رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تنبت هذه السلسلة من دراسةٍ أكاديمية دفعتُ بها للنشر بعنوان: "The Walls Remember Their Faces": Sonic Memory, Affective Resistance, and Revolutionary Temporality in Egypt's Tahrir Square، وهو البحث الذي يحفر عميقاً في طبقات الزمن العاطفي الذي صنعته أصوات الثورة المجيدة.

 

 بعد أن غصنا في بحر "سيمفونية الكرامة" الأصيلة التي عزفها أهل التحرير، وبعد أن فضحنا منطق "شعبوية الترامب الصوتية" المُهندسة والمُصطنعة، يحين وقت السؤال الأكثر جوهرية والأشد إلحاحاً: في أي زمنٍ وُجد وعاشَ أهلُ التحرير حقاً؟ هل كانوا مجرد سجناء بائسين للحظة الآنية العابرة، أم هاربين يائسين إلى مستقبلٍ مجهول وبعيد، أم أنهم امتلكوا الشجاعة والعبقرية الوجدانية ليخترعوا زمناً ثالثاً لم يكن موجوداً من قبل؟

 

 هذا السؤال هو قلب رحلتنا اليوم، نحو مفهوم "الزمانية الثورية" – ذلك الانزياح الوجودي المُبهر عن زمن السلطة التقليدي الخطي، المنتظم، والقاسي.
 

 

زمن السلطة هو زمن الساعات الباردة، زمن الإجراءات الروتينية التي لا ترحم، زمن الانتظار المُمِل في طوابير لا تنتهي، إنه إيقاع مُتعمَّد يهدف إلى إخضاع الإيقاع البشري الحي لإيقاع الآلة البيروقراطية الصدئة. إنه زمن يقتل الروح ويُؤجِّل الأحلام إلى الأبد. ولكن، ماذا يحدث عندما يقرر الوجدان الجمعي، مدفوعاً بقوة المقاومة الوجدانية، أن يتمرد ببطء وعمق على هذا النمط الممل والخانع؟ في ميدان التحرير، لم يعد الزمن مجرد خط مستقيم يمتد من ماضٍ قاسٍ ومحسوم إلى حاضرٍ خانع ومُحتمل إلى مستقبلٍ مُؤَجَّل إلى ما لا نهاية.

 

 لقد تحول الزمن إلى دائرةٍ مُلهمة أو حلزونٍ صاعد، حيث كل لحظة مشحونة تحمل في طياتها الثقل الكامل لكل الماضي وكل الأمل في المستقبل. عندما كان المحتجون يهتفون أو يغنون "بلادي بلادي"، لم يكونوا مجرد يستحضرون تراثاً ميتاً أو ماضياً منتهياً، بل كانوا يقطفون بمهارة من ذلك الماضي جذوة الكرامة الساطعة لينيروا بها عتمة حاضرهم الصعب ويشيدوا بها مستقبلهم الموعود. كانت الأغنية، كما يوضح بحثنا، بمثابة "آلة زمنية عاطفية" خارقة، قادرة على طي المسافات الوجدانية وتوحيدها.

 


هنا تكمن المقارنة العميقة والأكثر إثارة مع "شعبوية الترامب الصوتية". الموسيقى في تجمعات ترامب كانت تعمل على "طي" الزمن بالعكس، نحو ماضٍ ذهبي مُتخيَّل بالكامل، وكان الهدف الحقيقي هو استعادة وهمية للقوة المفقودة. 

 

كانت تلك زمانية "نوستالجية" مُحبطة، هدفها النهائي هو الهروب من تعقيدات الحاضر المريرة إلى بساطة ماضٍ مُزيف لم يعُد موجوداً أصلاً. أما في التحرير، فكانت الزمانية شيئاً آخر تماماً، كانت "زمانية ثورية" متفجرة: حاضرٌ مشحونٌ إلى أقصى حدٍّ ممكن بإمكانيات المستقبل.

 

 لم تكن هناك أدنى حاجة للهروب إلى الماضي القريب، لأن المستقبل الحقيقي كان يُصنع ويُعزف ويُهتف به هنا والآن، على حافة الميدان، على وقع كل خطوة. هذا النوع من الزمن الثوري يتميز بـ "اللاخطية الوجدانية"، حيث تنكسر قواعد الزمن الطبيعي، وتتداخل الأزمنة لتصبح وحدة واحدة متدفقة. الماضي يصبح وقوداً للحاضر، والمستقبل يُعاش كتجربة فورية.
لقد كان "الإيقاع" هو المعادل الفيزيائي والمعرفي لهذه الزمانية الجديدة. 

 

إيقاع الهتافات المتكرر – "عيش، حرية، كرامة إنسانية" – لم يكن مجرد تكرار آلي بلا معنى، بل كان في جوهره طقساً مُتقناً لتجسيد الزمن الجديد. كل تكرار كان بمثابة تأكيد إضافي على وجود واقعٍ مختلف، وخلقاً ملموساً لواقعٍ موازٍ لا يخضع لقوانين السلطة. هذا التكرار الإيقاعي المُنتظِم، كما تُظهر الدراسات المعرفية، يخلق حالة من "الاندماج الزمني" بين الأفراد، حيث تتصاحب أنفاسهم وضربات قلوبهم على نفس الوتيرة، فيذوب الزمن الفردي القلق في بوتقة الزمن الجماعي الآمن والواثق.

 

 إنها عملية مُزامنة وجودية تُسقط سلطة الساعة الشخصية لتحل محلها ساعة الثورة. الأغاني الجديدة التي ولدت في الميدان، مثل "صوت الحرية" لكايروكي، لم تكن مجرد تحكي أو تتحدث عن الحرية كقيمة بعيدة، بل كانت هي نفسها فعل الحرية الصارخ. الكلمات التي تقول "أنا مشيت.. وقلت مش راجع" لم تكن تصف قراراً قديماً، بل كانت إعلاناً نارياً عن لحظة القطع مع زمن العبودية وولادة زمن الكرامة الذي لا رجعة فيه. هذه "اللازمنية الثورية" هي ما جعلت كل لحظة في الميدان تشعر وكأنها أبدية خالدة، وكأن الزمن العادي المُحتسَب قد توقف تماماً عن الدوران.


في المقابل، سعت الأطراف الرسمية إلى خلق حالة من التواصل العاطفي مع الجمهور باستخدام نفس الأداة: الصوت. فبث الأغاني الوطنية القديمة عبر مكبرات الصوت حول الميدان لم يكن مجرد خلفية صوتية، بل محاولة لاستحضار ذاكرة جماعية مرتبطة بفترات زمنية سابقة، فترة كانت فيها الرموز الوطنية محوراً للهوية المشتركة.

 

 إلا أن تلك المحاولة وجدت صعوبة في التأثير، إذ كان المشهد العام يعكس حالة من الالتحام بين الحاضر والمستقبل، بينما كانت الأصوات الوافدة تحمل في طياتها ذاكرة من الماضي. يمكن النظر إلى هذا المشهد على أنه تجسيد للتوتر الطبيعي بين استمرارية التقاليد وحركة المجتمع المتجددة.

 

اليوم، ورغم مرور السنوات والأحداث المتتالية، تثبت "ذاكرة الجدران" التي اكتشفناها في بداية السلسلة صحة هذه الفرضية الوجودية. فالأصوات التي نسمعها في أذهاننا عندما نمر بميدان التحرير ليست مجرد ذكريات باهتة، بل هي نوافذ مازالت مفتوحة ومشرعة على ذلك الزمن الثوري الموازي والنابض. إنها شهادة خالدة على أن الزمن ليس ملكاً للسلطة وحدها، بل يمكن للشعب، من خلال صوته الجماعي المُتحد، أن يختطفه ويصنعه، ولو للحظة واحدة، ليخلق لنفسه زمناً آخر، زمناً للكرامة والحرية.

 

في المقال القادم في هذه السلسلة المُلهِمة، سنحاول الإجابة على السؤال المصيري الذي يجمع كل الخيوط: لماذا تذكر الجدران؟ سنغوص في فيزياء الوجدان وعلوم الذاكرة لنفهم كيف تتحول الحجارة الصماء إلى أرشيف حي لا يمحى، وكيف تظل ذبذبات أحلام الملايين عالقة في حجارة مدننا، تنتظر بصبر وكرامة لحظة الاستماع فقط لتعلن عن نفسها من جديد. لأن الزمن الثوري، مثل الصوت الحر، لا يموت؛ بل يختزن وينتظر لحظة الاستدعاء الوجداني.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء