رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

هل تقبل مصر العرض الإثيوبي بمنفذ على البحر الأحمر مقابل اتفاق يحفظ حقوق مصر المائية، في ظل تخوفات من عسكرة البحر الأحمر والأطماع الإسرائيلية في المنطقة من خلال التواجد الإثيوبي؟

ينطوي هذا السؤال في جوهره على معادلة معقدة تتجاوز حدود الجغرافيا والمناورات السياسية المؤقتة، لتمس مباشرة صلب الأمن القومي في منطقة القرن الإفريقي وحوض النيل، حيث تتقاطع المصالح المائية الحيوية مع التنافس الجيوسياسي على الممرات الملاحية الاستراتيجية.

 

وعند تفكيك أبعاد هذه المعادلة ومقوماتها الحاكمة، تأتي الإجابة القاطعة لتؤكد أن القاهرة لا يمكن أن تقبل بهذه المقايضة أو الصفقة تحت أي ظرف من الظروف.

 

فالرفض المصري هنا لا يعود فقط إلى تعقيدات الملف الفني لسد النهضة، بل ينطلق من رؤية استراتيجية شاملة تدرك تماماً أن أي تسوية من هذا النوع تمثل مساساً مباشراً بثوابت الأمن القومي المصري، وتشرعن سوابق خطيرة في العلاقات الدولية تقوم على الابتزاز الجيوسياسي والتفريط في السيادة الإقليمية للدول الشقيقة في القرن الإفريقي، فضلاً عن كونها تفخخ أحد أهم شرايين التجارة والأمن العالمي المتمثل في البحر الأحمر وخليج عدن.

 

وقد أثارت تصريحات وزير المياه والطاقة الإثيوبي هبتامو إيتيفا في نوفمبر 2026 منذ أيام قليلة ماضية جدلاً واسعاً بعد طرحه مقترحاً يقوم على "المقايضة" لإنهاء أزمة سد النهضة وملف مياه النيل؛ حيث دعا مصر إلى المساهمة في تمويل وتنفيذ سدود جديدة تخطط بلاده لإقامتها وحل قضية سد النهضة بإنفاق مقابل دعم مساعيها للحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر.

 

غير أن منطق هذه الصفقة هو طرح مرفوض من أساسه لأنه يعترف ضمنياً بوجود حق لأديس أبابا في التحكم بشريان الحياة المصري والمساومة عليه، فالمياه بالنسبة لمصر ليست سلعة قابلة للتفاوض أو البيع والشراء أو المقايضة، بل هي قضية بقاء ووجود لا تقبل القسمة ولا التنازل، والموقف المصري الرسمي والشعبي ظل دائماً يؤكد أن أزمة سد النهضة يجب أن تُحل عبر إطار قانوني وملزم لملء وتشغيل السد يضمن عدم الإضرار بالأمن المائي لمصر والسودان، وفقاً لقواعد القانون الدولي ومبادئ التعاون المنصف بين دول الأنهار العابرة للحدود، وليس عبر صفقات جانبية تعيد رسم الخرائط على حساب حقوق الدول ومصالحها العليا.

 

علاوة على ذلك، فإن الطموحات الإثيوبية المستمرة للحصول على منفذ بحري، وتحديداً عبر التحركات الأحادية مع إقليم أرض الصومال، تمثل انتهاكاً صارخاً لسيادة ووحدة أراضي الدولة الصومالية، وهو خط أحمر بالنسبة للقاهرة التي تلتزم التزاماً مطلقاً بدعم استقرار القرن الإفريقي ووحدة دولة الصومال، ومصر التي لطالما كانت ركيزة أساسية للأمن والاستقرار في محيطها العربي الإفريقي لا يمكن أن تكون جزءاً من أي ترتيبات إقليمية أحادية تشرعن الانفصال غير القانوني أو تفرض أمراً واقعاً بالقوة على حساب سيادة الدول، لأن ذلك يفتح الباب أمام فوضى عارمة ستطال استقرار الإقليم بأسره وتنعكس تداعياتها السلبية مباشرة على الأمن القومي المصري.

أما على صعيد البعد الجيوسياسي والأمني للبحر الأحمر، فإن المخاوف المصرية مشروعة وعميقة للغاية، فالبحر الأحمر يمثل الحديقة الخلفية للأمن القومي المصري والمدخل الرئيسي لقناة السويس التي تعد شرياناً للاقتصاد الوطني والعالمي، وأي تواجد عسكري أو بحري إثيوبي، خاصة في ظل غياب استقرار حقيقي في تلك المنطقة الحساسة، يحمل في طياته مخاطر جسيمة تتمثل في عسكرة البحر الأحمر وتحويله إلى بؤرة توتر وصراع دولي وإقليمي، إن محاولات أديس أبابا إيجاد موطئ قدم لها على السواحل عبر تفاهمات مشبوهة تثير قلقاً بالغاً لدى القاهرة، لا سيما مع تزايد التقاطعات والتقارب الاستراتيجي والأمني والاستخباراتي بين أديس أبابا وتل أبيب في هذه المنطقة الحيوية.

هذه التقاطعات والأطماع الإسرائيلية المستمرة في التغلغل داخل منطقة القرن الإفريقي وباب المندب تجعل من التواجد الإثيوبي البحري مخلباً لقوى خارجية تسعى للضغط على مصر وتقييد حرية ملاحتها وحركتها الاستراتيجية، إن إسرائيل تسعى منذ سنوات طويلة لمد نفوذها نحو البحر الأحمر والقرن الإفريقي بهدف تطويق الأمن القومي العربي والمصري من الجنوب، ووجود كيان إثيوبي مدعوم أو موظف ضمن هذه الترتيبات الإقليمية يعني بوضوح خلق تهديد استراتيجي دائم على باب المندب، وهو الممر المائي الاستراتيجي الذي ترتبط به الحركة التجارية والعسكرية المصرية ارتباطاً وثيقاً، وهو ما تدركه المؤسسات المعنية في مصر بعمق ودقة شديدتين، وتتعامل معه باعتباره تهديداً مباشراً لا يمكن السماح به.

ورغم وجود أصوات أو أطروحات تطالب مصر بقبول العرض الإثيوبي تحت ذريعة الوصول إلى تسوية نهائية للملف المائي دون النظر بعين الاعتبار للأبعاد الاستراتيجية بعيدة المدى، فإن قراءة المشهد برمتها تؤكد أن التفكير في أي مقايضة تجمع بين أزمة المياه والمنفذ البحري الإثيوبي هو طرح يفتقر إلى قراءة الواقع الاستراتيجي الصحيح، فمصر التي تقود جهوداً دبلوماسية مستمرة لحفظ السلم والأمن في القارة السمراء، وتدعم مؤسسات الدولة الوطنية في الصومال، وتتمسك بقواعد القانون الدولي، تدرك جيداً أن التنازل في ملف استراتيجي واحد يفتح الباب لانهيار المنظومة الأمنية برمتها، ومن هنا يظل الموقف المصري حاسماً وثابتاً في رفض أي مساس بالحقوق المائية، ورفض أي محاولات لعسكرة البحر الأحمر أو تحويله إلى ساحة لمشاريع النفوذ الإقليمي والدولي التي تستهدف الأمن القومي المصري والعربي في مقتل.

وفي هذا السياق، تظل الكلمات الواعية والحاسمة التي وجهها الرئيس عبد الفتاح السيسي حاضرة بقوة لتلخص عقيدة الدولة المصرية وموقفها الثابت، حيث أكد مراراً وتكراراً أن مياه مصر وحقوقها التاريخية ليست محل مزايدة أو تفريط، وأن مصر تمد دائماً يد التعاون للبناء والتنمية بعيداً عن سياسات الفرض أو الأجندات العدائية، مشدداً على أن الأمن القومي المصري خط أحمر لا يمكن تجاوزه وتحكمه رؤية متكاملة لحماية مقدرات الوطن حاضراً ومستقبلاً.

وأيضاً في إطار التوجيهات والرؤية الاستراتيجية الشاملة، تتجسد خطورة تحركات القرن الإفريقي فيما شدد عليه الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال القمة الروسية الإفريقية، حين أعلن بوضوح رفْضَ مصر القاطع لسياسات عسكرة البحر الأحمر ومحاولات فرْض نفوذ أجنبي على هذا الممر المائي الحيوي. وقد ركّز التأكيد المصري على أن حماية أمن البحر الأحمر وقناة السويس هي مسؤولية أصيلة للدول الأجوار والشركاء التاريخيين للإقليم، ترتبط ارتباطاً وثيقاً باحترام سيادة الدول الوطنية وصون وحدة أراضيها، وفي مقدمتها جمهورية الصومال الشقيقة، بما يمنع تحويل المنطقة إلى بؤرة توتر عسكري تضر بالملاحة الدولية وتُهدد الأمن المائي والقومي المصري من اتجاه الجنوب.

ورغم اعتراضي الشخصي التام على هذا العرض الإثيوبي وما يحمله من مخاطر ومآلات تضر بالأمن القومي، يظل تقدير الموقف واتخاذ القرار الاستراتيجي محكوماً برؤية مؤسسية واعية وقائمة على تقديرات دقيقة يديرها القائمون على أمر مصر وقادتها الذين يدركون بحنكة أبعاد اللعبة السياسية والدبلوماسية، فالقرار في النهاية هو قرار سياسي ودبلوماسي بامتياز يوازن بحكمة بين حماية الحقوق المائية وبين قطع الطريق أمام أي محاولات إقليمية أو دولية للمساس باستقرار المنطقة أو محاصرة الدور المصري التاريخي.

[email protected]

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء