رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الدبلوماسية البديلة: "ماشاف" ذراع استخباراتية إسرائيلية لبناء شبكات النفوذ الدولي

نشاط مؤسسة ماشاف
نشاط مؤسسة ماشاف الإسرائيلية في الدول الإفريقية والأسيوية

منذ قيام دولة إسرائيل عام 1948، أدركت القيادة الصهيونية أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لضمان البقاء في بيئة معادية سياسيًا وثقافيًا، وأن النفوذ الحقيقي يُبنى عبر شبكة من العلاقات والمصالح التي تمتد في أعماق المجتمعات والدول. من هذا الوعي وُلدت فكرة القوة الناعمة الإسرائيلية التي تجمع بين التنمية، والدبلوماسية، والتقنية، والاستخبارات، في إطار مؤسسات تبدو مدنية وإنسانية في ظاهرها، لكنّها تحمل أدوارًا استراتيجية عميقة.

في قلب هذه المنظومة تبرز وكالة "ماشاف"  (MASHAV)، التابعة لوزارة الخارجية الإسرائيلية، كإحدى الأدوات الأكثر تأثيرًا في اختراق العالم النامي، وجمع المعلومات، وصناعة النخب الموالية لإسرائيل.

نشاط مؤسسة ماشاف الإسرائيلية في الدول الإفريقية والأسيوية
نشاط مؤسسة ماشاف الإسرائيلية في الدول الإفريقية والأسيوية

أولاً: النشأة والسياق السياسي

تأسست ماشاف عام 1958 بقرار من رئيس الوزراء دافيد بن جوريون ووزيرة الخارجية جولدا مائير، في مرحلة كانت فيها إسرائيل تسعى إلى كسر عزلتها في العالم الثالث بعد رفض معظم الدول العربية والإسلامية الاعتراف بها. وقد حملت الوكالة منذ البداية عنوانًا جذابًا: "مركز التعاون الدولي من أجل التنمية"، لكنها كانت في حقيقتها منصة دبلوماسية موازية تستهدف استثمار "المعونة" في بناء الولاءات السياسية.

جاءت الفكرة في إطار تصور أوسع للسياسة الخارجية الإسرائيلية، يقوم على أن "التغلغل في الأطراف" يمكن أن يعوّض فقدان العمق الإقليمي. فبدلًا من التركيز فقط على أوروبا والولايات المتحدة، اتجهت إسرائيل إلى إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، حيث يمكنها تقديم نموذج الدولة الصغيرة المتقدمة تكنولوجيًا، القادرة على نقل المعرفة الحديثة إلى البلدان النامية.

نشاط مؤسسة ماشاف الإسرائيلية في الدول الإفريقية والأسيوية
نشاط مؤسسة ماشاف الإسرائيلية في الدول الإفريقية والأسيوية

ثانيًا: الهيكل والمهام المعلنة

تتبع "ماشاف" مباشرة وزارة الخارجية الإسرائيلية، وتعمل بالتنسيق مع وزارات الزراعة، والتعليم، والصحة، ويقدّر عدد الدول التي تنشط فيها بأكثر من 140 دولة، وتدير سنويًا ما يزيد عن 200 دورة تدريبية داخل إسرائيل وخارجها، في مجالات مثل: الزراعة والري بالتنقيط، والإدارة الحكومية، وتمكين المرأة، والصحة العامة والتعليم، والتكنولوجيا والابتكار.

تعمل الوكالة عبر ثلاث آليات رئيسة:

التدريب في إسرائيل (تحت اسم مركز التدريب الدولي "سينيم")، وإيفاد خبراء إسرائيليين إلى الخارج، وإنشاء مشروعات نموذجية بالتعاون مع الحكومات والمنظمات الدولية.

لكنّ هذا النشاط "المدني" لم يكن يومًا بريئًا بالكامل؛ فبحسب باحثين في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، فإنّ ماشاف تمثل أحد أعمدة "الدبلوماسية العامة" التي تدمج التنمية بالمصالح الأمنية والدبلوماسية، بهدف تعزيز المكانة السياسية لإسرائيل وكسب تأييد الدول النامية في المحافل الدولية.

نشاط مؤسسة ماشاف الإسرائيلية في الدول الإفريقية والأسيوية
نشاط مؤسسة ماشاف الإسرائيلية في الدول الإفريقية والأسيوية

ثالثًا: من التنمية إلى الاستخبارات الناعمة

يُعدّ استخدام برامج التنمية كغطاء لجمع المعلومات ممارسة شائعة في السياسات الدولية، لكن إسرائيل طوّرتها إلى نموذج منهجي. فيعمل خبراء "ماشاف" كمستشارين فنيين، إلا أنهم في الوقت نفسه يجمعون بيانات دقيقة حول:البنية الاجتماعية والسياسية للدول المضيفة، وشبكات النخب المحلية، ومواقع النفوذ داخل الأجهزة الحكومية، واتجاهات الرأي العام والنشاط الديني والسياسي.

كما تُعدّ الدورات التدريبية في إسرائيل منصة لتجنيد النفوذ طويل الأمد، فالمسؤولون والكوادر الذين يتلقّون تدريبهم في تل أبيب يعودون إلى بلدانهم وهم يحملون علاقات مباشرة مع موظفي وزارة الخارجية الإسرائيلية، وغالبًا ما يصبحون لاحقًا وسطاء في تسهيل العلاقات أو تمرير المعلومات.

يُضاف إلى ذلك أنّ التقارير الميدانية التي يُعدّها الخبراء الإسرائيليون تُستخدم داخل وزارة الخارجية والموساد لتقييم فرص الاستثمار السياسي أو الأمني في الدول النامية.

نشاط مؤسسة ماشاف الإسرائيلية في الدول الإفريقية والأسيوية
نشاط مؤسسة ماشاف الإسرائيلية في الدول الإفريقية والأسيوية

رابعًا: إفريقيا.. المعمل الأول

شكّلت القارة الإفريقية الميدان الأبرز لتجريب نموذج "ماشاف" منذ الستينيات، فقد أقامت إسرائيل مئات المشروعات الزراعية والتعليمية، ودربت آلاف الكوادر في أوغندا، وكينيا، وغانا، ونيجيريا، وإثيوبيا.ورغم أن العديد من هذه الدول قطعت علاقاتها بإسرائيل بعد حرب أكتوبر 1973، فإن نشاط ماشاف لم يتوقف؛ بل استمر عبر منظمات وسيطة ومؤسسات أهلية تحمل طابعًا تنمويًا أو كنسيًا.

في الواقع، كانت هذه البرامج واجهة للاختراق السياسي والأمني، إذ سمحت لإسرائيل بإنشاء قواعد معلومات اجتماعية عن القبائل، والموارد، والقيادات المحلية، ما استفاد منه لاحقًا جهاز الموساد في بناء علاقات أمنية واستخباراتية مع حكومات إفريقية. كما أسهمت ماشاف في تسويق التكنولوجيا الزراعية الإسرائيلية كرمز للتقدم، بهدف تحسين صورة إسرائيل في الوعي الإفريقي، وإضعاف مركزية القضية الفلسطينية في الخطاب القاري.

نشاط مؤسسة ماشاف الإسرائيلية في الدول الإفريقية والأسيوية
نشاط مؤسسة ماشاف الإسرائيلية في الدول الإفريقية والأسيوية

خامسًا: آسيا.. من بوابة التنمية إلى التغلغل الاقتصادي

في آسيا، وخاصة في الهند، ونيبال، وميانمار، والفلبين، وتايلاند، استغلت "ماشاف" رغبة الحكومات المحلية في التحديث الزراعي والتكنولوجي. ففي الهند مثلًا، أقامت بالتعاون مع وزارة الزراعة أكثر من 30 مركزًا للتفوّق الزراعي، يديرها خبراء إسرائيليون، تحت شعار "الزراعة الدقيقة".

إلا أن هذه المراكز أصبحت لاحقًا نقاط نفوذ معلوماتي واقتصادي، حيث تتيح لإسرائيل معرفة البنية الإنتاجية للقطاع الزراعي، وشبكات الموردين، وحتى أنماط الاستهلاك. وفي ميانمار، ساهمت مشاريع "ماشاف" في تدريب ضباط سابقين ومسؤولين حكوميين في مجالات "إدارة الكوارث"، وهي دورات تحمل طابعًا مزدوجًا يجمع بين الطابع المدني والمهارة الأمنية، ما يعكس التداخل بين التنمية والدفاع في الرؤية الإسرائيلية.

نشاط مؤسسة ماشاف الإسرائيلية في الدول الإفريقية والأسيوية
نشاط مؤسسة ماشاف الإسرائيلية في الدول الإفريقية والأسيوية

سادسًا: أمريكا اللاتينية.. من العلاقات الإنسانية إلى التحالفات السياسية

في أمريكا اللاتينية، تمثل "ماشاف" الواجهة الأبرز للتعاون الإسرائيلي مع دول مثل غواتيمالا، هندوراس، باراغواي، والبرازيل. وفي هذه الدول، نجحت إسرائيل في تحويل برامج التنمية إلى تحالفات سياسية صريحة. فقد كانت غواتيمالا أول دولة تنقل سفارتها إلى القدس بعد الولايات المتحدة عام 2018، بفضل شبكة العلاقات التي نسجتها تل أبيب عبر برامج التدريب والمعونة.

تُظهر تقارير صادرة عن مراكز دراسات أمريكية أن الوكالة الإسرائيلية استخدمت مشاريع "التنمية الزراعية" كوسيلة لتوطيد العلاقات مع جيوش أمريكا اللاتينية وأجهزتها الأمنية، عبر التدريب في مجالات المراقبة الإلكترونية، وإدارة الموارد، والاستجابة للطوارئ.ومن خلال هذا التعاون، حصلت إسرائيل على موطئ قدم استخباراتي في بيئة كانت تهيمن عليها الولايات المتحدة وحدها.

نشاط مؤسسة ماشاف الإسرائيلية في الدول الإفريقية والأسيوية
نشاط مؤسسة ماشاف الإسرائيلية في الدول الإفريقية والأسيوية

سابعًا: أوروبا.. الدبلوماسية العلمية كغطاء نفوذ

في أوروبا، حيث لا تحتاج إسرائيل إلى مساعدات إنمائية، تعمل "ماشاف" على توسيع شبكة علاقاتها عبر برامج الابتكار العلمي والتعاون مع الاتحاد الأوروبي في مجالات التكنولوجيا الخضراء والمياه والطاقة المتجددة. وهنا يتحول الدور الاستخباراتي من جمع المعلومات الميدانية إلى التأثير في الخطاب الأكاديمي والسياسي حول الشرق الأوسط. فمن خلال رعاية مؤتمرات أو مشاريع بحثية مشتركة، تسعى إسرائيل إلى إعادة صياغة صورتها كدولة "معرفة وسلام"، وتحييد الانتقادات الموجهة لسياساتها تجاه الفلسطينيين.

ثامنًا: التعاون مع المؤسسات الدولية.. الشرعية كغطاء

تحرص "ماشاف" على العمل ضمن إطار أممي يمنحها شرعية واسعة، فهي شريك رسمي في برامج الأمم المتحدة الإنمائية (UNDP)، ومنظمة الأغذية والزراعة (FAO)، والبنك الدولي، وقد فتحت لها هذه الشراكات أبواب الدول التي لا تربطها علاقات دبلوماسية مباشرة مع إسرائيل، وتمكّنها من العمل تحت راية "التنمية المستدامة".

لكنّ هذا التعاون يمنحها أيضًا وصولًا مباشرًا إلى قواعد بيانات ومشروعات حساسة تتعلق بالبنى التحتية، والمياه، والطاقة، وهي معلومات ذات قيمة أمنية واستراتيجية عالية. وفي بعض الحالات، يُعاد توظيف تلك المعارف لدعم شركات إسرائيلية خاصة تعمل في القطاعات نفسها، بما يحقق مزيجًا من الربح الاقتصادي والاستخبارات الناعمة.

نشاط مؤسسة ماشاف الإسرائيلية في الدول الإفريقية والأسيوية
نشاط مؤسسة ماشاف الإسرائيلية في الدول الإفريقية والأسيوية

تاسعًا: التنسيق مع الأجهزة الأمنية الإسرائيلية

رغم أن "ماشاف" تتبع رسميًا وزارة الخارجية، فإنّ تقارير إسرائيلية وغربية تؤكد وجود تنسيق وثيق بينها وبين جهاز الموساد ووحدات الاستخبارات العسكرية (أمان). وهذا التنسيق لا يعني بالضرورة تنفيذ عمليات تجسس مباشرة عبر موظفي ماشاف، لكنه يضمن تبادلًا مستمرًا للمعلومات وقراءة موحدة للبيئات الخارجية.

فالمؤسسة الدبلوماسية الإسرائيلية، كما يقول الباحث "آلون ليفين"، تنظر إلى التنمية كـ"أداة استراتيجية لتهيئة بيئات مواتية للنفوذ الأمني والاقتصادي"، وبالتالي، فإنّ كل مشروع تنموي يحمل في طياته وظيفة استخباراتية غير معلنة: جمع بيانات، وبناء شبكة علاقات، أو حتى اختبار ردود فعل المجتمع المحلي تجاه إسرائيل.

نشاط مؤسسة ماشاف الإسرائيلية في الدول الإفريقية والأسيوية
نشاط مؤسسة ماشاف الإسرائيلية في الدول الإفريقية والأسيوية

عاشرًا: استراتيجيات التأثير وبناء الصورة

تسعى "ماشاف" إلى هندسة الوعي الدولي عبر تقديم إسرائيل كـ"نموذج حضاري صغير" متفوّق علميًا وأخلاقيًا، وتستثمر في قصص النجاح الزراعية، وفي سردية "الابتكار الإنساني"، لتغطي على واقع الاحتلال والتمييز في الداخل الفلسطيني، كما تستخدم وسائل الإعلام الدولية لتمجيد خريجي برامجها في إفريقيا وآسيا، باعتبارهم "قادة التغيير"، ما يُكسبها تعاطفًا في الأوساط الأكاديمية والدبلوماسية، ومن ثم هذه العملية تشكّل جوهر الاستخبارات الناعمة: السيطرة على الصورة، وتشكيل الإدراك، وصناعة بيئة فكرية متقبّلة للوجود الإسرائيلي.

 

نشاط مؤسسة ماشاف الإسرائيلية في الدول الإفريقية والأسيوية
نشاط مؤسسة ماشاف الإسرائيلية في الدول الإفريقية والأسيوية

الحادي عشر: أبعاد جديدة بعد "اتفاقات إبراهام"

مع موجة التطبيع العربي الأخيرة، اكتسبت "ماشاف" دورًا جديدًا يتمثل في تسويق الخبرة الإسرائيلية في التنمية للدول العربية، فقد وقّعت اتفاقيات تعاون مع الإمارات والبحرين والمغرب، لتقديم برامج في الزراعة والمياه والطاقة المتجددة، ورغم الطابع الاقتصادي المعلن، فإنّ هذه المشاريع تتيح لإسرائيل الوصول إلى معلومات دقيقة عن البنية الزراعية والمائية العربية، وإدماج خبرائها في مؤسسات حساسة. كما تُستخدم لترويج نموذج "السلام عبر التنمية"، وهو ما يمنحها وظيفة سياسية في تطبيع الوعي العربي مع فكرة التعاون الإسرائيلي.

الثاني عشر: الانتقادات والمخاطر

تواجه "ماشاف" انتقادات واسعة من منظمات حقوقية وأكاديميين غربيين يرون أنها تمارس دبلوماسية استعمارية جديدة تتستر بعباءة المساعدة، ويُخشى أن تتحول برامجها إلى أدوات للاختراق السيبراني والاقتصادي في الدول الضعيفة البنية التنظيمية، خصوصًا في أفريقيا وآسيا.كما أن طابعها "المدني" يجعلها خارج نطاق الرقابة العسكرية، ما يمنحها هامشًا واسعًا للتحرك.

في المقابل، تحاول إسرائيل نفي أي دور استخباراتي مباشر لماشاف، مؤكدة أنها تعمل بشفافية كاملة وبالتعاون مع الأمم المتحدة. لكنّ الوقائع الميدانية والمخرجات السياسية لتلك الأنشطة تشير إلى أن الحدود بين التنمية والاستخبارات في الحالة الإسرائيلية باتت شبه منعدمة.

نشاط مؤسسة ماشاف الإسرائيلية في الدول الإفريقية والأسيوية
نشاط مؤسسة ماشاف الإسرائيلية في الدول الإفريقية والأسيوية

ختامًا:

يمكن القول إنّ وكالة "ماشاف" تمثل النموذج الأكمل للدبلوماسية الاستخباراتية الناعمة في القرن الحادي والعشرين. فهي لا تجمع المعلومات فقط، بل تبني شبكات نفوذ طويلة الأمد تُمكّن إسرائيل من التغلغل في بيئات سياسية واقتصادية واجتماعية متعددة، وتعمل الوكالة وفق فلسفة إسرائيلية قديمة ترى أن "المعرفة قوة"، وأن السيطرة على المعلومات أخطر من السيطرة على الأرض.

بهذا المعنى، لا يمكن النظر إلى "ماشاف" كمؤسسة إنمائية محايدة، بل كأداة ضمن استراتيجية إسرائيلية شاملة لإعادة تشكيل صورتها وعلاقاتها في العالم، عبر الجمع بين العلم والسياسة، وبين التنمية والتجسس، وبين الإنسانية والمصلحة، وفق مفهوم استراتيجية "الاستخبارات الناعمة"، حيث يصبح الحقل والمختبر والجامعة والسفارة ساحات لتوسيع المجال الحيوي الإسرائيلي في العالم.

عمرو فاروق*

كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية، وقضايا الأمن الإقليمي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء