من الخرطوم لـ الفاشر .. شبكة المرتزقة الكولومبيين تحرق السودان
في حديثه مع الجريدة الكولومبية "فاسيولا سيلا"، وتحت اسم مستعار "هيكتور"، أفصح المرتزق الكولومومبي عن دور قدامى العسكريين والمحاربين في الحرب في السودان، ودور بعض الشركات الأمنية والعسكرية الخاصة في استقدام وتدريب أفراد وأطفال تابعين للقوات شبة العسكرية السودانية "قوات الدعم السريع"، بل إن مهام المرتزقة الكولومبين، أمتد ليصل إلى المشاركة في ميدان القتال، والمشاركة في حصار مدينة "الفاشر" عاصمة ولاية "دارفور"، وما لبثت هذه الاخبار أن يتم تداولها، الا وقد أرسل رئيس الوزراء السوداني "كامل إدريس" برسالة باللغة الاسبانية للشعب الكولومبي، تدعوهم فيها للابتعاد عن المشاركة في الحرب وجرائم الإبادة التي تحدث في "الفاشر"، وبالفعل استجاب الرئيس الكولومبي لنداء "إدريس" ، وقد وصف الرئيس الكولومبي، "غوستافو بيترو" نشاط الشركات العسكرية والأمنية-مهام الارتزاق- بأنها "تجارة بالرجال تُحوّل إلى سلع للقتل"، وقد دعا الكولومبيون المشتركين في هذه الحرب إلى النأي بأنفسهم عنها، ويرصد هذا التقرير ظاهرة مشاركة المرتزقة الكولومبيين في الحرب الاهلية في السودان وذلك على النحو الآتي:

أولاً: ما هي الشركات الأمنية والعسكرية and Security Companies – PMSCs Private Military؟
وفقًا لتعريف الأمم المتحدة فهي: "شركات تجارية خاصة تُقدّم خدمات عسكرية أو أمنية، تشمل على سبيل المثال لا الحصر، الحماية المسلحة، صيانة وتشغيل أنظمة الأسلحة، تدريب القوات، أو تقديم الاستشارات العسكرية أو الأمنية، سواء داخل الدولة أو خارجها". وفيما يتعلق بالفرق بين الشركات الأمنية والمرتزقة، فالنوع الأول (PSC) تركز غالبًا على حماية وتأمين الأفراد والمنشآت، ولا تشارك مباشرة في القتال، أما النوع الثاني (PMC)تقدم خدمات قتالية أو تدريبية قريبة من مهام الجيوش أما المرتزقة فهم أفراد يقاتلون لحساب طرف مقابل المال، وبدون أي إطار قانوني أو وطني، لكن الحدود بين هذه الفئات أصبحت ضبابية، خصوصًا في النزاعات الحديثة مثل السودان أو اليمن.

ثانيًا: لماذا يشارك الكولومبيين في هذه الحرب
هناك عدة عوامل ذاتية وموضوعية يمكن أن تفسر مشاركة العسكريين والمحاربين القدامى في الحرب الأهلية بالسودان، فبالنسبة للعوامل الذاتية، يعتبر العسكريين الكولومبين أفراد مؤهلين يتمتعون بمستوى عالي من المهنية والاحترافية العسكرية، يرجع ذلك بسبب الصراع بين النظام الحاكم والحركة الثورية الكولومبية ، والأخيرة شأنها كشأن الجماعات المتمردة والتي تستخدم تكتيكات الكر والفرد وحروب العصابات، وهي التكتيكات التي تستخدم في الحرب منخفضة الكثافة، هذا بالإضافة الى اتقان استخدام الأسلحة الثقيلة، وبالتالي يمكن لميليشيات الدعم السريع الاستفادة من هذه الميزة، وبالإضافة الى ان نظام التجنيد نفسة والاحالة الى التقاعد يعتبر مهم، إذ فعليًا تتم إحالة العسكريين في السن الأربعين، ما يؤثر على نفسية الفرد العسكري خاصة فكرة فقدان المكانة والنفوذ وانخفاض الرواتب، كل هذا يشجع الفرد العسكري على البحث عن فرصة للعمل في مجالهم من جهة ومن جهة أخرى الاستفادة من خبراتهم القتالية في ميادين الصراع، وهذا لا يمنع أيضا الاستفادة من الفرص الاستثمارية التي يمكن ان يوفرها اقتصاد الحرب.
أما ما يخص العوامل الموضوعية، فهي التغلب على تحدي انخفاض عدد القوات المقاتلة، وتوفير الأسلحة والمعدات اللازمة، والقيام بالمهام الاستخباراتية وجمع المعلومات والامداد اللوجيستي، هذا فضلاً عن القيام بالمهام "القذرة" وهي الجرائم التي ترتكبها "المرتزقة" والتي يمكن اخفائها او عدم الاعتراف بها والتنصل منها مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، حيث يمكن للجهات التي تستعين بالشركات الأمنية والعسكرية والتي لا تخضع للقانون الدولي ولا يتم محاسبتها، ولا يوجد حتى الآن إطار قانوني دولي موحد ينظم عمل هذه الشركات.

ثالثًا: المرتزقة الكولومبيون من أوكرانيا الى السودان
خلال حديث "هيكتور" اعترف بأنه قد تعاقد مع إحدى الشركات الدولية التي تقدم الخدمات الأمنية والعسكرية، في البداية تعاقد على المشاركة في الحرب في أوكرانيا، لكن بعد ذلك قرر أن ينتقل إلى ميدان معارك أفضل من الحرب الأوكرانية خاصة مع استمرار روسيا وتوغلها داخل الأراضي الأوكرانية، وقد يتقاضى راتباً يصل إلى 2600 دولار شهريًا، لكن "هكتور" يقول إن معظم المجندين لم يكونوا يعلموا أن وجهتهم النهائية الحرب في السودان، ووفقًا تقديرات صحفية فإن عدد الكولومبيون يقدر بجوالي 300–380 تم إرسالهم على دفعات منذ أواخر 2024 وحتى 2025. وعلى أية حال، فقد تم اكتشاف وجود الكولمبيون بعد ان نجحت قوات الجيش في اسقاط طائرة تابعة لقوات الدعم السريع، وعلى متنها مجموعة منهم، وحينما تم الإعلان عن هذه الواقعة، فقد سارع الرئيس "بيترو" بإجراء تحقيقات هذه الواقعة.

رابعًا: مهام الكولومبيون في حرب السودان
وفقًا لتقارير ميدانية واستقصائية إلى أن المقاتلين الكولومبيين الذين جرى استقدامهم إلى السودان قد أدّوا أدوارًا متعددة ضمن صفوف قوات الدعم السريع (RSF)، تراوحت بين المهام القتالية المباشرة والأنشطة التدريبية والدعم اللوجستي. فبعضهم شارك في قيادة مجموعات ميدانية أثناء الهجمات في مناطق دارفور والخرطوم، بينما تولّى آخرون تدريب عناصر الدعم السريع على استخدام الأسلحة الحديثة، والتكتيكات العسكرية في المناطق الحضرية، وتنظيم الكمائن والدوريات. كما أسندت إلى عدد منهم مهام حراسة وتأمين منشآت استراتيجية ومستودعات للأسلحة والوقود.
أدّت مشاركة المقاتلين الكولومبيين إلى تفاقم حدة الصراع في السودان وإطالة أمد الحرب، إذ أسهم وجودهم في رفع القدرات القتالية لقوات الدعم السريع بفضل خبراتهم العسكرية السابقة في حرب العصابات ومكافحة التمرد. هذا التفوق الميداني زاد من وتيرة المواجهات في المدن الكبرى، وأدى إلى تصاعد الخسائر البشرية وتوسّع رقعة الدمار، خصوصًا في دارفور والخرطوم، وواقعيًا، تورط هؤلاء المرتزقة في ارتكاب جرائم حرب، وانتهاكات حقوق الانسان. كما ساهمت هذه المشاركة في تقويض الجهود الإقليمية والدولية للتسوية السياسية، لأن توظيف المرتزقة الأجانب يعزز منطق الحرب بدلًا من الحوار. إضافة إلى ذلك، أثارت تقارير الانتهاكات – مثل استهداف المدنيين وتجنيد الأطفال – استنكارًا واسعًا في الأوساط الحقوقية، ما أضرّ بصورة قوات الدعم السريع أمام المجتمع الدولي.
إجمالاً، فقد كشف الاستعانة بمرتزقة من كولومبيا، أو من جنسيات مختلفة إفريقية أخرى، التحديات التي تواجهها قوات "الدعم السريع"، وحاجتها لخبرات مختلفة سواء في مهام الحراسة او التدريب والإمداد اللوجيستي وميدان القتال، فالخبرة العسكرية والأمنية التي يتمتع بها العسكريين والمحاربين القدامى، لبّت حاجة "الدعم السريع" وساعدت في احكام سيطرته على مدينة "الفاشر"، أي أن مهام استئجار الجنود "الارتزاق" وفرت دعماً عسكريًا، وأيضا أتاحت الفرصة للتنصل من الاتهامات الموجة للميليشيا المتمردة، وعلى جانب أخر، فإن الحاجة لوجود إطار قانوني دولي لمراجعة ومحاسبة هذه الشركات أصبحت ملحة، خاصة في ظل تعقد وتشابك الحروب الحديثة التي أصبحت توصف بأنها حروب "هجينة"، حيث لم تعد الحروب تُخاض فقط بين جيوش نظامية أو أطراف محلية، بل أصبحت ساحة تتداخل فيها مصالح الدول، والشركات الأمنية، وشبكات التجنيد العابرة للحدود، إن انخراط مقاتلين أجانب في النزاع السوداني يسلّط الضوء على التحول الخطير في طبيعة الحروب الحديثة، التي باتت تُدار في كثير من الأحيان كـ"مشاريع ربحية" أكثر منها صراعات سياسية أو وطنية.



