من «البلياتشو» لـ «شارلي شابلن العرب»... قصة مسرح عبدالمنعم مدبولي
تخطف الأضواء أبصارنا، ويحل الصمت احترامًا لتلك اللحظة التي نترقب فيها ظهور من يقف خلف الستار، إذ تتعلق الأنفاس، ثم لا يلبث المسرح أن يهتز بصوت التصفيق عند خروج بطل وبطلة الرواية إلى الخشبة، وجها لوجه أمام جمهور جاء ليشهد، ويقيم، ويعيش لحظات الفن حية.. إنه سحر المسرح؛ ذلك العالم الذي يجمعنا على نبض واحد، ويمنحنا متعة لا تشبه أي متعة أخرى.
من هذا السحر، نأخذكم في السطور التالية إلى حكاية أحد المسارح، كجزء من تلك البهجة التي منحها لكل من وقف يوما على خشبته.
بداية مسرح عبد المنعم مدبولي
بدأ مسرح عبد المنعم مدبولي، في البداية ككيان مستقل باسمه، نتيجة تأسيسه لـ فرقًا مسرحية شهيرة مثل المسرح الحر في عام 1952م، والمسرح الكوميديأسسها مدبولي عام 1963، وقدم من خلالها عددًا من المسرحيات الشهيرة، وتم تسمية مسرح الطفل في متروبول عام 2006م، ثم باسمه تكريمًا له بعد وفاته، نتيجة توفي أثناء تقديمه لمسرحية في هذا المسرح، وتم وقف العروض حينها نتيجة قرار منع التصوير.
وعن بداية مدبولي واكتشاف موهبته المسرحية، تحدث الكاتب محمود السعدني في كتابه «المضحكون» عن عبدالمنعم مدبولي في فصل بعنوان «البلياتشو»: «كان عبد المنعم مدبولي طالبا في مدرسة الفنون التطبيقية، لكنه كان شغوفا بالمسرح، وذهب ذات صباح إلى مسرح جورج أبيض، ونظر إليه العملاق العظيم واختاره في دور صغير في رواية جديدة له، وبعد أن أدى مدبولي الدور قال جورج أبيض للولد الصغير الذي كان يرتجف وهو يقف أمام غول المسرح المصري: أنت هيبقى لك مستقبل كبير.. أنت خليفتي في الدراما!»

أعمال مسرحية صغيرة معه حتى التحق بالمعهد العالي لفن التمثيل العربي
وبدأ يشارك في أعمال مسرحية صغيرة معه حتى التحق بالمعهد العالي لفن التمثيل العربي عام 1945م وتخرج فيه في عام 1949، وحينها هجر مدبولي العمل عند جورج أبيض، والتحق بفرقة فاطمة رشدي، وفي أول ليلة عرض قدم دور هايف، ولكن في الليلة التالية قام مدبولي بدور البطولة، وأصبح بعد ذلك بطل الفرقة وبأجر ريال كل يوم، وقبض عبد المنعم أول يوم، ثم توقف القبض بعد ذلك، حدث ذلك ومصرعلى مرمى مدافع الألمان».

وتمثلت أعمال عبدالمنعم مدبولي، بالإنضمام إلى فرقة التلفزيون المسرحية ومثل وأخرج عدداً من الأعمال المسرحية، اتجه إلى السينما متأخراً في عام 1958، ثم توالت أعماله السينمائية التي بلغت ما يقرب من 150 فيلماً، ومن أشهر أعماله المسرحية: «المفتش العام، السكرتير الفني، وريا وسكينة». أخرج لمسرح التلفزيون أعمالا منها : «جلفدان هانم، لوكاندة الفردوس وريا وسكينة»، وشارك بالتمثيل في عدد منها إلى جانب الاخراج.
وقدم عددا من أغاني الأطفال أثناء مشاركته في مسلسلات تلفزيونية منها: «أبنائي الأعزاء شكرا، وبابا عبده». قدم للسينما أدواراً عديدة، منها: «الحفيد، مولد يا دنيا، احنا بتوع الأتوبيس»

محاولات استعادة مسرح التليفزيون
وظلت محاولات استعادة مسرح التليفزيون الذى انطلق عام 1961م، مستمرة على مدى ما يقرب من نصف قرن، وذلك تقديرا من المسرحيين، والإعلاميين، لقيمة هذه التجربة التى قدمت لساحة الفن الكثير من العوض، والتى مثلت محطات راسخة فى تاريخ المسرح والإعلام المصرى، فضلاً عن تقديمها عددا كبيرا من الوجوه الجديدة، التى أصبحت نجوم الصف الأول لسنوات طويلة، نتيجة إنطلاق نجوم متعددة فى الكتابة والإخراج والتمثيل، أمثال الراحل فؤاد المهندس الملقب بالأستاذ، وسيدة المسرح العربي سميحة أيوب ونعمان عاشور وكرم مطاوع وسعد أردش وسعد الدين وهبة، وعادل إمام وسعيد صالح وصلاح السعدنى وغيرهم.
كانت بداية المسرح التلفزيوني الفعلية مع إنشاء التليفزيون المصرى عام 1960 ومحاولة ملء ساعات الإرسال، وفى عام 1962 تم إنشاء 3 فرق مسرحية بمسرح التليفزيون هى «النهضة» و«الحرية» و«السلام»، وانضمت لها فى 1963 «الكوميدية» و«الشعب» و«النصر» و«التحرير».

عروض مسرحية في الشتاء والصيف
وقدمت هذه التجربة أكثر من 18 مسرحية فى الموسم الشتوى و16 فى موسم الصيف، وكانت كل فرقة من هذه الفرق تخصصت فى تقديم لون معين من المسرح، ففرقة المسرح الكوميدى التى عين عبدالمنعم مدبولى مديرا لها، اعتمدت اعتمادا كليا على مجموعة «ساعة لقلبك» ومنهم فؤاد المهندس ومحمد عوض وأمين الهنيدي، وسمير خفاجة، ومعهم بالطبع عبدالمنعم مدبولي.
ولكن شهر العسل لم يدم طويلاً بين مدرسة الكوميديا الفارس التى يقودها عبدالمنعم مدبولى، والتى عرفت باسم «المدبوليزم»، وسمير خفاجة الذى تخصص فى كتابة هذا النوع من الكوميديا، وأخذت أقلام كثيرة تهاجم ما يسمى بمدرسة «الضحك للضحك» وتصرخ من خلو الأعمال الفكاهية من الأهداف الاجتماعية المتماشية مع الاشتراكية، وانتصرت هذه الحملة إلى أن جاءت اللحظة التى قرر فيها هؤلاء الممثلون أن يستقلوا بالعمل بعيدا عن مسرح التليفزيون وأن تكون لهم فرقتهم المسرحية الخاصة، هكذا تكونت فرقة «الفنانين المتحدين» لتقدم عروضها على مسرح الحرية بشارع الشيخ ريحان بقيادة سمير خفاجة.