القاعدة الأمريكية.. توازن بين النفوذ الروسي والإيراني والتركي في سوريا
نقلت وكالة "رويترز" عن مصادر مطلعة أن الولايات المتحدة تستعد لتأسيس وجود عسكري في قاعدة جوية بدمشق، وذلك للمساعدة في تنفيذ اتفاق أمني تتوسط فيه واشنطن بين سوريا وإسرائيل، إذ يُتوقع أن تُعلن أجزاء من جنوبي سوريا كمناطق منزوعة السلاح ضمن الاتفاقية المرتقبة بين دمشق وتل أبيب.
يمكن القول إن إنشاء القاعدة الأمريكية في سوريا لا يعني مجرد تحرك ميداني، بل عودة سياسية أمريكية إلى الشرق الأوسط بأدوات جديدة أقل كلفة، لكنها أكثر نفاذًا واستدامة، وذلك بعد ما أنهكتها الموارد المالية للانتشار العسكري في المنطقة.
ويُحتمل أن تعود واشنطن إلى موقع الضامن الفعلي في معادلة الصراع الممتدة منذ عقود؛ فالوجود الأمريكي هنا ليس عسكريًا فقط، بل سياسي – أمني، هدفه إدارة ما يمكن تسميته بـ"السلام المراقب" بين طرفين ما زالا في حالة عداء رسمي.

مراقبة إسرائيلية مضمونة أمريكيًا
رغم عدم الإعلان عن تفاصيل القاعدة من حيث التوقيت وعدد الجنود، لكنها كخطوة تُترجم عمليًا رغبة واشنطن في الإمساك بخيوط التفاهمات الحدودية بين دمشق وتل أبيب، خصوصًا في مناطق الجنوب السوري والجولان، إذ تمنح الولايات المتحدة موقع الطرف الثالث الموثوق الذي يشرف على الالتزامات المتبادلة، ويمنع أي اختراق ميداني قد يهدد ترتيبات التهدئة.
على المستوى الإسرائيلي، يمثل الوجود الأمريكي ضمانة أمنية حقيقية ضد عودة الميليشيات الموالية لإيران إلى خطوط التماس، بينما تنظر دمشق إلى الخطوة كإعادة تأهيل دولي لها بعد سنوات من العزلة، وبذلك يصبح الأمن هو القناة الجديدة التي تمر عبرها العلاقات، بدلًا من الدبلوماسية المباشرة.
كما تدرك الولايات المتحدة أن إعادة الإعمار في سوريا، حين تبدأ، ستكون ورقة نفوذ ضخمة، والتمركز قرب دمشق يمنحها موقعًا مثاليًا للمراقبة والتأثير على مسارات التمويل والإنشاء، وربما ترتبط القاعدة أيضًا بخطط إقليمية أوسع تشمل ربط خطوط الطاقة والغاز الممتدة من شرق المتوسط عبر الأراضي السورية، وضمان أمن ممرات التجارة الجديدة التي تربط الخليج بالبحر المتوسط.

على هذا الأساس، تتحول القاعدة إلى أكثر من منشأة عسكرية، لتصبح منصة نفوذ اقتصادي ولوجستي تساعد واشنطن على التحكم في ممرات الإمداد والمشاريع الدولية، وربطها بترتيبات سياسية تخدم مصالحها في المنطقة.
السيادة السورية في اختبار صعب
تتوالى القرارات الأمريكية بشأن سوريا ورئيسها الجديد أحمد الشرع، بدأت برفع العقوبات ورفع اسمه من قوائم الإرهاب؛ نظرًا لارتباطه سابقًا بتنظيم القاعدة، وحاليًا حديث عن ضغوط أمريكية لتوقيع دمشق على معاهدة "إبراهام" التي تقضي بالتطبيع مع إسرائيل، وذلك بالتزامن مع اتفاق أمني مرتقب وإنشاء قاعدة عسكرية أمريكية، وبما أن ترامب يوصف بأنه تاجر أو رجل أعمال قبل أن يكون رئيسًا، فلكل شيء ثمن، والثمن هنا انتقاص من السيادة السورية.
فرغم الطابع التنسيقي الذي يُسوّق به المشروع، فإن وجود قاعدة أمريكية قرب العاصمة يطرح تساؤلات صعبة حول مدى استقلال القرار السوري، خاصة أن دمشق دائمًا تقدم نفسها كرمز للسيادة الوطنية، وهي الآن أمام معادلة جديدة تتعلق بقبول وجود أجنبي جديد مقابل ضمانات سياسية وأمنية.
القبول الضمني بتمركز القوات الأمريكية قد يُبرر رسميًا بأنه خطوة ضرورية لمراقبة الاتفاق الأمني، لكن في العمق هو اعتراف عملي بتعدد مراكز السيطرة داخل الدولة السورية، لا سيما في ظل وجود قواعد روسية في الساحل، ونفوذ إيراني في الجنوب، ووجود تركي في الشمال، ومع دخول الأمريكيين، تصبح سوريا ساحة مفتوحة لجميع القوى الكبرى.

من منظور داخلي، يمكن للسلطة السورية أن توظف الخطوة لتمرير خطاب براغماتي جديد مفاده أن الانفتاح على واشنطن ضرورة لإنقاذ الاقتصاد وكسر العزلة، لكن ذلك يضعها أمام تحدي التوازن بين بقاء الدعم الروسي والإيراني ومغازلة الانفتاح الأمريكي في الوقت نفسه.
تحول أوسع في الاستراتيجية الأمريكية بالشرق الأوسط
التحرك في دمشق لا يمكن قراءته بمعزل عن التحول الأمريكي في نمط الانتشار العسكري، فبعد عقدين من القواعد الضخمة في العراق وأفغانستان، تتجه واشنطن نحو نموذج التواجد الخفيف عالي التأثير؛ قواعد صغيرة محدودة العدد، لكنها في مواقع استراتيجية تتيح مراقبة مناطق الصراع دون التورط المباشر.
ويتماشى هذا التدرج مع تصريحات المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توماس باراك، في سبتمبر الماضي، والتي أكد خلالها أن تراجع الدور العسكري الأمريكي سببه إعطاء أولوية لمواجهة التهديد الصيني، لكنها في الوقت ذاته تميل إلى لعب دور الوسيط أكثر من كونها طرفًا فاعلًا عسكريًا.
ويجسد الموقع الجغرافي للقاعدة بالقرب من دمشق هذه الاستراتيجية الجديدة، إذ يمنح واشنطن موطئ قدم وسط شبكة النفوذ الروسي والإيراني والتركي، ويعيدها إلى قلب المشهد الإقليمي بعد فترة من الانكفاء النسبي.
ختامًا:
إن العودة الأمريكية في سوريا محسوبة، لا على شكل غزو أو احتلال، بل عبر نقاط ارتكاز استخباراتية قادرة على جمع المعلومات، والتأثير في القرار، والمشاركة في صياغة التسويات المستقبلية.



