رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تحقيق إسرائيلي يفضح شبكة مشبوهة لتهريب فلسطينيين من غزة واستغلال مأساتهم

سفيرة فلسطين لدى
سفيرة فلسطين لدى جنوب إفريقيا مع الفلسطينيين المغرر بهم

كشفت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية عن شبكة معقدة يقودها إسرائيلي، تعمل على إخراج فلسطينيين من قطاع غزة عبر ترتيبات غير رسمية، في ظل استغلال فجّ للكارثة الإنسانية التي يعيشها السكان منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي على القطاع.

ووفق التحقيق، تتموضع في مركز هذه الشبكة جمعية تحمل اسم "المجد"، قدّمت نفسها كمنظمة إنسانية تُعنى بـ"إغاثة المجتمعات المسلمة في مناطق النزاعات"، لكن تبين أنها ليست سوى واجهة لشركة استشارات تأسست في إستونيا، ويديرها شخص يحمل الجنسيتين الإسرائيلية والإستونية يدعى تومر يانار ليند، وفقًا لوكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية "وفا".

استدراج الفلسطينيين ودفعهم نحو الترحيل والتهجير

وزارة الخارجية والمغتربين الفلسطينية، كانت حذرت في وقت سابق من الشركات والجهات التي تستدرج الفلسطينيين وتدفعهم نحو الترحيل والتهجير أو الاتجار بالبشر، مؤكدة أن هذه الجهات ستتحمل المسؤولية القانونية الكاملة عن ممارساتها غير المشروعة، وستكون عرضة للملاحقة والمحاسبة.

التحقيق أشار إلى أنه منذ شهر مايو الماضي أقلعت من مطار رامون قرب إيلات ثلاث رِحْلات جوية على الأقل، نقلت مئات الفلسطينيين من غزة إلى دول مختلفة حول العالم.

الرحلة الأخيرة كانت الأكثر إثارة للجدل، إذ حملت طائرة مستأجرة 153 فلسطينيًا، ونقلتهم أولا إلى العاصمة الكينية نيروبي، قبل أن تهبط بهم في مطار جوهانسبرج بجنوب إفريقيا، من دون أن يكونوا على علم مسبق بوجهتهم النهائية. وعند وصولهم، أبقتهم السلطات داخل الطائرة لأكثر من 12 ساعة في ظروف سيئة، وسط حرارة مرتفعة، ومن دون ماء أو طعام، بسبب غياب الوثائق الرسمية وافتقار جوازاتهم لأي أختام خروج عبر معبر معترف به. ولم يُسمح لهم بدخول البلاد إلا بعد تدخل السفارة الفلسطينية، ومكتب الهجرة الجنوب إفريقي، ومنظمة Gift of the Givers التي تكفلت بإيوائهم لاحقًا.

رئيس جنوب إفريقيا سيريل رامافوزا
رئيس جنوب إفريقيا سيريل رامافوزا

نقلوا من غزة عبر طرق غامضة

وعلى إثر ذلك، فتحت سلطات جنوب إفريقيا تحقيقًا رسميًا حول ملابسات دخول هذه المجموعة إلى أراضيها. الرئيس سيريل رامافوزا صرح بأن هؤلاء الأشخاص "نقلوا من غزة عبر طرق غامضة"، مؤكدًا أن بلاده تعاملت معهم من منطلق إنساني، بالنظر إلى أنهم قادمون من "أرض مدمرة".

السفارة الفلسطينية في جنوب إفريقيا وصفت الجهة التي نظمت الرحلة بأنها "غير مسجلة ومضللة"، مؤكدة أنها جمعت أموالًا من العائلات، ورتبت السفر بصورة غير قانونية، ثم تخلّت عن المسافرين بمجرد ظهور أول تعقيد ميداني.

تسهيل خروج الغزيين الراغبين في المغادرة

وثائق حصلت عليها صحف إسرائيلية كشفت أن "المجد" لم تعمل وحدها، بل كانت تتلقى توجيهات مباشرة من مديرية "الهجرة الطوعية" التابعة لوزارة الأمن الإسرائيلية؛ وهي وحدة استحدثت بقرار من الكابينت في مارس الماضي لـ"تسهيل خروج الغزيين الراغبين في المغادرة". هذه المديرية أحالت الجمعية إلى مكتب منسق أعمال الحكومة في الأراضي الفلسطينية (متساد) لتنسيق قوائم المغادرين، وقد أقرّ المكتب بذلك رسميًا، موضحًا أنه تلقى أسماء المسافرين وتأشيراتهم والوثائق المتعلقة بهم قبل الرحلات.

أما آلية عمل الشبكة، فكانت شبه ثابتة في مختلف الرحلات، البداية تكون بإعلان ينشر على منصات التواصل الاجتماعي، يضم رابطًا لموقع الجمعية، حيث يقوم الفلسطيني بتعبئة بياناته. وبعد حصوله على موافقة أولية، يُطلب منه تحويل مبلغ يتراوح بين 1500 و2700 دولار. عقب ذلك يُضاف إلى مجموعة على "واتساب" تُدار من رقم إسرائيلي، ويتلقى عبرها التعليمات خطوة بخطوة.

رحلات تهجير طوعي للفلسطينيين إلى جنوب إفريقيا
رحلات تهجير طوعي للفلسطينيين إلى جنوب إفريقيا

اعتماد شبه كامل على الاتصالات المشفرة

قبل موعد السفر بيوم واحد، يرسل للمسافرين موقع محدد داخل غزة للتجمع، ثم تنقل المجموعة إلى معبر "كرم أبو سالم" للخضوع لتفتيش إسرائيلي، ومنها بالحافلات إلى مطار رامون، حيث تقلع طائرات مستأجرة إلى وجهات مختلفة، كل ذلك يتم من دون أي إشراف رسمي، ومن دون مقر فعلي معروف للجمعية داخل القطاع أو خارجه، مع اعتماد شبه كامل على الاتصالات المشفرة عبر "واتساب".

الموقع الإلكتروني لـ"المجد" شكل بدوره جزءًا من عملية التضليل؛ إذ يظهر في واجهته أن الجمعية تأسست في ألمانيا عام 2010، ولها مكاتب في حي الشيخ جراح بالقدس، لكن البحث في السجلات الرسمية الألمانية والفلسطينية لا يظهر أي كيان مسجل بهذا الاسم. الروابط المؤدية إلى حسابات التواصل الاجتماعي لا تعمل، وقائمة "الشركاء الدوليين" فارغة. أما النسخة الأقدم من الموقع فتفضح الاسم الحقيقي للشركة: Talent Globus، وهي شركة استشارات أُسست في إستونيا قبل عام واحد فقط، ومسجلة باسم تومر يانار ليند، الذي ظهر لاحقًا في مقاطع على "لينكدإن" يعلن فيها أنه “يساعد الغزيين على الخروج”، موقع الشركة يورد عناوين في لندن والدوحة وإستونيا، لكن جميعها غير فعال.

الرحلتان السابقتان قبل رحلة جنوب إفريقيا تكشفان نمطًا متكررًا: في 27 مايو، غادرت مجموعة تضم 57 فلسطينيًا عبر شركة Fly Lili إلى بودابست، قبل أن يتم إرسالهم إلى إندونيسيا وماليزيا.

في 27 أكتوبر، غادرت مجموعة ثانية من 150 فلسطينيًا عبر Fly Yo إلى نيروبي، ومن ثم إلى جنوب إفريقيا عبر شركة Lift، وتمكن أفرادها من دخول البلاد بسهولة، ونشر بعضهم لاحقًا صورًا لحياتهم الجديدة هناك.

تغلغل نشاط هذه الشبكة داخل غزة

صور انتشرت لعدد من الركاب وهم يرتدون قبعات وقمصانًا تحمل شعار "المجد"، في دلالة على مدى تغلغل نشاط هذه الشبكة داخل غزة.

هذه التطورات تأتي في سياق سياسي أوسع، خاصة بعد تصريحات الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب التي تحدث فيها صراحة عن خطة لـ"نقل سكان غزة" إلى أماكن "بعيدة وآمنة"، وهي رؤية انسجمت مع توجهات الحكومة الإسرائيلية التي تعاملت معها خلال الأشهر الأخيرة بحماسة. 

مصدر أمني إسرائيلي، أشار إلى أن نسبة الرفض الأمني لطلبات الخروج "انخفضت كثيرًا" بعد قرار الكابينت الأخير، ما فتح المجال أمام نشاط الجمعية التي استغلت حالة الفوضى وانسداد الأفق أمام السكان.

تفريغ غزة من سكانها بشكل منظم

من جهتها، أوضحت شركات الطيران المتورطة أنها لم تتعامل مباشرة مع جمعية "المجد"، بل تلقت الحجوزات من "وكيل سفر إسرائيلي" لم يُكشف عن اسمه. شركة Global Airways، المالكة لخطوط Lift، ذكرت أن الوكيل أبلغها أن الركاب "يخططون لزيارة جنوب إفريقيا لمدة لا تتجاوز 90 يوماً".

في المقابل، عبرت منظمات حقوقية في جنوب إفريقيا عن خشيتها من أن تكون هذه الرحلات جزءًا من مشروع أوسع يهدف إلى "تفريغ غزة من سكانها بشكل منظم". الرئيس رامافوزا أكد بدوره أن المسافرين "تم دفعهم لمغادرة القطاع"، معلنًا استمرار التحقيق في القضية.

رحلات تهجير طوعي للفلسطينيين إلى جنوب إفريقيا
رحلات تهجير طوعي للفلسطينيين إلى جنوب إفريقيا

يبقى الهدف النهائي طي الكتمان

ما تكشفه المعطيات حتى الآن يرسم صورة شبكة تهريب متكاملة الأركان، تستثمر في المأساة الإنسانية المفتوحة في غزة، وتعمل عبر واجهات وهمية وشركات مسجلة في الخارج واتصالات مشفرة، بينما يبقى الهدف النهائي طي الكتمان.

الفلسطينيون الذين وقعوا في شراك هذه الشبكة دفعوا مبالغ باهظة على أمل الهروب من جحيم الحرب، لكن كثيرين منهم وجدوا أنفسهم معلّقين بين مطارات وحدود، وتحت رحمة جهات لا يعرفون حقيقتها ولا القوى التي تقف خلفها، في واحدة من أكبر العمليات التي تتداخل فيها اعتبارات الربح والأمن والسياسة على حساب معاناة شعب محاصر.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء