رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

قمة واحدة و7 كنوز .. مكاسب اقتصادية مصرية من «شرم الشيخ للسلام»| تقرير خاص

قمة شرم الشيخ للسلام
قمة شرم الشيخ للسلام

في لحظة فارقة من تاريخ الشرق الأوسط، تتجه أنظار العالم إلى شرم الشيخ، حيث تعقد واحدة من أضخم القمم السياسية في العقد الأخير، تجمع قادة وزعماء من القارات الخمس على أرض مصر، لكن خلف الطابع الدبلوماسي البراق، هناك بعد آخر أكثر عمقًا: الاقتصاد.

فالقمة التي تُنهي الحرب وتُعيد ترتيب المشهد الإقليمي، قد تكون بوابة مصر نحو سبعة كنوز اقتصادية تبدأ من انتعاش قناة السويس، مرورًا بعودة السياحة والاستثمار الأجنبي، ووصولًا إلى دور القاهرة في إعادة إعمار غزة وتحولها إلى مركز إقليمي للطاقة والتجارة.

قمة واحدة فقط.. لكنها كفيلة بأن تفتح لمصر أبواب مرحلة جديدة من الازدهار، إذا أحسن استثمار نتائجها سياسياً واقتصادياً.

قمة واحدة و7 كنوز

على مدار سنين من التوتر الإقليمي والدولي  جراء الحرب الروسية الأوكرانية وفيروس كورونا، ثم الحرب على غزة وتبعاته المتلاحقة في المنطقة، تأثرت مصر بشكل مباشر تراجعت حركة السفن عبر البحر الأحمر، وانخفضت الإيرادات الدولارية من قناة السويس، كما تقلصت حركة السياحة الوافدة، وترددت رؤوس الأموال الأجنبية في دخول السوق المصرية. 

ومع انعقاد قمة شرم الشيخ للسلام، التي تضم قادة أكثر من عشرين دولة، تبدو القاهرة في موقع مهيأ لتكون المستفيد الأكبر من عودة الهدوء النسبي والاستقرار إلى المنطقة.

مكاسب اقتصادية تجنيها مصر من «شرم الشيخ للسلام»

أولاً: انتعاش قناة السويس وعودة سلامة الشحن

من أبرز المكاسب الفورية للسلام عودة حركة الملاحة في البحر الأحمر إلى طبيعتها. فخلال فترات الحرب، ارتفعت أقساط التأمين على السفن وتجنبت العديد منها المرور عبر قناة السويس، ما قلّص العوائد المصرية. 

ومع التهدئة وعودة الاستقرار، يُتوقع أن تعود القناة إلى تحقيق مستوياتها السابقة من الإيرادات. انخفاض تكاليف التأمين سيُترجم مباشرة في تقليل أسعار الاستيراد والتصدير، ما ينعكس إيجابًا على الأسعار المحلية والتضخم.

ثانيًا: استثمارات إعادة إعمار غزة

الملف الأبرز بعد القمة هو إعادة إعمار غزةـ إذ ستكون مصر المحور اللوجستي الأساسي لأي عملية إعمار، بحكم موقعها ودورها السياسي، وكانت قد طرحت خطة إعادة إعمار بقيمة تقديرية تتجاوز 53 مليار دولار على مراحل، ويمكن للشركات المصرية في مجالات البناء والمقاولات والكهرباء أن تستحوذ على جزء معتبر منها، مما يمنح القاهرة فقط مكاسب اقتصادية مباشرة، بل سيعزز صورتها كـ«مهندس تنموي» في الإقليم.

إعادة إعمار غزة
إعادة إعمار غزة

ثالثًا: تدفقات سياحية واستثمارية جديدة

انعقاد القمة بهذا الحجم في شرم الشيخ يرسل للعالم رسالة ثقة وأمان، فمشاركة رؤساء الدول الكبرى، واهتمام الإعلام الدولي، يمثلان دعاية مجانية للسياحة المصرية، خصوصًا في الموسم الشتوي. كما أن استقرار المنطقة يُشجع رؤوس الأموال الأجنبية على العودة للاستثمار في مصر باعتبارها البوابة الأكثر أمانًا في الشرق الأوسط. قطاعات مثل الفنادق، الطيران، والخدمات اللوجستية ستشهد انتعاشًا ملموسًا.

رابعًا: تحسين التصنيف الائتماني وخفض كلفة الاقتراض

كل درجة من درجات الاستقرار السياسي والأمني تنعكس إيجابًا على نظرة المؤسسات المالية العالمية. فكلما قلت المخاطر، تراجعت كلفة التمويل، وفي هذا السياق، يأتي رفع وكالة ستاندرد آند بورز تصنيف مصر من B- إلى B كإشارة واضحة لزيادة الثقة في الاقتصاد المصري. هذا التطور يعني إمكانية الاقتراض بتكلفة أقل، سواء من الأسواق الدولية أو عبر السندات المحلية.

فيتش" تثبت تصنيف مصر الائتماني وتكشف توقعاتها للاقتصاد
التصنيف الائتماني

خامسًا: تنشيط الصناعة والتصدير

ستفتح مشاريع الإعمار في غزة والمنطقة أسواقًا جديدة للمنتجات المصرية من الحديد والأسمنت إلى الأجهزة الكهربائية ومواد البناء، كما أن استقرار الطرق البرية والمعابر الحدودية يمكن أن يعيد تنشيط حركة التبادل التجاري البري من وإلى سيناء، وستكون الصناعات الوطنية الرابح الأكبر من هذا الطلب الإقليمي الجديد.

سادسًا: ترسيخ الدور المصري كوسيط اقتصادي ودبلوماسي

القاهرة لم تعد فقط منصة للتفاوض، بل تتحول إلى مركز لإدارة السلام الاقتصادي في المنطقة. هذا يمنحها قدرة على جذب تمويلات دولية من البنك الدولي والبنك الأوروبي للاستثمار، إضافة إلى شراكات تنموية مع الاتحاد الأوروبي ودول الخليج، وهو ما يعزز الدور المصري في الوساطة موقعها كقوة إقليمية تجمع بين الاستقرار السياسي والكفاءة التنفيذية.

سابعًا: الطاقة والربط الإقليمي

مع الهدوء النسبي، يمكن تسريع المشاريع الإقليمية في مجال الطاقة والربط الكهربائي، سواء مع أوروبا أو مع دول الجوار العربية. مصر تمتلك بالفعل بنية تحتية قوية في مجالات الغاز والطاقة المتجددة، ويمكن أن تتحول إلى مركز إقليمي لتصدير الكهرباء والغاز، مستفيدة من التمويل والخبرات التي توفرها الدول المشاركة في القمة.

التحديات والمخاطر

لكن الصورة ليست خالية من المخاطر، فاستدامة السلام تظل رهينة الإرادة السياسية للأطراف، وتمويل الإعمار يتطلب ضمانات دولية حقيقية. كما أن أي تعثر إداري أو أمني قد يعرقل تنفيذ المشاريع. التحدي الأكبر هو تحويل التعهدات السياسية إلى مشاريع اقتصادية واقعية، بإدارة رشيدة وشفافية عالية.

غزة
غزة

الاستقرار السياسي يعيد البوصلة إلى باب المندب وقناة السويس

في هذا السياق، يؤكد الدكتور علي الإدريسي، الخبير الاقتصادي، أن وقف الحرب في غزة يمثل نقطة تحول مهمة لحركة التجارة العالمية، مشيرًا إلى أن استقرار الأوضاع في المنطقة سينعكس بشكل مباشر على توازن الملاحة الدولية في الممرات الحيوية مثل باب المندب وقناة السويس، بعد شهور من الاضطراب دفعت العديد من السفن إلى تغيير مساراتها.

وأوضح الإدريسي، في تصريحات خاصة لـ «إيجبتك»، أن بعض السفن بدأت بالفعل العودة تدريجيًا للعبور عبر قناة السويس، وهي خطوة مبكرة نحو استعادة القناة حصتها الطبيعية من حركة التجارة العالمية. لافتًا إلى أن إيرادات القناة تراجعت بنحو 6 مليارات دولار مقارنة بعام الذروة الذي تجاوزت فيه 9 مليارات دولار، ما يجعل عودة الاستقرار السياسي أحد المفاتيح الرئيسية لتعويض هذا الفاقد.

وأضاف أن تحسن الملاحة سيُعزّز تدفقات النقد الأجنبي إلى مصر، إلى جانب آثاره غير المباشرة على الاقتصاد العالمي، أبرزها انخفاض تكاليف الشحن والتأمين، وهو ما ينعكس في تراجع أسعار السلع وتباطؤ معدلات التضخم.

وأشار الإدريسي إلى أن هبوط أسعار النفط إلى نحو 60 دولارًا للبرميل بعد أن كانت تقترب من 74 دولارًا يُمثل مكسبًا مزدوجًا لمصر باعتبارها من الدول المستوردة للطاقة، إذ يسهم في تخفيف الضغط على الموازنة وفاتورة الواردات.

بالتأكيد، قمة شرم الشيخ للسلام ليست مجرد حدث سياسي عابر، بل لحظة اقتصادية فارقة يمكن أن تعيد رسم خريطة الفرص لمصر، فكل مسار للسلام في المنطقة يحمل في طياته استقرارًا، وكل استقرار يفتح بابًا للنمو، وإذا ما استطاعت مصر أن توظف نتائج القمة بذكاء، فإنها قد تربح من السلام أضعاف ما خسرته في زمن الحرب.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء