رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تأجيل قمة الأمريكتين: فرصة هندسة العلاقات أم تعميق الانقسام؟

من أعمال القمة السابقة
من أعمال القمة السابقة للأمريكيتين - أرشيفية

أعلنت جمهورية الدومينيكان عن تأجيل القمة العاشرة للأمريكيتين المقرر إقامتها من 1 إلى 6 ديسمبر 2025 إلى العام المقبل، وسط انقسامات سياسية عميقة بين الدول المشاركة، إذ أثار إرجاء القمة قلق العديد من الحكومات والفاعلين السياسيين في المنطقة الذين كانوا يأملون في استغلال الحدث لتعزيز الحوار الإقليمي وحل النزاعات الاقتصادية والسياسية المستمرة.

يتزامن القرار مع التوترات بين الولايات المتحدة ودول مثل كوبا وفنزويلا وكولومبيا، ويتوقع أن يؤدي التأجيل إلى مزيد من الشد والجذب الدبلوماسي، ويعطي الدول غير المدعوة فرصة لتعزيز تحالفاتها خارج الإطار الرسمي للقمة، ما قد يغيّر موازين القوى في أمريكا اللاتينية.

رئيس جمهورية الدومينيكان لويس أبي نادر
رئيس جمهورية الدومينيكان لويس أبي نادر

الانعكاسات الاقتصادية والدبلوماسية

رحبت بعض الدول والجهات الدولية بالتأجيل باعتباره فرصة لمزيد من التحضير وتهيئة المناخ السياسي الملائم للحوار البنّاء، بينما أعرب آخرون عن استيائهم من إهدار الوقت والجهود المبذولة. ومن المتوقع أن يشهد العام المقبل تحركات دبلوماسية نشطة لتعويض الفرص الضائعة وضمان مشاركة أوسع وأكثر تمثيلًا في القمة المقبلة.

لكن تأجيل القمة له انعكاسات اقتصادية، حيث كان من المتوقع أن تبحث الدول المشاركة فرص التعاون التجاري والاستثماري ومشاريع التنمية المستدامة، وقد يؤثر القرار فيما يتعلق بتباطؤ بعض الاتفاقيات الثنائية والإقليمية، مع احتمالية إعادة ترتيب أولويات الدول في المشاريع المشتركة.

كما يتسبب التأجيل في تعطيل عدد من الملفات التجارية التي كانت مطروحة للنقاش، ولا سيما خطط ربط سلاسل التوريد بين دول الشمال والجنوب، وملف تسهيل الاستثمارات في مجالات الطاقة المتجددة والبنى التحتية.

وعلى الصعيد السياسي، أدى التأجيل إلى زيادة الشعور بانعدام اليقين داخل المنطقة، خاصة في ظل الانقسامات المتزايدة بين بعض الحكومات حول ملفات الديمقراطية والهجرة والعقوبات، وكان من المنتظر أن تمثل القمة فرصة لإعادة ضبط العلاقات وإحياء قنوات الحوار بين دول تختلف في مواقفها من القضايا الإقليمية، إلا أن التأجيل أعاد هذه الملفات إلى دائرة التوتر، وأجّل فرص التوافق حول آليات عمل مشتركة.

 الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل
 الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل

أمريكا وتعميق الانقسام اللاتيني

لعبت واشنطن دورًا محوريًا في تعميق الانقسام بين دول أمريكا اللاتينية خلال السنوات الأخيرة، وذلك نتيجة سياسات خارجية اتسمت بالانتقائية والضغط السياسي والعقوبات. فقد تبنّت الولايات المتحدة مواقف حادة تجاه حكومات مثل فنزويلا وكوبا، ما أدى إلى انقسام الدول اللاتينية بين مؤيد لنهج المواجهة الأمريكية ومعارض يرى فيه تدخّلًا يمس السيادة ويقوّض فرص التعاون الإقليمي.

كما أسهمت السياسة الأمريكية في تعزيز محاور متنافسة داخل القارة، إذ دعمت واشنطن حكومات متحالفة معها سياسيًا واقتصاديًا، فيما دفعت دولًا أخرى إلى تشكيل تكتلات موازية كردّ فعل على ما تعتبره "هيمنة" على النظام الإقليمي.

هذا التباين خلق حالة من الاستقطاب، ظهرت بوضوح في الاجتماعات الإقليمية ومنتديات التعاون التي باتت تشهد خلافات حادة حول دعوات المشاركة والاعتراف بالحكومات.

في السياق ذاته، أدت الضغوط الاقتصادية والعقوبات الأمريكية إلى تعميق الفجوة بين الدول، حيث تعتبر بعض الحكومات أن سياسات واشنطن تُضعف اقتصادات المنطقة وتؤثر على الاستقرار الاجتماعي، بينما ترى أخرى أنها أدوات ضرورية للضغط من أجل "الإصلاح السياسي".

هذا التضارب في التصورات عزّز فجوة الثقة بين العواصم اللاتينية، وجعل من الصعب التوصل إلى مواقف موحّدة في الملفات الإقليمية المشتركة. كما يهدد استمرار النهج الأمريكي الحالي بتقويض مؤسسات العمل الجماعي مثل منظمة الدول الأميركية، ويدفع دولًا عدة إلى البحث عن شركاء دوليين جدد خارج الفضاء الغربي، ولا سيما الصين وروسيا.

الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو
الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو

إرجاء القمة ونبذ الفرقة

رغم أن تأجيل القمة يُنظر إليه بوصفه انعكاسًا لاضطراب التوازن السياسي داخل القارة، خصوصًا مع تزايد تأثير السياسات الأمريكية على مواقف بعض الدول، فإنه قد يمنح الدول وقتًا إضافيًا لمحاولة تجاوز الخلافات الجوهرية، وتهيئة ظروف أكثر ملاءمة لقمة قد تكون أكثر تمثيلًا وفاعلية العام المقبل. ومع ذلك، يبقى العامل الحاسم هو قدرة الدول على استثمار فترة التأجيل في بناء توافقات حقيقية تُعيد للقمة دورها المركزي في صياغة مستقبل التعاون داخل الأمريكتين.

كما أن التأجيل قد يسمح للدول الأكثر تضررًا من الانقسامات، أو تلك المستبعدة من الحوار، بالدخول في مفاوضات ثنائية أو إقليمية تُعيد صياغة الخلافات بطريقة أكثر هدوءًا. ويمكن للمنظمات الإقليمية، مثل منظمة الدول الأميركية، استثمار هذا الوقت لإعادة طرح مقاربات أكثر شمولًا وضمان مشاركة أوسع في القمة المقبلة.

في الوقت نفسه، يتيح التأجيل للولايات المتحدة ودول المنطقة مراجعة السياسات التي ساهمت في تعميق الانقسام، خصوصًا بعد الانتقادات التي وُجهت لطريقة إدارة ملف الدعوات والمواقف السياسية. فإذا تبنّت واشنطن نهجًا أكثر مرونة في المرحلة المقبلة، فمن الممكن أن تتحسن الأجواء الإقليمية بشكل ملموس.

ورغم ذلك، تبقى إمكانية تحويل التأجيل إلى فرصة مرهونة بمدى استعداد الدول للتنازل والبحث عن تسويات واقعية؛ فإذا استمر التصعيد الخطابي والتحالفات المتضادة، فقد يتحول التأجيل إلى مجرد تأخير للأزمة بدل حلّها.

أمّا إذا سادت البراغماتية، فقد تكون القمة المقبلة نقطة بداية جديدة لمسار أكثر توافقًا داخل الأمريكتين.

الرئيس الكولومبي جوستافو بيترو
الرئيس الكولومبي جوستافو بيترو

ختامًا:

يعكس تأجيل قمة الأمريكيتين حجم التعقيدات التي باتت تحكم المشهد اللاتيني، حيث لم يعد الخلاف بين دول المنطقة مجرد تباينات في أولويات السياسات العامة، بل تحوّل إلى انقسام بنيوي تغذّيه التدخلات الخارجية والصراعات الأيديولوجية. وبينما يتخوّف البعض من أن يكون التأجيل مقدمة لمزيد من التوتر وفقدان الثقة في آليات العمل الجماعي، ينظر آخرون إليه كنافذة ضرورية لإعادة بناء الجسور وتهيئة مناخ أقل استقطابًا وأكثر استعدادًا للحوار.

وفي واقع الأمر، يكشف هذا التطور عن تحديات جوهرية تواجه النظام الإقليمي في الأمريكتين، وفي مقدمتها هيمنة المقاربة الأمريكية على هندسة العلاقات داخل القارة، مقابل بحث عدد متزايد من الدول عن شركاء بديلين يوازنون النفوذ التقليدي لواشنطن. ومن هنا، فإن القمة المؤجلة لن تكون مجرد حدث دبلوماسي روتيني، بل اختبارًا لمدى قدرة دول المنطقة على تجاوز خطوط التصدع التي اتسعت في السنوات الأخيرة.

إن تحويل التأجيل إلى فرصة لن يكون ممكنًا من دون مراجعة فعلية لمقاربات إدارة الخلافات، وتبنّي استراتيجية أكثر واقعية وبراغماتية تقوم على التوافق والاحترام المتبادل بدل الاصطفافات الأيديولوجية. وإذا نجحت الدول في استثمار هذه الفترة في صياغة رؤية مشتركة، فقد تتحول القمة المقبلة إلى نقطة انطلاق لمسار جديد يعيد للأمريكيتين مكانتهما كفضاء للتعاون لا ساحة للتجاذبات.

وإلا فإن التأجيل سيبقى مجرد محطة أخرى في سلسلة طويلة من التعثرات التي تُضعف مؤسسات العمل الإقليمي وتفتح الباب لمزيد من التدخلات الخارجية وتشتت المواقف، بما يعمّق الانقسام بدل معالجته.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء