بين الإعمار ونزع السلاح.. هدنة غزة على صفيح ساخن
مع دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، تدخل غزة مرحلة جديدة معقّدة تتجاوز التهدئة العسكرية نحو استحقاقات سياسية وأمنية وإنسانية شديدة الحساسية. ورغم أن الاتفاق أنهى حربًا مدمّرة استمرت قرابة عامين، فإن الوضع الراهن لا يبشّر بانفراج سريع، بل يفتح على مجموعة من الأزمات المركّبة التي تهدّد استقرار القطاع وتضع الفلسطينيين أمام اختبارات حقيقية.
الاتفاق الذي جرى توقيعه في قمة شرم الشيخ يمثل إطارًا عامًا، لكنه لم يحسم الكثير من تفاصيل التنفيذ، خاصة فيما يتعلق بالمرحلة الثانية، التي تتضمن ترتيبات حساسة مثل إعادة الإعمار، ونشر قوة دولية، ونزع السلاح. هذا الوضع يجعل التهدئة مرهونة بالتزام الأطراف، وبتفاعل المجتمع الدولي مع الضمانات المطلوبة.
وقد برزت مؤشرات خطيرة على الأرض خلال الأيام الماضية، تمثّلت في اشتباكات بين مسلحين تابعين لحركة حماس وعائلات نافذة في غزة، مثل عائلة دغمش. هذا الاقتتال ليس مجرد خلافات عائلية، بل يعكس توترًا متصاعدًا بين فصائل مسلحة ترى في مرحلة ما بعد الحرب تهديدًا مباشرًا لمصالحها ونفوذها. استمرار هذه الاشتباكات يُنذر بانزلاق نحو حرب أهلية مصغّرة قد تُفجّر الوضع الأمني برمّته.
تسعى حماس لتكريس سيطرتها على غزة بعد الحرب عبر الانتشار المسلح في الشوارع بحجة فرض الأمن، ما يزيد من التوتر الشعبي. كما أن قيام الحركة بتسليم جثث رهائن دون إعلان هويتهم يعكس حرجًا سياسيًا داخليًا ودوليًا، إذ تُعيد هذه الخطوة الجدل حول طريقة إدارة ملف الأسرى والرهائن، ومدى التزام الحركة بشروط الاتفاق. هذا الملف يشكّل أيضًا نقطة توتر مع الجانب الإسرائيلي، ويمكن أن يُستغل ذريعة لأي تصعيد مستقبلي.

إلى جانب ذلك، تبرز خطورة وجود مجموعات مسلحة داخل غزة تُتهم بارتباطها بإسرائيل، ما يهدد بتعقيد المشهد الأمني ويصعّب مهمة السلطة أو القوى الدولية المفترض أن تُشرف على المرحلة المقبلة.
أما ملف نزع السلاح، فهو الأشد حساسية لأنه يمس جوهر المقاومة وسلاحها. في المقابل، فإن استمرار الفوضى الأمنية وسقوط المدنيين قد يدفع الغزيين للتفكير في الخروج من القطاع، وبذلك نكون قد انتقلنا من مرحلة "الهجرة القسرية" التي فشل الاحتلال في فرضها، إلى مرحلة "الهجرة الطوعية" بحثًا عن النجاة والأمان.
وفي ملف الإعمار، المشروط دوليًا بتحقيق استقرار سياسي وأمني، فإن أي تعثّر في التنفيذ أو تحويله إلى ورقة ضغط وربطه بملف نزع السلاح سيؤدي إلى تفاقم الأوضاع. كما أن الاحتياجات الهائلة في غزة تتطلب إدارة شفافة وتوزيعًا عادلًا للمساعدات، وإلا فإن الاحتجاجات الشعبية قد تعود من جديد.
ومنذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، لم تلتزم إسرائيل بشكل كامل ببنوده، إذ سُجّلت عدة خروقات ميدانية في مناطق متفرقة من قطاع غزة، أبرزها القصف المحدود الذي استهدف مواقع في مدينتَي غزة ورفح، ما أدى إلى استشهاد عدد من المدنيين، بينهم نساء وأطفال.

تأتي هذه الخروقات لتنسف الاتفاق وتُضعف من صدقيته لدى الشارع الفلسطيني الذي ما زال ينزف، ويشعر بأنه لا حماية حقيقية للمدنيين. سياسيًا، تحاول حكومة نتنياهو استخدام هذه الانتهاكات كرسائل داخلية بأنها لم تتنازل، وكأداة للضغط على حماس والفصائل في ملفات لاحقة، خاصة ملف الأسرى. غير أن هذه الخروقات قد تُفجّر الوضع برمّته إذا لم يتم ضبطها دوليًا، ما يجعل من الضمانات الدولية والإقليمية، خصوصًا الدور المصري، ضرورة حتمية لتثبيت الهدنة ومحاسبة أي طرف يخرق الاتفاق.
إن استمرار الانتهاكات الإسرائيلية يهدد بتقويض كل ما تم إنجازه في شرم الشيخ، ويزيد من التوتر الداخلي في غزة، ويضع الأطراف الدولية أمام مسؤولية حقيقية لحماية الاتفاق.
غزة الآن على مفترق طرق: ما بين تثبيت الهدنة وتفكيك الألغام الداخلية التي قد تنفجر في أي لحظة. ما بعد الحرب ليس نهاية المعاناة، بل اختبار حقيقي لكل الأطراف الفلسطينية والإقليمية والدولية. فإما مسار سياسي يراكم المكاسب ويفتح أفقًا لدولة فلسطينية، أو مرحلة انتقالية تعمّق الانقسام وتعيد إشعال النار تحت الرماد.



