رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

أبطال الظل في نصر أكتوبر.. الرفاعي والدالي أساطير المجموعة 39 (4)

محمد رفعت
محمد رفعت

في قلب تاريخ العسكرية المصرية، تبقى "المجموعة 39 قتال" واحدة من أجرأ وأشرف صفحات المقاومة والفداء في سجل الوطن، مجموعة ولدت من رحم الصاعقة والمخابرات الحربية لتنفذ ما يشبه المستحيل خلف خطوط العدو، يقودها البطل الشهيد العقيد إبراهيم الرفاعي، وتضم صفوفها كوكبة من الرجال الذين آمنوا أن الوطن لا يُحرر بالكلمات، بل بالدم والعرق، ومن بينهم الرائد الشهيد عصام الدالي، أحد ألمع المقاتلين الذين خطّوا ببطولتهم تاريخًا من نور لا يبهت مع الزمن.
 

تشكلت المجموعة 39 قتال في أعقاب نكسة يونيو 1967، بتوجيه من القيادة العامة للقوات المسلحة، لتكون ذراعًا ضاربة تنفذ العمليات النوعية في عمق سيناء، وترفع الروح المعنوية للشعب المصري والجيش في آن واحد.


ضمت المجموعة ضباطًا وصف ضباط من قوات الصاعقة والمخابرات البحرية والمظلات، خضعوا لتدريبات قاسية على القتال خلف خطوط العدو، والكمائن، والاقتحام البحري، والاغارة المفاجئة، وكان إبراهيم الرفاعي هو العقل والقلب النابض لها، وشارك البطل الشهيد عصام الدالي في التخطيط والتنفيذ لمجموعة من أخطر العمليات التي شهدتها مرحلة حرب الاستنزاف.

منذ تأسيسها وحتى حرب أكتوبر، نفذت المجموعة 39 ما يزيد على 92 عملية قتال ناجحة، تنوعت بين ضرب مراكز القيادة الإسرائيلية، وتدمير الرادارات، وإغراق السفن، وتصفية قادة العدو الميدانيين. 


من أبرز تلك العمليات «عملية رأس العش» في يوليو 1967، التي أوقفت زحف القوات الإسرائيلية نحو مدينة بورفؤاد، وكانت أول رد عسكري مصري ناجح بعد النكسة، وأظهرت للعالم أن الجيش المصري لم يمت. 


ثم جاءت عملية «لسان التمساح» الأولى والثانية عامي 1969 و1970، ردًا على استشهاد الفريق عبد المنعم رياض، حين تسللت المجموعة بقيادة الرفاعي إلى الضفة الشرقية للقناة ودمرت موقع القيادة الإسرائيلية بالكامل، وأسرت عددًا من الجنود، وعادت دون خسائر تقريبًا، في واحدة من أنجح عمليات القوات الخاصة المصرية.


في خضم تلك العمليات، برز اسم الرائد عصام الدالي كأحد العقول اللامعة في العمل الفدائي، فقد امتلك شجاعة المبادرة، وبراعة التخطيط، وقدرة نادرة على العمل في الظروف المستحيلة ، تولى مهامًا خاصة في العمليات البحرية التي كانت تستهدف الموانئ الإسرائيلية، وكان له دور رئيسي في «عملية ميناء إيلات» في أبريل 1969، حين تولى قيادة مجموعة من الضفادع البشرية والمقاتلين عبر الأراضي الأردنية لتنفيذ هجوم صاروخي وبحري على الميناء، استُخدمت في العملية صواريخ من طراز «كاتيوشا» وألغام بحرية لتدمير أرصفة الميناء وسفن التموين العسكري، وتسببت في خسائر فادحة في الأرواح والمعدات داخل العمق الإسرائيلي، وكانت تلك العملية من أقوى الضربات التي تلقاها العدو خلال حرب الاستنزاف، إذ أربكت حساباته وأثبتت أن الذراع المصرية قادرة على الوصول إلى أي هدف في أي مكان.


شارك عصام الدالي أيضًا في سلسلة من عمليات نسف مواقع العدو على الضفة الشرقية لقناة السويس، من بينها عمليات تفجير السقالات والمرابط العسكرية التي كان يستخدمها الإسرائيليون في نقل المعدات والذخيرة، وأصيب أكثر من مرة لكنه أصر على مواصلة القتال. وفي نهاية أغسطس عام 1969، استُشهد أثناء تنفيذ إحدى تلك العمليات في منطقة «الكرنتينة» على الساحل الشرقي لخليج السويس، عندما انفجر أحد الألغام أثناء زرعه لتدمير موقع العدو، فارتقى شهيدًا في ساحة العز والفداء، وترك وراءه سيرة المقاتل الذي عاش شجاعًا ومات بكرامة.


أما قائده ورفيقه في الدرب إبراهيم الرفاعي، فظل يقود رجاله في عمليات متتابعة حتى حرب أكتوبر المجيدة، حين تولى قيادة المجموعات الخاصة التي عبرت القناة لتأمين رؤوس الكباري وضرب احتياطيات العدو.


نفذ الرفاعي ورجاله خلال أيام الحرب أكثر من 20 عملية نوعية، من بينها تدمير مستودعات الذخيرة الإسرائيلية في الدفرسوار، وقطع خطوط الإمداد، وتنفيذ الكمائن خلف خطوط العدو. وفي 19 أكتوبر 1973، وأثناء اشتباك عنيف قرب الإسماعيلية، أصيب الرفاعي بشظية أثناء محاولته إنقاذ أحد جنوده، واستُشهد بين رجاله الذين أدوا له التحية الأخيرة تحت النيران، ليظل اسمه علامة مضيئة في سجل البطولة المصرية.


لم تكن المجموعة 39 مجرد وحدة قتالية، بل كانت رمزًا للروح المصرية التي لا تعرف المستحيل ، ضمت في صفوفها ما يقرب من 120 مقاتلًا من أكفأ أبناء الوطن، منهم من استُشهد، ومنهم من واصل حياته بعد الحرب حاملًا ذكريات العبور والخطر والفخر ، ويُعد الرائد عصام الدالي أحد أبرز وجوه هذه المجموعة، ليس فقط لأنه شارك في عمليات كبرى مثل إيلات ورأس العش ولسان التمساح، بل لأنه كان من الذين أعادوا الثقة إلى المقاتل المصري في سنوات الانكسار، وأثبتوا أن الإرادة الصلبة والعقيدة الوطنية أقوى من أي سلاح .
 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء