الإخوان بعد هدنة غزة: صراع بين الأجنحة وسقوط في متاهة الانقسام
ثلاث بيانات منفصلة أصدرتها الجبهات الثلاث المنقسمة لجماعة الإخوان بشأن وقف الحرب على قطاع غزة اختلفت في لغتها وأهدافها، وبرهنت من جديد على أن الانقسام الهيكلي الذي ضرب جماعة الإخوان منذ سنوات طويلة، وتفاقم أواخر العام 2020، بعد القبض على القائم بأعمال مرشد الجماعة (الأسبق) محمود عزت.
واللافت في البيانات الجديدة أن واحدًا منها وهو الصادر عن الأمانة العامة لجماعة الإخوان- تيار التغيير، المنبثقة عن جبهة المكتب العام، هاجم مصر تصريحًا وأنكر جهودها الحثيثة في التوصل لوقف إطلاق النار في قطاع غزة ووقف الحرب بعد سنتين كاملتين استغرقتهما، منذ الـ7 من أكتوبر 2023، والآخر وهو الصادر عن جبهة صلاح عبد الحق، المعروفة إعلاميًا بجبهة لندن، شكر مصر لدورها في الوصول لاتفاق وقف الحرب، أما ثالث البيانات والصادر عن الجبهة الأخيرة المسماة إعلاميًا بجبهة إسطنبول/ جبهة محمود حسين، فانتقد مصر ودورها تلميحًا لا تصريحًا، وهو أمر لا تتوقف عنه الجماعة، المدرجة على قوائم الإرهاب في عدد من الدول، طوال السنوات الأخيرة.
وتكشف هذه البيانات، جانب من المشكلة التنظيمية للجماعة، فمحاولة تشويه الدور المصري ليس أمرًا جديدًا على الإطلاق، إنما التباين في المواقف داخل الجبهات الإخوانية نفسها، وتصريح أحد القائمين بأعمال المرشد (صلاح عبد الحق) بشكر مصر لدورها في التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، يعكس تطوير النهج الإخواني البراجماتي والسعي لإدراك أهداف سياسية عبر تغيير اللغة الخطابية لواحدة من جبهات الجماعة.
براجماتية لا تخفيها البيانات
ففي بيانه الصادر عن جبهة لندن، قال صلاح عبد الحق، القائم بأعمال مرشد الإخوان في الجبهة، إن جماعته: "تثمن الجهود الصادقة التي بذلتها: مصر، وقطر، وتركيا، والولايات المتحدة الأمريكية، للوصول إلى هذا الاتفاق، من أجل إحلال السلام، وتدارك الأزمة الإنسانية غير المسبوقة، وتبادل الأسرى، وإنهاء عامين من الحرب الضروس. وتدعو الجماعة إلى العمل على ضمان تثبيت الاتفاق، والمضيّ قدمًا في تنفيذ استحقاقاته بما فيها الانسحاب الكامل من قطاع غزة"، بحسب تعبيره.

ودعا القائم بأعمال مرشد الإخوان- جبهة لندن الدول العربية والإسلامية للقيام بدور رسمي في تدارك الأزمة الإنسانية في قطاع غزة، وتقديم الإغاثة العاجلة لأهل غزة، بعد إزالة العوائق لوصول المساعدات. وكذلك فتح المجال للمؤسسات الشعبية ومنظمات المجتمع المدني لتنظيم جهود الإغاثة، وجمع وتوصيل المساعدات، وفق نص البيان.
ويعكس هذا البيان، مناورة جديدة من جبهة صلاح عبد الحق/ جبهة لندن، فالجبهة التي سبق أن طرحت فكرة المصالحة مع الدولة المصرية مقابل تعهدها بوقف العمل السياسي لسنوات على أن يتم السماح لها بالعمل المجتمعي وإطلاق سراح سجناء الجماعة، وهذه المبادرة تحدث عنها رئيس المكتب السياسي لجماعة الإخوان (السابق) حلمي الجزار الذي أعلن في لقاء مع فضائية بريطانية شهيرة أن الجماعة عرضت مبادرة للمصالحة وأنها ترغب في الوصول إلى تفاهم أو صفقة في إطارها، وهو الأمر الذي لم ترد عليه الدولة المصرية رسميًا، واكتفى الرئيس عبد الفتاح السيسي، في خطابٍ له، بالتأكيد على رفض فكرة المصالحة مع من تورطوا في محاولة الإضرار بالوطن.
وتحاول جبهة صلاح عبد الحق من جديد أن تظهر بمظهر المتودد للدولة المصرية وأن تقول إن نهجها تغير، وهذا الأمر لا يقتصر على البيان الصادر عن أعلى قيادة تنظيمية فيها، إنما صاحبه تصريح آخر من حلمي الجزار، صاحب المبادرة المرفوضة، في بودكاست جديد أنتجته الجماعة، ذكر فيها أن الجماعة كانت لديها تفاهمات مع نظام الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، وأنها لا ترى حتمية الصدام مع الدولة المصرية وتتمنى الرجوع لهذا الوضع، حسب قوله.
وهذا الحديث عن العودة للتفاهمات السابقة التي عملت وفقها الجماعة في فترة الرئيس الأسبق حسني مبارك ليست جديدة وحاولت الإخوان ببراجماتية المناورة والعمل على فتح أي مجال لذلك، غير أنها لم تفلح بسبب الموقف الحاسم الذي تتبناه الدولة المصرية.
الصراع الداخلي في الإخوان يحكم
ولا تنفصل المناورة الإخوانية التي تقوم بها جبهة صلاح عبد الحق/ جبهة لندن عن واقع الجماعة، فالجبهة تريد أن تقول لأتباعها إن لديها ما تقدمه من أجل الخروج بالجماعة من حالة التكلس التي تعيشها، وأنها في حال نجحت في إبرام اتفاق أو صفقة تسمح لها بالعودة للعمل المجتمعي دون العمل السياسي في مصر وإطلاق سراح السجناء فستكون حققت إنجازًا كبيرًا بعد سنوات الفشل، وهذا هو جوهر ما دعت له جبهة صلاح عبد الحق منذ احتدام الشقاق الإخواني منذ أواخر 2020.
وفي ضوء هذا، تفهم المبادرة أو المناورة من جبهة لندن، فاختيارها هذا المسار مرتبط بشكل وثيق بالصراع التنظيمي الداخلي ورغبتها في كسب تأييد وولاء ما تبقى من الصف الإخواني، خاصةً أن الجبهة لا حضور لها يُذكر على مستوى ما تبقى من التنظيم الإخواني داخل مصر، ويمكن لأي إنجاز تحققه أن يضيف لها رصيدًا في أوساط أتباع الجماعة.

أما جبهة "المكتب العام" التي تُسمي نفسها بـ"تيار التغيير" والمنبثق عنها "الأمانة العامة لجماعة الإخوان" كجهة تنفيذية فهي تعيش في أزمة أعقد، وهذه الأزمة مرتبطة بانفصال كثير من كوادر الجماعة عنها بما في ذلك الرمزين الأبرز لها يحيى موسى، المدان في عدد من قضايا الحراك المسلح داخل مصر، ومحمد منتصر، المتحدث الإعلامي باسم الجماعة في فترة رئاسة محمد كمال للجنة الإدارية العليا الأولى، وتحولهم لما يُعرف بمشروع "ميدان" الذي يكثف نشاطه عبر وسائل التواصل الاجتماعي ويقدم نفسه لداعميه باعتباره مشروعًا بديلا لحكم مصر، وفق تعبير القائمين عليه.
وأمام حالة الانفضاض عنها، نحت الجماعة منحى أكثر راديكالية على مستوى اللغة والخطاب الدعائي وأصبحت تميل لإصدار بيانات أشبه ببيانات التنظيمات الجهادية التقليدية مثل تنظيم "القاعدة"، وهي مع ذلك تتقارب إلى حد ما مع ما يُعرف بمحور المقاومة الإيراني، وهذا يظهر من بيانتها السابقة التي دعت فيها لشن هجمات إرهابية حول العالم ضد الولايات المتحدة وإسرائيل بعد حملات القصف التي استهدفت صنعاء اليمنية، وهذه البيانات أشبه ببيانات تنظيم القاعدة التي دأب على إصدارها لفترة طويلة.
وفي بيانها بشأن اتفاق وقف الحرب في غزة، دعت الأمانة العامة لجماعة الإخوان- تيار التغيير للعمل على إسقاط الدول العربية من أجلة نصرة غزة، وزعم البيان أن مصر تآمرت على القطاع، متجاهلًا حقيقة الدور المصري الذي حال دون تصفية القضية الفلسطينية في أخطر أزمة واجهتها منذ عام 1948.
وتحاول جبهة المكتب العام استقطاب الأجيال الأحدث داخل الإخوان لا سيما الشباب والمراهقين هؤلاء كانوا الفئة الأكثر حماسة للعمل المسلح والعنيف عند إقرار خطة الإنهاك والإرباك والحسم للعمل ضد الدولة المصرية ومحاولة إسقاطها كي تعود الإخوان للحكم، في أغسطس 2014، ومع ذلك فالجبهة تواجه أزمات حقيقية منها أزمات التمويل والتنظيم وانحسار الانتشار وغيرها من المشكلات، وتجد أن المهرب أمامها التركيز على انتقاد مصر وزيادة نبرة العداء تجاهها على أمل أن تصور نفسها باعتبارها الطرف الأكثر تمسكًا بنهج جماعة الإخوان، من منظورها، ولا يبدو أن هذا حقق إنجازًا فارقًا حتى الآن.

محاولة إمساك العصا من المنتصف
أما جبهة إسطنبول/ محمود حسين فدأبت على محاولة إمساك العصا من المنتصف وهذا يظهر في صياغة بياناتها الإعلامية عمومًا والأخير الخاص بوقف الحرب في غزة خصوصًا، فانتقدت مصر تلميحًا لا تصريحًا وأشادت بحماس كعادتها، وهذا لأنها تريد إظهار أنها الممثل الحقيقي المحافظ على ثوابت جماعة الإخوان، وأنها كذلك لا تقبل أي تقارب أو تودد للدولة المصرية باعتباره انحرافا عن النهج الإخواني الذي يقوم على المفاصلة مع القاهرة.
وهي مع هذا النهج تهاجم غريمتها الأبرز جبهة لندن/ صلاح عبد الحق وتصفها بأنها حالة انشقاقية عن الإخوان وتعتبر أن جبهة المكتب العام وأمانتها العامة مجموعة مارقة خرجت من الجماعة قبل فترة، وهذا صحيح جزئيًا، فمحمود حسين والقيادات التاريخية للجماعة هم من قادوا حملة فصل كوادر جبهة المكتب العام من الجماعة إبان أزمة الخلافات بين محمد كمال ومحمود عزت في 2015، وهي الأزمة التي أثبتت الأيام أن الجماعة لم تتجاوزها بشكل كلي حتى الآن.
ولذا جاء بيان جبهة إسطنبول/ محمود حسين بلغة وسط بين جبهتي المكتب العام ولندن، وتضمن إطلاق عبارات من قبيل أن الحرب كشفت الجميع حكامًا ومحكومين وأنها ابتلاءً لحقائق النفوس ومكامن القلوب، وفق قولها.
وتكشف النظرة المتفحصة لوضع جماعة الإخوان في اللحظة الحالية أن الحرب في غزة جاءت لتزيد الإخوان انقسامًا على انقساماتها، رغم وجود مبادرات طُرحت في فترة الحرب لإعادة توحيد الجماعة وإنهاء الانقسام بين جبهتاها، وجاءت البيانات الأخيرة بخصوص وقف الحرب في غزة لتؤكد أن هذه المبادرات فشلت وأن الانقسام داخل الجماعة سيتواصل وستسعى كل جبهة للفوز على الأخرى بمجموع النقاط التي تحاول كسبها من خلال المواقف المختلفة كحالة الموقف من نهاية حرب غزة تمامًا.



