رغم خفض سعر الفائدة.. الأسواق ترفض الانصياع والتجار في عالم موازي
على الرغم من إعلان البنك المركزي المصري مؤخرًا عن خفض سعر الفائدة بنسبة 2%، وهو القرار الذي كان يُنتظر أن يساهم في تحريك الأسواق وتخفيف الأعباء عن كاهل المواطنين، من خلال إنخفاض أسعار السلع الأساسية في الأسواق، ما يفتح باب أمل أمام المواطنين برفع الأعباء عن كاهلهم وتلبية كافة احتياجتهم دون عناء.
لكن الواقع جاء عكس ذلك، بعد أن شهدت المحافظات استمرار ارتفاع أسعار كافة السلع نتيجة جشع التجار وعدم الرقابة على الأسواق، ليسقط المواطن فريسة سهلة أمام الباعة ومحتكري السلع، في ظل تدني الأجور التى لا تكفي لتوفير حياة مناسبة للأسر المصرية، وهذا ما تعيشة محافظة الشرقية، نتيجة استمرار ارتفاع أسعار السلع الأساسية وهو ما جعل كثيرًا من الأهالي يتساءلون عن توقيت انعكاس هذه قرارات خفض سعر الفائدة بنسبة 2%، على حياتهم اليومية وقدرتهم الشرائية.
في البداية قال الدكتور عبد الله الشناوي، أستاذ الاقتصاد بكلية التجارة جامعة الزقازيق، إن قرار البنك المركزي بخفض سعر الفائدة بمقدار 2% يمثل خطوة تستهدف تنشيط الاقتصاد وتحفيز الاستثمار، موضحًا أن الفكر الاقتصادي الكلاسيكي يربط بين الفائدة والتضخم بعلاقة طردية، أي أن خفض الفائدة يقلل من معدلات الادخار ويرفع من مستويات الاستهلاك والطلب الكلي، وهو ما قد يؤدي إلى ضغوط تضخمية، لافتًا إلى أن النظرية الكينزية تؤكد أن خفض الفائدة يسهم في زيادة الاستثمار وتحريك النشاط الاقتصادي ورفع معدلات النمو، وهو ما ينعكس على زيادة العرض الكلي من السلع والخدمات، وبالتالي قد يساعد على استقرار الأسعار على المدى المتوسط.
وأكد «الشناوي» أن خفض الفائدة لا يمكن النظر إليه بمعزل عن باقي أدوات السياسة الاقتصادية، إذ يحتاج إلى تنسيق محكم بين السياسات النقدية والمالية لمواجهة التحديات المرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة والغذاء واضطراب سلاسل الإمداد، مشيرًا إلى أنه من المهم أن يظل صانعو القرار في مصر يقظين لمستويات التضخم المتوقعة، حتى لا تتحول زيادة الاستهلاك والاستثمار الناتجة عن خفض الفائدة إلى ضغوط سعرية أعلى، مشيرًا إلى أن معظم الشركات تضطر للاستيراد بالدولار، وهو ما يجعلها أكثر تأثرًا بتقلبات سعر الصرف.
رأي المصنعين
من جانبه، قال المهندس توفيق عامر، أحد أصحاب الشركات المنتجة للأجهزة الكهربائية بمدينة العاشر من رمضان، إن تأثير قرارات خفض أسعار الفائدة لا يظهر بشكل مباشر وسريع، وإنما يحتاج إلى فترة زمنية تتراوح ما بين 3 إلى 6 أشهر حتى يلمس السوق والمصانع نتائجها، وأرجع ذلك إلى أن الخامات المستخدمة في التصنيع تكون قد تم شراؤها مسبقًا بأسعار مرتفعة، وتستمر دورة استهلاكها نحو 3 إلى 4 أشهر، وهو ما يؤخر انعكاس انخفاض التكلفة على أسعار المنتجات النهائية.
وأوضح أن أسعار الأجهزة الكهربائية تحدد بالأساس وفقًا لتكلفة الخامات المستوردة، التي تمثل نحو 80% من تكلفة المنتج، في حين لا تتجاوز المصروفات التشغيلية من أجور ورواتب وفواتير نسبة 20% فقط، مشيرا إلى أن ارتباط الشركات بعمليات الاستيراد بالدولار يجعلها أكثر عرضة للتأثر بتقلبات أسعار الصرف، وهو ما ينعكس مباشرة على السوق.
كما لفت عامر إلى أن حالة الركود الراهنة وضعف حركة البيع والشراء تضيف أعباءً كبيرة على الشركات والمستهلكين، الأمر الذي يدفع بعض المصانع والتجار للبحث عن حلول بديلة مثل ابتكار عروض تحفيزية لجذب العملاء وتحريك السوق، على سبيل المثال منح أجهزة إضافية مثل ميكرويف أو غسالة أطباق مجانًا عند شراء جهاز عروسة كامل.
وأكد المحاسب ايمن حسبو عضو منتدب لإحدى شركات الحلول المالية بالعاشر من رمضان، أن خفض سعر الفائدة لا يعني بالضرورة انخفاض الأسعار بشكل فوري، مشيرًا إلى أن معدلات التضخم المرتفعة ما تزال تعيق انعكاس هذا القرار بشكل مباشر على السوق، موضحًا أن استمرار ارتفاع بعض عناصر التكلفة مثل أسعار الغاز والوقود والأجور الناتجة عن التضخم، يحد من التأثير المتوقع لانخفاض الفائدة على أسعار السلع في الوقت الحالي.
وأضاف أن زيادة الطلب على بعض المنتجات في ظل محدودية المعروض تجعل التجار في غير حاجة إلى خفض الأسعار، لافتًا إلى أن الأثر الأهم لقرار خفض الفائدة يتركز في مجال الاستثمار والصناعة، حيث يساهم في تنشيط الاقتصاد وتحفيز المستثمرين على التوسع والبحث عن عوائد أعلى مع تراجع العائد الادخاري.
وأشار حسبو إلى أن من أبرز الآثار الإيجابية لخفض الفائدة انخفاض تكلفة التمويل، وهو ما يدعم المصنعين ويشجعهم على التوسع في أنشطتهم، فضلًا عن خفض أعباء خدمة الدين العام بالموازنة نتيجة تراجع تكلفة الاقتراض.
قال أحمد السيد، موظف وأب لثلاثة أبناء، إن القرارات الاقتصادية لن يكون لها معنى ما دام كيلو اللحمة يتجاوز 400 جنيه والدواجن تباع بأسعار تفوق قدرة المواطن المتوسط، وأضاف: إحنا عايزين نشوف القرارات تنعكس على الأسعار في السوق مش بس نسمع عنها في الإعلام.
أما منى عبد الحميد، ربة منزل من مركز بلبيس، فأشارت إلى أن ميزانية بيتها بالكاد تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية مثل الزيت والسكر والأرز، موضحة أنها تضطر للاستغناء عن بعض السلع غير الضرورية والاكتفاء بالأساسيات فقط، وقالت: كل يوم بنحسبها قبل ما ننزل السوق، الفاكهة بقت رفاهية مش في متناول كل الأسر.
وأضاف محمد عبد الغني، تاجر بمركز الإبراهيمية ، أن حركة الشراء ضعيفة جدًا رغم اقتراب موسم المدارس، موضحًا أن أغلب الزبائن يشترون بالكميات الصغيرة وعلى قدر الحاجة اليومية فقط، بسبب ضيق الحال وتراجع القدرة الشرائية.
وبينما يرى الخبراء أن خفض الفائدة قد يسهم على المدى المتوسط في تحفيز الاستثمار واستقرار الأسعار، ويتمسك المصنعون بآمال في تحريك السوق بالعروض الترويجية، لا يزال المواطن البسيط في الشرقية ينتظر انعكاس هذه السياسات على أرض الواقع، في صورة أسعار أقل وقدرة شرائية أكبر، وسط شكوك متزايدة حول سرعة تحقق هذه الوعود.

