رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في كل مجتمع، هناك نساء لا يعرف الناس أسماءهن، ولا تتصدّر صورهن الشاشات أو الصفحات الأولى، لكن بصماتهن تمتد بهدوء وعُمق، في كل زاوية من زوايا الحياة. هُنّ "النساء غير المرئيات"؛ الأمهات، الزوجات، العاملات، وربات البيوت، اللواتي يقمن بأدوار جوهرية لا تُقاس بالصوت المرتفع، بل بالثبات والصلابة، وبالعمل اليومي المتواصل الذي يبني مجتمعًا كاملًا من الداخل.


وقد أشار الرئيس عبد الفتاح السيسي في أكثر من مناسبة إلى هذا الدور، مؤكدًا أن الأسرة المصرية تقوم على كتف امرأة واعية وصبورة، تقف بجوار زوجها في الشدة قبل الرخاء، وتتحمّل معه ظروف الحياة وتحدياتها، وتربّي الأجيال القادمة على القيم والانضباط والانتماء.


• البطولة الصامتة: حين تصنع المرأة نهضة من خلف الستار


هناك مفهوم خاطئ يربط القيمة بالظهور، وكأن الإنسان لا يُصبح مؤثرًا إلا حين يراه الآخرون. لكن التاريخ -والحياة اليومية - يثبتان العكس. فالمجتمعات لا تنهض بالضوء وحده، بل بالظلّ الذي يحميه. وبالأساس، لا يقوم صرحٌ بلا جذور، ولا تنجح دولة بلا نساء يقفن في عمق النسيج الاجتماعي ويضمنّ تماسكه.


في البيوت المصرية، هناك آلاف النساء اللواتي يستيقظن قبل الجميع وينمن بعد الجميع، يدرن شؤون المنزل، ويربين الأطفال، ويتحملن ضغوط الحياة الاقتصادية والنفسية، وفي الوقت نفسه يساندن الأزواج في مسيرتهم المهنية أو التعليمية أو العملية.
هؤلاء لا ينتظرن مديحًا ولا تصفيقًا، لكنّ صبرهن يشكّل قاعدة صلبة لبناء أسرة متوازنة، وأسرة متوازنة تعني مجتمعًا قادرًا على الصمود.


• المرأة شريك لا تابع: دورها في نهضة الأسرة


الزوجة ليست "مسانِدة" في المعنى الهامشي للكلمة، بل هي شريك كامل في صناعة حياة. حين تهتم بخلق بيئة آمنة داخل البيت، فإنها تمنح زوجها القدرة على العمل بدون قلق، وتمنح أبناءها القدرة على النمو بدون خوف. إنها تُدير ميزانية المنزل، وتخطط لمستقبل الأبناء، وتخفف عن الزوج ضغوطه، وتزرع في الأولاد الانضباط والرحمة والهوية.


هذا الدور هو في الحقيقة أحد أعمدة الأمن الاجتماعي - لكنه غالبًا ما يُختزل في تفاصيل صغيرة لأن المجتمع اعتاد رؤيته كأمر "طبيعي."


غير أن ما هو "طبيعي" قد يكون في جوهره بطولة. فالصمود اليومي، والتحمّل، والتنظيم، والحرص على استقرار الأسرة، هي أفعال عظيمة وإن كانت بلا ضجيج.

• النسخة غير المرئية من النهضة


حين نتحدث عن نهضة المجتمعات، نظن أنها تبدأ بالمشروعات الكبرى، أو بخطط التنمية، أو بالقرارات السياسية. لكن الحقيقة أن النهضة تبدأ من المنزل؛ من شخصية شاب لم يستسلم لليأس، ومن بنت تربّت على الثقة بالنفس، ومن زوجة تقف إلى جانب زوجها وتدعمه في أصعب أيامه.


وراء كل رجل ناجح امرأة تحمل نصف الطريق بصبر، ووراء كل طفل سويّ أم وهبت من وقتها وطاقتها ما لا يمكن تقديره، ووراء كل بيت مستقر امرأة تحارب ضغوط الحياة بابتسامة ووعي.


• المرأة التي تبني بصمت… هي التي تغيّر بصمت


هذه المرأة ليست نموذجًا مثاليًا خياليًا، بل هي موجودة في كل بيت:
- الأم التي تربي أبناءها في ظروف اقتصادية قاسية.
- الزوجة التي تساعد زوجها على استكمال تعليمه.
- العاملة التي تعود من عملها لتكمل عملاً آخر في بيتها.
- والمرأة التي تُربّي طفلًا بمفردها دون أن تسمح لظروفها بأن تكسرها.


هؤلاء هنّ "صانعات النهضة"...
نهضة لا تستند إلى كلمات رنانة، بل إلى عطاء يومي هادئ، وعمل مستمر، وقدرة هائلة على التضحية.

ختامًا: 
لقد آن الأوان أن يُعاد الاعتبار للبطولة الهادئة التي تؤديها النساء في كل بيت. ليس تكريمًا بالمديح فقط، بل بتغيير نظرة المجتمع لعمل المرأة داخل الأسرة، وبفهم أن التنمية تبدأ من الداخل - من استقرار البيت، ومن قوة المرأة التي تقف فيه.


إن النساء اللواتي يبنين بصمت لا يحتجن إلى ضجيج، ولكن من واجب المجتمع أن يرى أثرهن، وأن يعترف بأن نهضته الحقيقية تبدأ من دورهن، ومن قوتهن الصامتة التي تصنع المستقبل.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء