رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

مصر في بروكسل: الوسيط الهادئ في زمن التصدعات العربية والأوروبية

الرئيس السيسي في
الرئيس السيسي في قمة بروكسل

للمرة الأولى، تشهد العاصمة البلجيكية بروكسل قمة مصرية أوروبية بمشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي، وقادة ومسؤولي الاتحاد الأوروبي وكبار ممثلي المفوضية الأوروبية، إلى جانب حضور رفيع من الدول الأعضاء، كخطوة لاستكمال مسار الشراكة الاستراتيجية الشاملة التي تم إطلاقها في القاهرة في مارس 2024.

ولا يمكن أن ينحصر الحدث في شراكات اقتصادية فقط، بل توجد الكثير من الملفات المشتركة بين ضفتي المتوسط، وتهدف بالأساس إلى الارتقاء بالتعاون من مستوى التنسيق التقليدي إلى مستوى مؤسسي شامل يغطي النواحي السياسية والاقتصادية والأمنية والطاقوية والتنموية، ومن المتوقع أن تكون القضية الفلسطينية وتنفيذ خطة إنهاء الحرب وإعمار غزة هي الأبرز والأكثر حضورًا في القمة المصرية الأوروبية.

الرئيس السيسي يصل بروكسل 
الرئيس السيسي يصل بروكسل 

جذور الدور المصري

اتخذت مصر موقعًا محوريًا هامًا في العلاقات العربية الأوروبية منذ خمسينيات القرن الماضي، إذ كانت القاهرة نقطة التلاقي والتفاهم بين الشرق الأوسط والغرب، خاصة في القضايا التي تتعلق بالهجرة والطاقة، والصراع العربي الإسرائيلي، والأمن البحري للدول العربية وغيرها من الملفات الشائكة.

ومع تراجع الأدوار الإقليمية في العقد الأخير، تحاول مصر عبر حضورها الحالي في الاتحاد الأوروبي إعادة تموضعها، مستفيدة من موقعها الجغرافي وشبكة علاقاتها السياسية الممتدة من باريس إلى الرياض ومن برلين إلى أبوظبي.

الرئيس السيسي في بروكسل
الرئيس السيسي في بروكسل

ولا شك أن مصر بموقعها الجيوسياسي تمثل "ضمانة استقرار" في جنوب المتوسط، وشريكًا أساسيًا في ملفات مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية وأمن الطاقة، كما توصف بأنها قناة لا غنى عنها للتواصل مع الأنظمة العربية التي يصعب على أوروبا الوصول إليها مباشرة، مثل ليبيا وسوريا وفلسطين.

وعلى الجانب الآخر، ترى القاهرة أن الاتحاد الأوروبي هو الرافد الأكبر للاستثمار والدعم المالي، خاصة في ظل أزمة الدين المحلي وتحديات الاقتصاد، لذلك تسعى القيادة المصرية إلى تحقيق مكاسب اقتصادية ومشروعات مشتركة في مجالات الطاقة النظيفة، والهيدروجين الأخضر، والبنية التحتية.

القاهرة كجسر سياسي في زمن الانقسام

أبرزت مصر قوتها في إدارة ملف غزة، فلم ترضخ للضغوط الأمريكية حول تهجير الفلسطينيين، وحافظت على وحدة الأرض ورفض تصفية القضية. لذلك تستخدم القاهرة علاقاتها المتوازنة مع أوروبا والولايات المتحدة والعالم العربي لطرح نفسها كوسيط موثوق، بعد أن لعبت دورًا كان محل إشادة من القوى العالمية العظمى في التهدئة والتفاوض، كما تحتفظ بقنوات اتصال مفتوحة مع كل الأطراف.

 

الرئيس السيسي في بروكسل
الرئيس السيسي في بروكسل

كذلك في ليبيا والسودان، تمثل القاهرة نقطة توازن بين الرؤية الأوروبية التي تميل إلى التسوية السياسية والمواقف العربية الأكثر تشددًا، وهو ما أبرزته تصريحات رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا بإشادته بالدور المصري في تحقيق الاستقرار الإقليمي وجهود الوساطة في الصراع الدائر في غزة، باعتبارها شريكًا استراتيجيًا للاتحاد الأوروبي، مشيرًا إلى عمق الروابط التاريخية والثقافية والجغرافية التي تجمع بين الجانبين، وأن القمة تمثل فرصة لتعزيز التعاون المشترك ومواجهة التحديات العالمية، وإطلاق الإمكانات الكاملة للعلاقات بين الاتحاد الأوروبي ومصر.

ومن المفترض أن تكون القمة نقطة انطلاق بشأن حقيقة الدعم الأوروبي لفلسطين فيما يتعلق بإعادة إعمار غزة، خاصة أن أوروبا هي الأخرى تبحث عن دور في المنطقة العربية بعد تراجعها وظهور الولايات المتحدة كلاعب وحيد؛ لذلك سيكون الحضور المصري فرصة لمد جسور التواصل ووضع خطة قابلة للتنفيذ فيما يتعلق بآليات الإعمار ومراحله وطرق الدعم الموجه لغزة على أرض الواقع.

اقتصاد المتوسط.. شراكات محتملة

في ظل تصاعد الأزمات بين روسيا وأوكرانيا من جهة، وفتح جبهات أخرى للخلافات حول إصدار قائمة موحدة للدول الآمنة، وزيادة الإنفاق العسكري من قبل الدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي، تتجه الأنظار نحو القاهرة لحل بعض الأزمات المتعلقة بالطاقة على وجه الخصوص، إذ تتقاطع المصالح المصرية الأوروبية في مشاريع الطاقة بشرق المتوسط سواء الغاز أو الهيدروجين، إذ تسعى مصر لتكون مركزًا إقليميًا لتصدير الطاقة إلى أوروبا عبر خطوط تربطها باليونان وقبرص وإيطاليا.

 

الجالية المصرية تستقبل الرئيس السيسي في بروكسل
الجالية المصرية تستقبل الرئيس السيسي في بروكسل

هذه المشروعات تعزز فكرة الجسر الاقتصادي بعد أن كانت فقط دبلوماسية وسياسية، إذ يتوقع أن يشارك الوفد المرافق للرئيس السيسي في اجتماعات لعقد شراكات مع كيانات اقتصادية، وحث المستثمرين على التوجه إلى مصر في مجال الطاقة والبيئة ودعم خطط التحول نحو الاقتصاد الأخضر التي تتبناها مصر وأوروبا.

ورغم استمرار الأزمات في الجنوب العالمي وتزايد الحاجة الأوروبية إلى شركاء موثوقين، تحافظ مصر على توازنها بين التحالفات دون أن تتحول إلى أداة بيد أي طرف؛ فلا تخضع لإملاءات خارجية ولا تستجيب لضغوط تؤثر على سيادة القرار المصري، ومع ذلك توازن بين كونها وسيطًا بين عالميْن كلاهما يتصارع لأغراض سياسية واقتصادية.

وتقدّر بروكسل الجهود المصرية في احتواء موجات الهجرة غير الشرعية وإنقاذ المهاجرين في البحر المتوسط، كما يعتزم الاتحاد الأوروبي زيادة الدعم المالي المخصص للمشروعات التنموية في المناطق الريفية بمصر ضمن مبادرة "شراكة من أجل الاستقرار"، إضافة إلى توقيع مجموعة من الاتفاقيات الجديدة مع بدء تنفيذ مشاريع ممولة من الدفعة الثانية من حزمة الدعم الاقتصادي الأوروبية لمصر.

ختامًا:

حضور مصر للمرة الأولى في القمة الأوروبية يمثل فرصة تاريخية لبيان الثقل السياسي والدبلوماسي والاقتصادي المصري، ودليلًا هامًا على إعادة تموضع يليق بدور القاهرة في ملفات الهجرة والطاقة والتعددية، وهو حضور سيلقي بظلاله على القضية الفلسطينية والصراع في ليبيا والسودان.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء