طارق أبو هشيمة: «الإفتاء» محطة تاريخية تعكس مسيرة طويلة من التطوير
قال الدكتور طارق أبو هشيمة ، مدير المؤشر العام العالمى للفتوى بدارالإفتاء، إن الدار تحتفي هذا العام بمرور 130 عامًا على تأسيسها، وهى محطة تاريخية تعكس مسيرة طويلة من التطوير المؤسسي للعمل الديني في مصر، وترسخ مكانة الدار كإحدى أهم المؤسسات الشرعية في العالم الإسلامي، وقد شكل تأسيس دار الإفتاء لحظة فارقة في ضبط منهج الفتوى داخل الدولة المصرية، ونقلها من الاجتهاد الفردي إلى منظومة مؤسسية تعتمد على المعرفة الشرعية المتخصصة ومشاركة خبراء من مختلف المجالات المرتبطة بالقضايا والنوازل الحديثة.
وأضاف أبو هشيمة، خلال مداخلة على شاشة النيل للأخبار، أن هذه الذكرى لا تمثل مجرد مرور أعوام، بل توثيقًا لمسار طويل، مهد لواحدة من أهم المؤسسات الدينية التي تقدم خدمات الإفتاء وفق منهج علمي رصين ومعايير دقيقة تراعي التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للمجتمع المصري والعالم الإسلامي.
مراحل تاريخية مسار دار الإفتاء
وأوضح ، لقد مرت الدار عبر تاريخها بالعديد من المراحل الجوهرية، وكانت إحدى أهم المحطات بداية تدوين الفتاوى، حيث لم تعد الفتاوى سجلًا دينيًا فحسب، بل أصبحت مرجعًا علميًا للباحثين والمتخصصين في العلوم الاجتماعية والدينية، توثق طبيعة الأسئلة والقضايا التي شغلت المجتمع المصري في كل فترة زمنية، مؤكدًا على أن في مراحل لاحقة، واصل المفتون تطوير منهج الإفتاء بما يواكب تطور الدولة وتغير احتياجات المجتمع، الأمر الذي جعل أرشيف الفتوى ذا قيمة معرفية وتاريخية كبيرة، ومع تولي الدكتور علي جمعة منصب مفتي الديار المصرية، شهدت الدار نقلة نوعية عبر استقلالها ماليًا وإداريًا عن وزارة العدل، وإنشاء إدارات متخصصة تخدم الجمهور وتتعامل مع قضاياه المتنوعة بدقة منهجية.
دور مصر في تنظيم عمل الفتوى
وأشار إلى أن جاءت مرحلة جديدة في تاريخ الدار، خلال عهد المفتي الدكتور شوقي علام، حيث انتقلت الدار من الإطار المحلي إلى البعد العالمي، عبر تأسيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، وهي منصة دولية تهدف إلى توحيد منهج الفتوى وضبط المرجعيات الشرعية في العالم الإسلامي، فيما يعزز مكانة مصر الريادية كمركز علمي ومرجعي للفتوى الرشيدة ومواجهة الفتاوى المتطرفة، وهذا التحول لم يكن مجرد توسع إداري، بل خطوة استراتيجية لتنظيم الخطاب الديني والرد على القضايا العابرة للحدود والتي باتت تؤثر على المجتمعات المسلمة المختلفة في عصر العولمة.
عصر رقمنة الفتوى
وأكد الدكتور طارق أبو هشيمة، أنه في عهد المفتي الحالي الدكتور نظير عياد، دخلت الدار مرحلة جديدة من التطوير ترتكز على مواكبة قضايا الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، فقد نظمت الدار خلال الأشهر الماضية مؤتمرًا دوليًا تناول تأثيرات الذكاء الاصطناعي على الفتوى والعمل الديني، في خطوة تعكس رؤية استشرافية لمستقبل الفقه والتشريع في ظل التحولات التكنولوجية المتسارعة، مشيرًا إلى إطلاق دار الإفتاء حزمة من الخدمات الرقمية مثل، تطبيقات إلكترونية للإفتاء، مواقع توفر قواعد بيانات وفتاوى موثقة، خدمة البث المباشر للفتوى يوميًا، ومنصات تفاعلية متقدمة للإجابة على أسئلة الجمهور، كل هذه المبادرات سهلت وصول الفتوى الشرعية المعتمدة للجمهور داخل مصر وخارجها، دون مشقة أو تعقيد، بما يتناسب مع ظروف العصر وسرعة الحصول على المعلومات.
إعداد كوادر دولية للإفتاء
ولفت إلى أن، إحدى أهم خطوات التطوير، كانت إنشاء مركز لإعداد المفتين يعمل بنظام التعليم الحضوري وعن بُعد، يهدف إلى نقل خبرة الدار الممتدة لأكثر من قرن إلى المفتين حول العالم، ليصبحوا سفراء للمنهج المصري المعتدل في الإفتاء ومكافحة الفتاوى المتشددة أو الخاطئة، ويأتي هذا التحرك في إطار دور دار الإفتاء كقوة ناعمة تعكس صورة مصر العلمية والدينية المتوازنة.

