رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

هل سماع الأصوات مرض نفسي أم ميزة إنسانية؟

إيجبتكِ

لطالما ارتبطت فكرة "سماع الأصوات" في الطب النفسي الغربي بمرض الذهان أو الفصام، حيث يُعتبر هذا العرض من العلامات الرئيسية للاضطرابات العقلية، غير أن هذا التصور ليس ثابتاً في كل الثقافات، فبينما يُنظر إليه في الغرب باعتباره مرضاً يحتاج إلى علاج، تتعامل مجتمعات أخرى معه على أنه تجربة إنسانية مميزة، بل وقد يُنظر إليه باعتباره نعمة أو وسيلة للتواصل مع قوى عليا.

وحسب "اسكاى نيوز" تفتح هذه الجدلية الباب أمام سؤال أوسع: هل يُمكن أن يكون سماع الأصوات في بعض السياقات جزءاً من التنوع الإنساني الطبيعي، وليس مجرد عرض مرضي؟

سماع الأصوات أكثر شيوعاً مما نتصور

تشير الدراسات الممتدة لعقود إلى أن سماع الأصوات الداخلية ليس ظاهرة نادرة، فقد كشف باحثون أن أكثر من ثلاثة أرباع المشاركين في بعض الدراسات أفادوا بأنهم سمعوا أصواتاً مجهولة في وقت من حياتهم، رغم أنهم لم يتعرضوا لأي تشخيص نفسي. هذه الأصوات قد تأتي على شكل توجيهات، نصائح، أو حتى تحذيرات، وهو ما يجعلها أكثر تنوعاً من مجرد "أعراض مرضية".

لكن الوصمة الاجتماعية في الغرب تجعل الكثيرين يترددون في الحديث علناً عن هذه التجربة خوفاً من تصنيفهم كمرضى عقليين.

 

منظور الثقافات المختلفة للهلوسات السمعية

في المجتمعات الغربية، يضع الدليل التشخيصي والإحصائي للأمراض العقلية (DSM-5) سماع الأصوات ضمن أعراض الفصام والذهان. لكن الأمر يختلف جذرياً في ثقافات أخرى

غانا والهند: بعض المرضى هناك يربطون الأصوات الداخلية بالله أو بأفراد العائلة، وغالباً ما ينظرون إليها بإيجابية، حيث تقدم لهم تلك الأصوات إرشادات يومية مثل إعداد الطعام أو الذهاب للتسوق.

الأمازون: قبيلة سيونا تعتبر الهلوسات تجربة لواقع بديل، بينما ترى قبيلة الشوار أن الحياة اليومية وهم، وأن الأصوات تكشف "الحقيقة الأعمق".

الولايات المتحدة وأوروبا: الأصوات تُعتبر غالباً عدوانية أو مزعجة، ما يجعلها أكثر ارتباطاً بالمعاناة النفسية مقارنة بثقافات أخرى.

تأثير الثقافة على التجربة الشخصية

أثبتت أبحاث أجرتها عالمة الأنثروبولوجيا تانيا لورمان أن استجابة الأفراد للأصوات تتشكل وفق الثقافة التي ينتمون إليها. فالأمريكيون وصفوا أصواتهم غالباً بأنها مزعجة وغير مفهومة، بينما رأى مرضى في تشيناي بالهند وأكرا بغانا أن أصواتهم تحمل معنى وتقدم نصائح نافعة. بعضهم اعتبرها وسيلة للحماية، بل وذهب آخرون إلى حد القول إنها أنقذت حياتهم.

بين المرض والميزة.. أين يقف العلم؟

لا ينكر الطب الحديث أن الهلوسات الصوتية قد تكون مؤشراً خطيراً على أمراض نفسية مثل الفصام، خاصة إذا ارتبطت بأوامر عدوانية أو أفكار انتحارية. غير أن الدراسات المقارنة بين الثقافات تكشف أن التجربة ليست بالضرورة سلبية، وأن التفسير يختلف باختلاف السياق الاجتماعي والديني.

كما تشير بعض الأبحاث إلى أن الأشخاص الذين يعيشون في بيئات أكثر دعماً، مثل العائلات الممتدة في الهند، يتعافون بشكل أفضل مقارنة بنظرائهم في المجتمعات الغربية حيث العزلة أكثر شيوعاً.

تُظهر هذه الدراسات أن سماع الأصوات لا يمكن تصنيفه ببساطة كمرض أو كميزة. فهو تجربة إنسانية معقدة تتأثر بالثقافة والدين والمجتمع. وبينما يرى الطب النفسي الغربي فيها عرضاً يحتاج إلى علاج، تتعامل ثقافات أخرى معها كجزء من الروحانية أو كوسيلة للتواصل مع ما وراء العالم المادي.

لذلك، قد يكون من المهم إعادة النظر في كيفية فهم هذه الظاهرة، بعيداً عن التعميمات الجامدة، مع مراعاة السياق الثقافي والإنساني لكل تجربة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء