رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بريطانيا على خطى الدنمارك: إجراءات تشدد الهجرة بين الردع والواقع السياسي

شابانا محمود - وزيرة
شابانا محمود - وزيرة داخلية بريطانيا - أرشيفية

تشهد بريطانيا تحولًا لافتًا في سياسات الهجرة واللجوء، مع إعلان وزيرة الداخلية شابانا محمود حزمة إصلاحات واسعة تستلهم النموذج الدنماركي الأكثر تشددًا، وتشمل التغييرات المقترحة إلغاء الحق التلقائي في الإقامة الدائمة، وتمديد مدة الاستقرار إلى ما يصل إلى 20 عامًا لبعض الفئات، إضافة إلى تقليص الدعم المقدم لطالبي اللجوء وتشديد شروط لمّ شمل العائلات، وربط منح الإقامة طويلة الأمد بمدى الاندماج والمساهمة في المجتمع.

وتقول وزيرة الداخلية المنحدرة من أصول باكستانية وتنتمي لحزب العمال، إن النظام الحالي مختل، وإن الإصلاحات تهدف إلى استعادة الثقة العامة وضبط الحدود، لكن هذه التوجهات أثارت جدلًا واسعًا داخل الأوساط السياسية والحقوقية، إذ يرى منتقدون أنها قد تُقوِّض الضمانات الأساسية للاجئين وتزيد من هشاشة أوضاعهم القانونية والاجتماعية.

رغبة وزيرة الداخلية في تبني النموذج الدنماركي تقود إلى سؤال محوري حول الاتجاهات الجديدة للندن في إدارة ملف الهجرة.

قوارب الهجرة غير الشرعية في السواجل البريطانية 
قوارب الهجرة غير الشرعية في السواجل البريطانية 

تشدد محسوب أم إصلاح سياسي؟

ربما تكمن المفارقة في تولّي امرأة مهاجرة مسلمة وزارة الداخلية البريطانية، لكنها في الوقت ذاته تحارب سياسات اللجوء والهجرة منذ اليوم الأول لتولّيها مهام وظيفتها، دافعًا بعضَ نواب حزب العمال الذي تنتمي إليه شابانا إلى إبداء تحفظهم بشأن مدى ملاءمة سياسات بهذا المستوى من التشدد للسياق البريطاني المختلف ديموغرافيًا عن الدنمارك، محذرين من تداعياتها على الاندماج والاستقرار المجتمعي. 

لكن الوزيرة الجديدة تواجه بيئة سياسية مضغوطة بسبب فشل الحكومات السابقة في إدارة قوارب الهجرة عبر القنال الإنجليزي، وتضخم ملفات اللجوء المتراكمة، وضغط الرأي العام؛ مما دفعها إلى الإعلان عن خطوات لمكافحة الهجرة واللجوء لم تشهدها بريطانيا من قبل، معتبرة أن الوزراء السابقين لم تكن لديهم الجرأة الكافية لحماية البلاد من المهاجرين.

ورغم انتمائها لحزب العمال، تبدو ملامح مقاربتها أقرب إلى التشدد البراجماتي، إذ تعتمد في سياستها على ضبط الحدود، وتسريع البتّ في طلبات اللجوء، ووقف استغلال شبكات التهريب دون الانزلاق إلى الخطاب العقابي الذي تبنّته حكومات المحافظين.

قوارب الهجرة غير الشرعية في السواجل البريطانية 
قوارب الهجرة غير الشرعية في السواجل البريطانية 

وعلى ما يبدو، فإن شابانا تسعى إلى الاستفادة من منطق النموذج الدنماركي دون نسخ أدواته بالكامل، أي الإبقاء على سياسة الردع لكن ضمن إطار قانوني وسياسي أكثر صلابة. فبينما اعتمدت كوبنهاغن نهجًا شديد القسوة في إدارة ملف الهجرة عبر إضعاف الضمانات القانونية وتقليص مساحة الاستئناف، تحاول وزيرة الداخلية البريطانية صياغة مقاربة أكثر توازنًا تستلهم فكرة الردع، لكنها تعيد تشكيل أدوات التطبيق بما يتلاءم مع البيئة السياسية والقضائية في لندن.

التجربة الدنماركية.. هل يمكن استنساخها في لندن؟

بقراءة تصريحات الوزيرة، يظهر أنها تركز على تحسين إجراءات اللجوء بدل نقلها إلى دول أخرى، وعلى استهداف شبكات التهريب لا طالبي الحماية أنفسهم، إلى جانب بناء شراكات أوروبية لإدارة الحدود بعيدًا عن نهج العزلة القانونية الذي تبنّته الدنمارك.

رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن
رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن

وهنا يبرز الفارق الجوهري بين المسارين: فالدنمارك استخدمت الصدام كوسيلة لإظهار الحزم، في حين تسعى الوزيرة البريطانية إلى تحقيق توازن دقيق يجمع بين تشديد السياسات واحترام الاعتبارات الحقوقية.

وتشهد الدنمارك منذ سنوات تطبيق واحدة من أكثر سياسات الهجرة واللجوء صرامة داخل أوروبا، في إطار استراتيجية حكومية تهدف إلى خفض أعداد طالبي اللجوء وتشديد الرقابة على الحدود. وترتكز هذه المقاربة على مبدأ اللجوء المؤقت بدلًا من الإقامة الدائمة، حيث تُمنح الحماية لفترات قابلة للمراجعة بشكل دوري وفق تقييمات أمنية وسياسية لأوضاع بلدان اللاجئين. 

وفي سياق هذه السياسة، قلّصت الدنمارك بصورة كبيرة شروط لمّ الشمل، إذ حددت معايير صارمة تتعلق بالدخل والسكن والقدرة على الاندماج، ما جعل تحقيق هذا الحق أكثر تعقيدًا مقارنة ببقية دول الاتحاد الأوروبي. كما تبنّت كوبنهاغن قوانين تتيح سحب الإقامة من اللاجئين في حال اعتبرت أن مناطقهم الأصلية باتت آمنة، وهو ما أدى إلى حالات ترحيل أثارت جدلًا واسعًا محليًا ودوليًا.

قوارب الهجرة غير الشرعية في السواجل البريطانية 
قوارب الهجرة غير الشرعية في السواجل البريطانية 

إلى جانب ذلك، اتجهت الحكومة الدنماركية إلى فرض متطلبات اندماج مشددة، تشمل إتقان اللغة الدنماركية، والالتزام بعقود اندماج إلزامية، والمشاركة في برامج عمل أو تدريب تُعد شرطًا للحصول على المزايا الاجتماعية.

شابانا وإعادة إحياء خطة رواندا

لاقَت السياسات المتشددة في الدنمارك دعمًا من شريحة من الرأي العام بدعوى حماية الخدمات العامة وتعزيز الأمن، لكنها واجهت انتقادات حادة من منظمات حقوقية تعتبرها تقييدًا غير مبرر لحقوق اللاجئين وتتناقض مع الالتزامات الإنسانية والدولية للدنمارك.

واللافت أن بريطانيا حاولت سابقًا اقتباس جزء من هذا النموذج عبر ما يعرف بخطة رواندا التي أطلقتها الحكومة عام 2022، وهي إحدى أكثر السياسات إثارة للجدل في ملف الهجرة البريطاني، إذ سعت لندن عبرها إلى ترحيل طالبي اللجوء الذين دخلوا البلاد بطرق غير نظامية إلى رواندا للنظر في طلباتهم هناك بدلًا من داخل المملكة المتحدة.

كير ستارمر - رئيس وزراء بريطانيا  
كير ستارمر - رئيس وزراء بريطانيا  

وقد قدّمت الحكومة السابقة الخطة كآلية لردع القوارب الصغيرة وتعطيل شبكات التهريب، فيما واجهت اعتراضات قانونية واسعة أدت إلى تعطيلها مرارًا بحكم المحاكم. ومع وصول حكومة جديدة وتغير المقاربة السياسية، أصبحت الخطة موضع مراجعة شاملة، وسط توجه نحو التخلي عن منطق الترحيل إلى دولة ثالثة، والبحث عن بدائل عملية تركز على تحسين إجراءات اللجوء والتعاون الأوروبي بدل الإجراءات المثيرة للجدل التي ارتبطت بخطة رواندا.

وتوضح الحكومة البريطانية أن اختيار رواندا كشريك في خطة ترحيل طالبي اللجوء جاء نتيجة استعداد كيغالي للتعاون في ملف تُحجم عنه معظم الدول، إذ عرضت الأخيرة استقبال المرحّلين ومعالجة طلباتهم على أراضيها مقابل دعم مالي واستثماري من لندن.

وقدّمت بريطانيا رواندا بوصفها دولة آمنة ومستقرة ذات سجل إيجابي في استقبال اللاجئين من دول الجوار، معتبرة أن بعدها الجغرافي سيعزز عنصر الردع ويحد من تدفق القوارب عبر القنال الإنجليزي.

وترى لندن أن الشراكة مع رواندا توفر بديلًا أقل كلفة من توسيع مراكز الاستقبال داخل البلاد، وتمنحها أداة سياسية لإظهار تشدد أكبر في مكافحة الهجرة غير النظامية، في المقابل، استفادت كيغالي من الاتفاق عبر مكاسب مالية وفرصة لتعزيز موقعها الإقليمي وصورتها كدولة قادرة على إدارة ملفات لجوء معقدة.

ورغم ما سبق، يظل السؤال الأهم: هل سيقبل الشارع البريطاني نموذجًا أقل صدمة من الدنمارك؟ وهل سيكفي ذلك لإيقاف ارتفاع أعداد المهاجرين غير النظاميين؟ هذا ما سيحدده النموذج الذي تعكف وزيرة الداخلية على صياغته ليلائم الديموغرافيا البريطانية.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء