رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بين فقه المقاومة ومقتضيات السياسة: أزمة الهوية في مشروع حماس

حركة حماس -أرشيفية
حركة حماس -أرشيفية

في أعقاب موجات التصعيد المتكرّرة بين إسرائيل وقطاع غزة منذ أكتوبر 2023، وصل النقاش حول مستقبل حركة حماس إلى مفترق حاسم، في ظل مؤشرات توحي بتراجع تكتيكي، وقبول هدنة مؤقتة، وتخفيف خطاب العنف الظاهر، أو حتى استعداد مؤقت للتفاوض على هدنة طويلة الأمد. ومن جانب آخر، ترفض الحركة مبدئيًا فكرة نزع السلاح بوصفها شرطًا مسبقًا لأي تسوية سياسية. هذا التوتر الداخلي بين البراغماتية التكتيكية والمبدأ الأيديولوجي يرسم ملامح السيناريو المستقبلي لحماس وحكمها في غزة.

أولًا: عناصر التراجع التكتيكي

في الفترة الأخيرة برزت مجموعة من المؤشرات التي تُقرأ كتراجع تكتيكي لدى حماس؛ أبرزها القبول بهدنات مؤقتة وتبادل الأسرى خلال الجولات التفاوضية والمدّ والجزر مع الوسطاء (مصر، قطر، والولايات المتحدة). وقد أبدت حماس مرونة في قبول ترتيبات التهدئة المؤقتة مقابل فتح المعابر، ونقل المساعدات، وإطلاق سراح الأسرى والجثامين.

تُفسَّر هذه المرونة في إطار التراجع التكتيكي الهادف إلى إعادة بناء القدرة، فضلًا عن التخفيف الظاهري للسلوك العسكري في بعض فترات الهدوء، وانخفاض العمليات الهجومية المنظمة ضد العمق الإسرائيلي، التي تحولت في بعض الأحيان إلى أعمال استعراض لخلق نفوذ محلي داخل غزة.

ما يعني أن لدى الحركة رغبة في تجنّب التدمير الذاتي الكامل خلال الأزمة الأخيرة. وبالتالي، تشكّل هذه المؤشرات تراجعًا تكتيكيًا بمعنى تعديلات في السلوك، لكنها لا تمثّل تحوّلًا أيديولوجيًا في جوهر الحركة.

قيادات حماس في مفاوضات شرم الشيخ
قيادات حماس في مفاوضات شرم الشيخ

ثانيًا: لماذا ترفض حماس نزع السلاح؟

تُعدّ حيازة السلاح مصدرًا للشرعية السياسية لدى فصائل المقاومة، ومن ثمّ يُنظر إلى التخلّي عن السلاح داخل المجتمع الغزّاوي على أنه تنازل عن حق الدفاع، ما يعرّض قيادة الحركة لأزمة شرعية داخلية.

ويُشار إلى أن سلاح حماس ليس فقط وسيلة للهجوم على إسرائيل، بل يمثل كذلك آلية للسيطرة على الداخل الغزّاوي - من العائلات والقبائل وغيرهم - ومن ثم فإن تسليم السلاح يعني فقدان أدوات التحكم والسيطرة، ما قد يُستخدم لتفكيك نفوذ الحركة لصالح قوى محلية مضادة أو ميليشيات عاملة لصالح الكيان الصهيوني.

كما أن الحركة لديها بلا شكّ مخاوف من "الفراغ الأمني السياسي"، حتى في ظل الضمانات الدولية لنزع السلاح، إذ تضع أمامها التجارب التاريخية لتفكيك الأذرع المسلحة في مناطق الصراع المختلفة، التي تنتهي غالبًا إلى إخضاع سياسي. فضلًا عن أن عملية النزع الشامل للسلاح تتطلّب آليات رقابية ووجود قوة بديلة قادرة على ضمان الأمن، وهذه القوى ستكون في الغالب مقبولة لإسرائيل أو لدول إقليمية، ما يمهّد لتقليص الحضور الفلسطيني الشعبي.

وعليه، تتزايد المؤشرات على أن الحركة تسير نحو نهاية تدريجية وتفكك سياسي وعسكري، بعد أن كانت قوة فاعلة على الأرض منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي.

ترامب ونتنياهو في الكنيست
ترامب ونتنياهو في الكنيست

ثالثًا: الضغوط الإقليمية والدولية

1-  إسرائيل والضغط الأمني:

الهدف الإسرائيلي المعلن واضح: تفكيك البنية العسكرية لحماس أو على الأقل إضعافها بما يمنع تكرار الهجمات الكبرى. وهذا الإصرار يُترجم في مطالبات بنزع السلاح كشرط أساسي للتسوية، إلى جانب خطاب سياسي وإعلامي واسع يروّج لفكرة "غياب حماس" كحل نهائي للخطر المستقبلي.

2- الوسطاء الإقليميون والدوليون:

مصر وقطر وتركيا معنية باستقرار غزة نسبيًا، لما تتحمّله من أعباء اللاجئين والأمن الحدودي، ولذلك تسعى هذه الدول إلى تهدئة تُبقي حماس كطرف إداري محلي مقابل التزامات محددة، مثل تقييد العمليات العسكرية، والتعاون الأمني الجزئي، وتجميد السلاح مؤقتًا. في المقابل، تُبدي الولايات المتحدة وأوروبا حساسية كبيرة تجاه احتمال تفكك أمني أو فراغ سياسي، ما يدفعها للبحث عن حلول وسط، مثل الهدنات الطويلة أو الرقابة المشروطة، دون نزع كامل للسلاح.

3- المحور الإيراني وحلفاؤه:

أي مسار لتفكيك سلاح حماس بالكامل دون ضمانات إقليمية يثير مخاوف داعميها، لأنهم قد يفقدون نفوذهم المباشر في الساحة الفلسطينية. وهذا يضع حماس في مأزق بين الحاجة إلى موارد الخارج والرغبة في الاستقلالية، مما يعزّز تمسكها برفض نزع السلاح الكامل باعتباره تهديدًا وجوديًا.

 

رابعًا: البنية الداخلية لحماس - متغيرات تحدد القرار

1- القيادة السياسية (المكتب السياسي):

تتحرك وفق حسابات بعيدة عن الميدان، مائلة إلى حلول تحفظ الحكم الإداري والوجود السياسي، وتُفضّل الصيغ التي تضمن إمكانية العودة إلى المواجهة متى تغيّرت الظروف.

2- الكتائب المسلحة والجناح العسكري:

تملك ثقافة مؤسسية مرتبطة بالقدرة القتالية، وأي نزع للسلاح سيواجه مقاومة تنظيمية قوية ما لم تُقدَّم ضمانات بديلة تحافظ على النفوذ، فضلًا عن أن القيادات الميدانية ترفض عادة أي تنازل يُفقدها شرعية المقاومة أمام قواعدها.

3- العائلات والقبائل والنخب المحلية:

يرى بعضهم أن استمرار الصراع يدمّر فرص التنمية ويزيد الاستقطاب، بينما يرى آخرون أن السلاح يمثل ضمانًا لمكانتهم وهيبتهم داخل المجتمع الغزّاوي. لذلك، فإن أي عملية نزع للسلاح تحتاج إلى توافق داخلي واسع، أو فرض خارجي قد يشعل صراعًا داخليًا واسع النطاق.

الرئيس السيسي ورؤساء دول العالم خلال اتفاقية السلام بشرم الشيخ
الرئيس السيسي ورؤساء دول العالم خلال اتفاقية السلام بشرم الشيخ

خامسًا: السيناريوهات المستقبلية المحتملة

السيناريو الأول:

هدنة طويلة الأمد مع احتفاظ حماس بسلاحها ضمنيًا، مقابل فتح المعابر وإعادة الإعمار، مع توظيف بعض العناصر الأمنية تحت إشراف محدود، بحيث يحتفظ السلاح بدور دفاعي. هذا السيناريو يحافظ على توازن بين الدورين السياسي والعسكري للحركة.

السيناريو الثاني:

نزع جزئي لأسلحة ثقيلة محددة وتسليمها لقوات أممية أو محلية مقابل ترتيبات سياسية مرحلية، تتضمن تراجع حماس إداريًا لصالح حكومة مدعومة دوليًا. يواجه هذا السيناريو رفضًا شديدًا من الفصائل المسلحة، خاصة كتائب القسام.

السيناريو الثالث:

فرض نزع السلاح بالقوة أو تفكيك الحركة بالكامل، ما قد يولّد مقاومة عنيفة ويؤدي إلى انتشار فصائل متطرفة جديدة، وربما حرب أهلية داخل غزة، تدفع القطاع إلى دوامة عنف طويلة الأمد وعدم استقرار إقليمي.

سادسًا: مؤشرات يجب مراقبتها

أولى هذه المؤشرات مرتبط بموقف الوسطاء مثل مصر، قطر، الولايات المتحدة، خاصة أن أي تحول في نهجهم نحو تقبل وجود حماس كحكم محلي، أو نحو التشدد على نزع السلاح سيغير المشهد، بينما ثانيها يتمثل في توازن القوى داخل الحركات المسلحة الأخرى داخل قطاع غزة، مثل قوة الفصائل السلفية أو المتطرفة التي يمكن أن تؤدي إلى صراع على الشرعية إذا اعتُبرت حماس ضعيفة، وثالثها مستوى إعادة الإعمار والضغوط الإنسانية، من خلال التحسن الاقتصادي  الذي قد يؤدي بدوره إلى إضعاف رواسب الدعم العاطفي للمقاومة المسلحة، وتفكيك حواضنها الشعبية مقارنة بما تعرض له أهالي القطاع من تدمير وإبادة جراء عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023، ورابع هذه يتمثل في التدخلات الإقليمية مثل إيران، وتركيا، وقطر، فيام يخص خفض الدعم المالي واللوجيستي للحركة، مما يؤثر إلى موقفها وقدرتها على المستوى السياسي والعسكري.

سابعًا: التكيّف السياسي

تُظهر حماس قدرة على التكيّف، لكنها غير مستعدة للاستسلام. ففكرها التنظيمي يجعلها متمسكة بأدواتها القتالية حتى لو قبلت بالتحول إلى سلطة مدنية. كما أن نزع السلاح الكامل غير واقعي دون حل سياسي شامل يضمن لها دورًا مستقبليًا في الحكم ويؤمّن وجودها.

 

ختامًا:

لن يُحسم مستقبل حماس بمطالبات خارجية أحادية تطالب بنزع السلاح، بل عبر تفاهمات معقدة تمزج بين الضمانات السياسية والاقتصادية والآليات الأمنية القابلة للتطبيق. ومن ثم التراجع التكتيكي الذي أبدته الحركة في قبول الهدنة هو مراوغة سياسية لإعادة بناء بنيتها، لا تراجعًا عن مرجعيتها الفكرية أو نزعتها المسلحة التي منحتها شرعية المقاومة.

لذلك، تبقى مقاربة الحل مرهونة بموازنة دقيقة تجمع بين الضغط الأمني والحوافز السياسية والاقتصادية، مع ضمانات تحول دون نشوء فراغ جديد أكثر تطرفًا. وعليه، سيظل مستقبل حماس يتأرجح بين التراجع التكتيكي لاستعادة القدرة والرفض القاطع لنزع السلاح.

عمرو فاروق*

كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية، وقضايا الأمن الإقليمي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء