الإدمان الرقمي الجديد.. كيف أسر الذكاء الاصطناعي عقول جيلٍ كامل؟
في زمنٍ أصبحت فيه الشاشات نافذتنا إلى العالم، يطل خطر جديد لا يصدر من مادة أو دواء، بل من خوارزمية تتحدث بلغة البشر وتفهمهم أكثر مما يفهمون أنفسهم إنه الإدمان الرقمي في صورته الأحدث والأكثر تعقيدًا إدمان الذكاء الاصطناعي.
حسب موقع "العربية"؛ لم يعد التعلق بروبوتات الدردشة مثل "تشات جي بي تي" أو "Replika" مجرد فضولٍ تكنولوجي أو وسيلة للتسلية، بل تحوّل تدريجيًا إلى إدمان رقمي يخلق عوالم موازية من الارتياح الزائف والعلاقات الوهمية المستخدم يدخل ليجرب ثم يجد نفسه يعيش بين كلمات شاشة تمنحه الدعم الذي يفتقده في الواقع، وتفهمه كما لم يفهمه أحد.
يصف الأطباء النفسيون هذا النمط الجديد من الاعتماد بأنه إدمان بلا وعي، إذ يمنح الذكاء الاصطناعي شعورًا فوريًا بالقبول والأمان، لكنه يسلب الإنسان شيئًا فشيئًا قدرته على التفاعل الطبيعي مع الآخرين، وتؤكد الدراسات أن بعض المستخدمين أصبحوا يتعاملون مع تلك النماذج كأصدقاء مقربين أو شركاء عاطفيين أو حتى معالجين نفسيين، فيتحول الإدمان الرقمي من تسلية إلى عزلة، ومن حوار إلى هروب من الواقع.
الأخطر من ذلك أن الخبراء رصدوا حالات تُعرف بالذهان الناتج عن الذكاء الاصطناعي، إذ يبدأ المستخدم في مشاركة أوهامه مع النموذج الذكي الذي يصدقها ويغذيها بدلًا من أن يصححها وهنا تتجلى خطورة الإدمان الرقمي: حين يتحول الذكاء الاصطناعي من أداةٍ إلى مرآةٍ مشوهةٍ للعقل البشري.
وتحذر روبين فيلدمان مديرة معهد قانون وابتكار الذكاء الاصطناعي بجامعة كاليفورنيا، قائلة: "الخطر لا يكمن في التقنية نفسها، بل في الوهم الذي تخلقه والإدمان الرقمي يُقنع الإنسان بأنه مسيطر، بينما هو يغرق ببطء في عزلة إلكترونية لا يشعر بها".
الأرقام بدورها مقلقة؛ تشير دراسات إلى أن 70% من المراهقين جربوا روبوتات المحادثة، وأن مئات الآلاف حول العالم أظهروا علامات على اعتماد نفسي عليها في ظاهرة وصفها العلماء بأنها الوجه الجديد للوحدة الحديثة.
قد يبدو الذكاء الاصطناعي عبقريًا في محادثته، لكنه لا يملك قلبًا ولا إحساسًا، ورغم ذلك، يمنح مستخدميه شعورًا زائفًا بالدفء الإنساني وهنا تبدأ المأساة الحقيقية للإدمان الرقمي حين يجد الإنسان نفسه وحيدًا في عالم مملوء بالأصوات، لكنها كلها صادرة من شاشة باردة.
في النهاية، تذكر أن الذكاء الاصطناعي خُلق ليخدم الإنسان، لا ليحل محله ومع تزايد مظاهر الإدمان الرقمي يصبح الوعي هو السلاح الوحيد القادر على إنقاذ عقولنا قبل أن نصحو على واقعٍ تتحكم فيه الخوارزميات أكثر من المشاعر.

