رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

رحلات مشبوهة لترحيل الفلسطينيين: إسرائيل وجنوب إفريقيا على مفترق الطرق

سفيرة فلسطين لدى
سفيرة فلسطين لدى جنوب إفريقيا مع الفلسطينيين المغرر بهم

في صباح الخميس 14 نوفمبر، تفاجأ رئيس جنوب إفريقيا "سيريل رامافوزا" بطائرة تقل 160 فلسطينيًا أغلبهم من السيدات والأطفال وبعض العائلات، ويرغبون في دخول البلاد، راغبين أن تستقبلهم جنوب إفريقيا، خاصة وأنهم لا يمتلكون أوراقًا رسمية، محملين بأمل الاستقرار والأمان وتأسي حياة جديدة بعد معاناتهم من الحرب التي استمرت عامين من القتل والدمار. 

وبالفعل أعلن الرئيس "رامافوزا" السماح للفلسطينيين بالدخول، وأكد أن ذلك من الاعتبارات الأخلاقية التي تفرض عليهم استقبال الفلسطينيين. ولم تكن هذه الواقعة الأولى، بل سبقها واقعة أخرى حدثت خلال أكتوبر الماضي، وتطرح هذه الوقائع تساؤلات عديدة حول محاولات التهجير الناعم، وموقف جنوب إفريقيا منها، خاصة وأن الأخيرة لها موقف داعم ومؤيد للقضية الفلسطينية، بل إنها الدولة التي قادت تقديم رئيس الكيان الصهيوني والمسؤولين العسكريين للمحاكمة في المحكمة الجنائية الدولية، وهو ما سيتم مناقشته في هذا التقرير، وذلك على النحو الآتي:

أولًا: محاولات التهجير الناعم

على النقيض من التهجير القسري الذي يعتمد على الوسائل الخشنة والقوة، سواء بالضغط العسكري، أو الحرمان من أبسط مقومات الحياة، واستهداف البنية التحتية، والحصار الاقتصادي، ونشر الخوف وترويع الآمنين، وذلك بغرض تغيير الواقع الديمغرافي وإعادة تشكيل التركيبة السكانية والسيطرة على الأرض والموارد، يسعى التهجير الناعم لتحقيق نفس الهدف ولكن بدون استخدام الضغط العسكري، بل بأسلوب ممنهج من التضييق الاقتصادي وتقويض الظروف المعيشية والسياسية والاقتصادية، مما يجعل البقاء في الأرض مستحيلًا، وبالتالي لا يكون أمام الأفراد إلا الهجرة. ويراعى في هذا التهجير أن يتم بالإجراءات سرية وبدون تسليط إعلامي، حتى لا يجذب الاهتمام الدولي ومن ثم رفضه أو معارضته وتعطيله في النهاية. أي أن الهدف أن تبدو الهجرة طوعية عبر فرض ضغوط غير مباشرة، تفرض أثرًا تراكمياً وتدريجيًا، وبالنهاية تؤدي لتغيير الواقع وفرض السيطرة على الأرض.

بيان الخارجية الفلسطينية
بيان الخارجية الفلسطينية

والمتابع للشأن الإسرائيلي يجد أن قادة الكيان الإسرائيلي منذ اندلاع العمليات العسكرية في غزة دأبوا على استخدام مصطلحات "التهجير الطوعي" وتقديم مشاريع استيطانية في غزة، وذلك للسيطرة على القطاع والاستفراد بالموارد والثروات والموقع المتميز على البحر المتوسط. هذه الإمكانيات لم تسلم أيضًا من الرغبة الأمريكية للسيطرة على القطاع، حيث تحدث "ترامب" عن تحويل القطاع إلى "ريفييرا الشرق الأوسط"، أي أن النية الأمريكية والإسرائيلية متوافرة ولا تحتاج إلا إلى التنفيذ فقط.

ثانيًا: مؤسسة "المجد أوروبا" وسيلة التهجير الناعم من غزة

وفقًا للموقع الرسمي لمؤسسة "المجد أوروبا"، فقد تأسست في عام 2010 في برلين وتمتلك مقرًا رئيسيًا في القدس، وتسعى لتقديم الإغاثة الإنسانية وخدمات الإجلاء للمسلمين في مناطق الصراع، وتركز المؤسسة جهودها بشكل أساسي على قطاع غزة، وتعمل على مساعدة الجرحى والمصابين وتقديم الرعاية الطبية وتأمين السفر للعلاج. ويمكن للمستفيد أن يقوم بملء الاستمارة للتسجيل في برامج المؤسسة، وتزعم المؤسسة أنها تملك وجهات سفر متعددة وتحدد الوجهة المناسبة بحسب الحالة الإنسانية للمتقدم، ويتم تقديم هذه الخدمات لسكان غزة حصرًا.

ومن جانب آخر، وبحسب بعض المصادر الفلسطينية، فإن المنظمة تعتبر حديثة، وتركز على تقديم الخدمات للنساء والعائلات، وقد خدع بعض المتعاملين معها بوعودهم بالانتقال إلى دول أوروبية، حيث تفاجؤوا بأنهم في دولة جنوب إفريقيا. غير أن هذه الخدمة تكون مقابل مادي وصل إلى 500–5000 دولار. كما أضافت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية أن سلطات الكيان كانت على علم بمسار الفلسطينيين الذين تحركوا من غزة عبر معبر "كرم أبو سالم" في حافلات إسرائيلية، ثم إلى مطار "رامون"، ومنها إلى دولة "كينيا"، ثم التوجه إلى "جنوب إفريقيا". وتتواجد في جنوب إفريقيا أكبر جالية يهودية في دول إفريقيا جنوب الصحراء، وهذا التواجد يمكن أن يفسر نشاط بعض الجمعيات الغامضة التي تواصلت مع الفلسطينيين المرحلين إليها عبر رسائل واتساب، لتضمن لهم حجز بعض الفنادق لعدة أيام، بينما لم يتلقَ البعض الآخر هذه الميزة.

رئيس جنوب إفريقيا سيريل رامافوزا 
رئيس جنوب إفريقيا سيريل رامافوزا 

ثالثًا: الكيان الإسرائيلي يحرج "رامافوزا"

كما سبق الإشارة، فإن جنوب إفريقيا لم تكن على علم بالطائرة التي تقل الفلسطينيين، وهذه الرحلة الثانية التي تتم بهذه الطريقة. ويبدو أن الكيان الإسرائيلي يسعى لإحراج وابتزاز جنوب إفريقيا لمعاقبتها على موقفها المؤيد للقضية الفلسطينية وقيادتها لجهود محاكمة القادة العسكريين المسؤولين عن جرائم الإبادة الجماعية في غزة. ويبدو أيضًا أن الخيارات أمام الكيان الصهيوني لم تكن بالاتساع الذي رغب مسئولوها في تنفيذه عبر تسريع الهجرة الطوعية للفلسطينيين في غزة ونقلهم عبر دول ثالثة.

فعلى الرغم من بعض التقارير الإعلامية التي روجت لموافقة بعض الدول الإفريقية (صومالي لاند، رواندا)، إلا أن التنفيذ لم يكن بالسهولة التي يريدها قادة الكيان، والدليل على ذلك موقف "كينيا". فعادة ما تكون الأخيرة مؤيدة لإسرائيل سواء في المحافل الدولية أو على المستوى الشعبي – وشارك بعض البرلمانيين في إنشاء تحالف برلماني شعبي لتأييد إسرائيل خلال حربها على غزة – كما استمرت العلاقات بين الطرفين ولم تنقطع خلال الحرب على غزة، لكن حتى "كينيا" لم تستقبل الطائرة المحملة بالفلسطينيين، بل يمكن اعتبارها محطة ترانزيت شهدت هبوط الطائرة ومن ثم إقلاعها إلى "جنوب إفريقيا". اللافت هنا هو تسهيل الخروج والدخول لدول ثالثة تم بدون وثائق رسمية، ما يعكس الرغبة في تهجير الفلسطينيين بأي شكل وبأي ثمن.

رحلات تهجير طوعي للفلسطينيين إلى جنوب إفريقيا 
رحلات تهجير طوعي للفلسطينيين إلى جنوب إفريقيا 

 

رابعًا: "رامافوزا"... وإعلان الحقيقة

تقليديًا تدعم "جنوب إفريقيا" القضية الفلسطينية لأنها تاريخيًا عانت من الاحتلال الاستيطاني الذي تشهده فلسطين، بل إن بعض المفكرين مثل "د. عبد الوهاب المسيري" قد توقع نهاية الكيان الإسرائيلي بنفس الطريقة التي انتهى بها جدار الفصل العنصري في جنوب إفريقيا. كما أن إسرائيل قد وقفت إلى جانب نظام الفصل العنصري إلى النهاية. ويبدو أن إسرائيل حاولت إحراج القيادة في جنوب إفريقيا بمفاجئتها بوصول طائرة تقل فلسطينيين من غزة وإجبارها على استقبالهم. فبطبيعة الحال، لا يمكن للدولة الداعمة للقضية الفلسطينية أن تفشل في هذا الاختبار، إذ كيف لها أن تغلق الأبواب أمام المشردين والمهجرين وهي الدولة التي سعت لمحاكمة إسرائيل دوليًا؟

رحلات تهجير طوعي للفلسطينيين إلى جنوب إفريقيا 
رحلات تهجير طوعي للفلسطينيين إلى جنوب إفريقيا 

ويبدو التصميم الإسرائيلي على إحراج القيادة في جوهانسبرج مستمر، إذ تؤكد تقارير إعلامية أن هذه هي الرحلة الثانية وليست الأولى في فترة زمنية قصيرة. وعلى أي حال، فقد تعهد "رامافوزا" بالتحقيق الجدي في الأمر وكشف الحقيقة أمام المجتمع.

ختامًا:

 تسعى  إسرائيل لإحراج القيادة في جنوب إفريقيا عبر تصدير الرحلات المشبوهة لترحيل فلسطينيي غزة؛ فمن جهة تسعى لتنفيذ مخطط التهجير الناعم، ومن جهة أخرى تعاقب القادة الأفارقة الذين ساندوا ودعموا القضية الفلسطينية. فإذا وافقوا على الاستقبال فقد ساعدوا ضمنيًا في القضاء على القضية الفلسطينية، وإذا رفضوا فقد سقطوا في اختبار الاعتبارات الإنسانية والأخلاقية.

شيماء حسن* 

 باحث دكتوراه متخصصة في الشأن الإفريقي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء