رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

السلام الإبراهيمي.. قراءة في برجماتية أستانا للتطبيع مع إسرائيل

انضمام كازاخستان
انضمام كازاخستان لاتفاقية إبراهام- أرشيفية

تقود الولايات المتحدة الأمريكية اتجاهًا لإحياء مشروع جيوسياسي يهدف لتشكيل شرق أوسط موسع يمتد من الخليج إلى آسيا، عبر تنشيط الاتفاقيات الإبراهيمية كإطار عزيز للتعاون بين إسرائيل والدول العربية والإسلامية، إذ احتفى الرئيس دونالد ترامب بانضمام كازاخستان إلى معاهدة إبراهام، عقب اتصال هاتفي جمع بين ترامب وقاسم جومارت توكاييف، رئيس كازاخستان، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وتشكل هذه الخطوة تحولًا لافتًا في خريطة التحالفات الإقليمية، إذ ينقل الاتفاقيات من فضائها الشرق أوسطي التقليدي إلى قلب آسيا الوسطى، وهذا التمدد يعكس اتساع مفهوم السلام الإبراهيمي الذي يروج له الرئيس الأمريكي، متعهدًا بضم مزيد من الدول في وقت لاحق.

السلام الإبراهيمي.. رمزية تمدد الاتفاقية

الرئيس ترامب 
الرئيس ترامب 

يُقدر عمر العلاقات بين أستانا وتل أبيب بأكثر من ثلاثين عامًا، لكن إعلان التطبيع رسميًا من جانب دولة لا ترتبط مباشرة بالصراع العربي–الإسرائيلي يمنح أمريكا وإسرائيل منفذًا جديدًا نحو منطقة كانت حتى وقت قريب مجالًا لنفوذ روسي وصيني متداخل.

ويربط هذا المشروع الجيوسياسي بين موارد الطاقة والمعادن النادرة في آسيا الوسطى وخبرات التكنولوجيا والأمن في إسرائيل ودول الخليج بطريقة تعيد رسم حدود النفوذ الأمريكي في المنطقة، ويفتح المجال لتفاهمات اقتصادية وأمنية تتجاوز الإطار العربي التقليدي للاتفاقيات، كما يمنح هذا الانضمام دفعة جديدة لمبادرة إبراهيم بعد فترة من الجمود، مظهرًا أن نطاقها قابل للتوسع نحو مناطق جديدة.

ولعل أبرز ما في توقيع كازاخستان على الاتفاقية الإبراهيمية هو الرمزية في انضمام دولة ذات أغلبية مسلمة، والتي تكمن في قدرتها على كسر الحاجز الجغرافي والديني بين الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، مقدمًا نموذجًا لدبلوماسية برجماتية تضع التنمية والمصالح الاقتصادية قبل الاعتبارات الأيديولوجية.

يحمل تطبيع أستانا مع تل أبيب عدة رسائل هامة، فالخطوة لا تعبّر فقط عن تقارب اقتصادي أو أمني، بل عن إعادة تعريف لمفهوم السلام الإبراهيمي الذي بدأ في الخليج وها هو يمتد إلى مناطق كانت خارج حسابات الصراع العربي–الإسرائيلي، بما يمنح الاتفاقية بعدًا جغرافيًا ودينيًا جديدًا، ويعيد رسم حدود تأثيرها في العالم الإسلامي.

اتفاقية إبراهام كأداة للتوسع الأمريكي في أوراسيا

هذا التوسع يثير تساؤلات حول مستقبل هوية التحالف الإقليمي نفسه: هل سيبقى مشروعًا شرق أوسطي الطابع أم يتحول إلى شبكة دولية تجمع بين مصالح اقتصادية وأمنية عابرة للقارات؟ الإجابة ستعتمد على ما إذا كانت كازاخستان ستترجم رمزية الخطوة إلى تعاون عملي، أم تبقى مجرد حلقة رمزية في استراتيجية أمريكية لإعادة رسم خريطة النفوذ في أوراسيا.

من زاوية أخرى، يعكس انضمام أستانا توغّلًا أمريكيًا ناعمًا في فضاء آسيا الوسطى، المنطقة التي تتقاطع فيها مصالح روسيا والصين، فواشنطن تسعى عبر هذا المسار إلى بناء شبكة من الشراكات الرمزية والاقتصادية تُعيد تثبيت حضورها في منطقة كانت تميل تقليديًا إلى موسكو وبكين.

رئيس كازاخستان قاسم دجومارت توكاييف
رئيس كازاخستان قاسم دجومارت توكاييف

أصبح مشروع إبراهيم أحد أدوات واشنطن لتوسيع نفوذها في قلب أوراسيا دون اللجوء إلى أدوات عسكرية مباشرة، وما يبرهن تلك السردية تصريحات الرئيس دونالد ترامب حول قضية المعادن، مؤكدًا أنها كانت من أبرز المحاور في لقاءه بزعماء آسيا الوسطى، قائلًا: "أبرمنا اتفاقيات حول العالم لتوسيع سلاسل إمدادنا بالمعادن الأساسية".

حققت اتفاقيات إبراهام أهدافها المباشرة المتمثلة في إنشاء محور أمني واستخباراتي رسمي ومؤسسي بين إسرائيل والعديد من الدول العربية، مدعومًا بنقل التكنولوجيا الهائل، ومبيعات الأسلحة، والإشراف الاستراتيجي الأمريكي عبر القيادة المركزية الأمريكية.

هذا الهيكل الأمني الجديد مبني على مصالح نخبوية مشتركة، وهي احتواء إيران وتعزيز السيطرة الاستبدادية المحلية من خلال التكنولوجيا السيبرانية الإسرائيلية.

في المقابل، يضع هذا التطور العالم الإسلامي أمام اختبار جديد لوحدة موقفه من قضية التطبيع، فبينما ترى بعض الدول في الاتفاق إطارًا للتعاون والتنمية، تعتبره أطراف أخرى تخليًا عن الالتزام التاريخي تجاه القضية الفلسطينية.

البرجماتية السياسية وحدود التطبيع مع تل أبيب

قبل خمس سنوات، وقع وزير خارجية البحرين عبد اللطيف بن راشد الزياني، ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ووزير خارجية الإمارات عبد الله بن زايد آل نهيان، على الاتفاقيات الإبراهيمية في البيت الأبيض في سبتمبر 2020 بواشنطن.

وأحدثت هذه الخطوة جدلًا واسعًا داخل المؤسسات الدينية، لا سيما أن تلك الاتفاقية لم تُبرم نتيجة حرب مع إسرائيل كما حدث من قبل في معاهدة كامب ديفيد مع الأطراف المصرية والأردنية، بل جاءت في إطار تفاهمات سياسية اتسمت بطابع استراتيجي.

 

نتنياهو وترامب واتفاقية إبراهام
نتنياهو وترامب واتفاقية إبراهام

الآن، من المحتمل أن يعمق انضمام دولة مسلمة جديدة إلى المعاهدة الانقسام داخل منظمة التعاون الإسلامي ويعيد النقاش حول حدود البرجماتية السياسية في التعامل مع إسرائيل، ورغم أن اختيار اسم المعاهدة قيل إنه نسبة إلى النبي إبراهيم الذي تنتسب إليه الديانات السماوية الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلام، وهي تسمية اختيرت لتضفي طابعًا من الشراكة على أساس ديني بين إسرائيل والعرب، أو بمعنى آخر بين اليهود والمسلمين.

وبذلك تتحول اتفاقيات إبراهيم من مجرد إطار دبلوماسي إلى مقياس لمعادلات التوازن داخل العالم الإسلامي نفسه، فكل انضمام جديد يطرح سؤالًا مزدوجًا: إلى أي مدى يمكن أن يستمر السلام الإبراهيمي كمنصة اقتصادية عابرة للسياسة؟ وهل سيؤدي تمدده الجغرافي إلى ترسيخ واقع جديد من التطبيع الهادئ أم إلى تفجير جدل أوسع حول هوية الموقف؟

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء