة الدولة الإسرائيلية.



