رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

محمد يحيى: أمية بن أبي الصلت كان ينتظر النبوة وفُجع حين جاءت لغيره|حوار

الكاتب محمد يحيى
الكاتب محمد يحيى

انتقل الكاتب محمد يحيى في تجربته الإبداعية بين مجالات معرفية متعددة، فكتب في تبسيط العلوم الطبيعية، والتاريخ العربي القديم، وتاريخ الفكر الاقتصادي، قبل أن يخوض تجربته الأولى في الرواية من خلال عمله «نذير الطائف» الصادر عن دار الرواق للنشر والتوزيع، وهو العمل الذي يستعيد فيه شخصية أمية بن أبي الصلت، أحد أبرز شعراء الجاهلية، وأكثرهم إثارة للجدل والغموض.

في هذا الحوار، يتحدث محمد يحيى عن دوافع اختياره أمية بن أبي الصلت، وأسباب تحويل مشروعه البحثي إلى رواية، وكيفية رسم الشخصية اعتمادًا على المصادر التراثية، وما كشفته له رحلة البحث عن التنوع الديني والفكري في الجزيرة العربية قبل الإسلام.

كتبت في أشكال مختلفة، فما اللحظة التي قررت فيها كتابة رواية تاريخية تحمل عنوان «نذير الطائف»؟

في الأساس، أحب الكتابة لذاتها، ولست ممن يتخصصون في مجال معين ثم يبحثون عن فكرة يطرحونها من خلال الكتابة. ولو كان الأمر كذلك، لاقتصرت كتاباتي على الاقتصاد، بحكم خلفيتي الأكاديمية والبحثية والعملية في هذا المجال. لكنني أحب البحث والتحقيق التاريخي، ثم بلورة ما أصل إليه في صورة أفكار وجمل متسقة، كما أحب اللغة والتعبير عن الأفكار بلغة جزلة وسهلة.

لهذا كتبت في مجالات مختلفة، وهو ما أثار استغراب البعض في البداية، قبل أن يعتادوا على هذا التنوع. كان كتابي الأول «علم الخيال»، وهو كتاب في فلسفة العلوم وتبسيط العلوم الطبيعية، تناولت فيه تاريخ النظريات الفيزيائية وشرح آليات عمل الكون، وهو مجال بعيد عن دراستي الأكاديمية. ثم أصدرت كتابين في التاريخ العربي القديم هما «أيام العرب» و«شقاق العرب»، وبعدهما كتبت في تاريخ الفكر الاقتصادي، من خلال كتاب مبسط يتيح لغير المتخصصين التعرف إلى نشأة الأفكار الاقتصادية وتأثيرها في العالم.

ثم جاءت تجربة «نذير الطائف»، التي كانت أول أعمالي الروائية بعد أربعة كتب بحثية. في البداية، كنت أريد أن أكتب عن أمية بن أبي الصلت كتابًا بحثيًا، كما اعتدت في أعمالي السابقة، لكنني اصطدمت بمشكلة أساسية، وهي أن ما ورد عن حياته وأفكاره في المصادر التراثية العربية القديمة لا يكفي لتأليف كتاب متكامل؛ فحتى إذا جمعت الروايات المختلفة، واستبعدت المكرر منها، فلن تجد مادة تتجاوز عشرين صفحة تقريبًا.
عندها أدركت أن عليّ اللجوء إلى الكتابة الإبداعية، وأن أبني، اعتمادًا على الشذرات التي وصلتنا عنه، تصورًا لحياته ورحلته الفكرية وصراعه النفسي، وأن أوسع هذه التفاصيل بالتخييل الروائي. وهكذا قررت أن أعبر عن أفكاري من خلال عمل أدبي بدلًا من كتاب بحثي، فكانت «نذير الطائف».

 

لماذا اخترت أمية بن أبي الصلت تحديدًا ليكون بطل عملك الجديد، رغم أن حضوره في الذاكرة الأدبية والتاريخية أقل من شخصيات أخرى في مرحلة ما قبل الإسلام؟

هذه نقطة مهمة؛ فأمية بالفعل من الشخصيات التي لا تحظى بتفاصيل كثيرة في المصادر القديمة، وقد أشرت إلى ذلك في إجابتي السابقة. أنا أحب القراءة في تاريخ العرب القديم، وسبق أن أصدرت كتابين في هذا المجال، هما «أيام العرب» و«شقاق العرب»، اللذان يتناولان العرب في الجاهلية وصدر الإسلام.

وخلال قراءاتي المتكررة، كنت أجد أمية بن أبي الصلت حاضرًا في أبواب مختلفة من التاريخ والأدب، من دون أن أجد تفاصيل كافية عن حياته. فإذا قرأت عن الأحناف الذين اتجهوا إلى التوحيد قبل الإسلام، وجدت اسمه بينهم، وإذا قرأت عن شعراء الجاهلية وجدته حاضرًا، وكذلك عند الحديث عن ذوي الأنساب والأشراف والحكماء والأذكياء في ذلك العصر.
 

تكرر ظهور هذه الشخصية أمامي في كل مجال تقريبًا، فبدأت أتساءل: من يكون أمية بن أبي الصلت؟ وكيف استطاع أن يكون حاضرًا في كل هذه المجالات؟

 لا تكاد تجد شخصية عربية في الجاهلية تضاهيه في تعدد الجوانب التي ارتبط اسمها بها. ومن هنا نشأ لدي فضول كبير لمعرفة طريقة تفكيره وحياته، لكنني اكتشفت أن سيرته مبتورة، وأن الوصول إلى تفاصيل حياته يكاد يكون مستحيلًا.

حتى شعره، الذي وصل إلينا في صورة أفضل نسبيًا من أخباره، واجه مشكلات تتعلق بنسبة كثير من القصائد إليه، واختلف الباحثون في عدد من الأشعار المنسوبة له. ومع ذلك، نجح بعض المتخصصين في جمع ديوان له، وإن ظلت هناك اختلافات حول عدد من النصوص.

إذن، لم أختر أمية بالمعنى التقليدي، بل هو الذي كان يظهر أمامي كلما قرأت في التاريخ العربي القديم، حتى شعرت بأن هذه الشخصية تستحق أن يُكتب عنها عمل يعيد إحياء ذكراها. وإلى جانب ذلك، كانت له تجربة إنسانية وفكرية شديدة الخصوصية، تكاد لا تجد لها نظيرًا، وسأتحدث عنها في السؤال التالي.

تقدم أمية من الداخل، وتمنحه مساحة للكشف عن أفكاره ومشاعره وموقفه من النبوة الجديدة؛ كيف بنيت صوته الروائي، وكيف تجنبت أن يتحول إلى مجرد شخصية تدافع عن نفسها؟

تجربة أمية بن أبي الصلت فريدة للغاية. عندما تقرأ التاريخ العربي القديم، ستجد أشخاصًا اتجهوا إلى التوحيد رغم انتشار عبادة الأصنام في مجتمعاتهم، وبعضهم اعتنق النصرانية، ومنهم من رحل إلى الشام وقرأ في الكتب الدينية السابقة. لكن أمية تجاوز هذه المراحل؛ فقد قرأ في الكتب القديمة، واطلع على أخبار الأمم السابقة، ثم استشعر في نفسه أنه سيكون نبي آخر الزمان، ذلك النبي الذي تحدثت عنه الكتب السابقة للإسلام.

هنا تكمن خصوصية تجربته؛ فنحن نعرف أشخاصًا كانوا يؤمنون بوجود نبي سيأتي، لكننا لا نكاد نجد شخصية قبل البعثة اعتقدت أن هذا النبي سيكون هو نفسه، وبدأت تهيئ نفسها لذلك. وعندما بُعث محمد صلى الله عليه وسلم، كانت صدمة أمية كبيرة؛ فهو كان ينتظر هذه النبوة، لكنه فُجع لأنها جاءت لغيره.

هذه تجربة نفسية شديدة المرارة؛ أن يؤمن إنسان بالتوحيد، وينتظر ظهور نبي آخر الزمان، ثم يعتقد أنه الأحق بهذه المكانة، قبل أن يكتشف أن النبوة قد جاءت لشخص آخر. لقد كان هذا الشعور هو الجانب الذي استبد بي، وأردت أن أقدمه للقارئ: كيف عاش رجل في الجزيرة العربية ذلك الزمن، وهو يرى في نفسه أنه مؤهل للنبوة، ثم يفاجأ بأن الأمر لم يحدث كما توقع؟

لم أكن بحاجة إلى الدفاع عن أمية، أو تحويله إلى شخص يقف طوال الوقت لتبرير موقفه؛ فقد وردت عنه أشعار تتضمن ذكر الله والتوحيد، وكان من السابقين إلى رفض عبادة الأصنام. ما احتجت إليه هو إظهار تجربته الداخلية، وإبراز تساؤله الذي يمكن أن يخطر على عقل إنسان عاش هذه الحالة: إذا كنت قد سبقت قريشًا إلى التوحيد، وقرأت في أخبار الأمم السابقة، فلماذا يكون محمد هو النبي ولست أنا؟

هذا هو الابتلاء النفسي الذي تعرض له، وهو ما أردت أن أجعله تجربة حية داخل الرواية، لا مجرد شخصية تدافع عن نفسها أو تبرر موقفها.

إلى أي مدى استندت في رسم شخصية أمية إلى شعره وأخباره في المصادر القديمة، وأين بدأت مساحة التخييل الروائي؟

كما ذكرت، لم تصلنا عن أمية أخبار كثيرة في الكتب التراثية، ولذلك حاولت أن أقرأ عقليته من خلال أشعاره، وأن أستنبط طريقة تفكيره ومواقفه الفكرية مما نُسب إليه من شعر. لكن حتى هذه الأشعار لم تسلم من الاختلاف؛ فكثير مما نُسب إلى أمية بن أبي الصلت موضع خلاف بين الباحثين، وبعضه لا تصح نسبته إليه.

لذلك خضت رحلة طويلة من البحث والقراءة، واطلعت على كتاب «شعراء النصرانية» للويس شيخو، وقرأت لبعض المستشرقين، ومنهم فرناند شوتز، كما رجعت إلى أعمال بشير يموت، والدكتور عبد الحفيظ الشطلي، رحمه الله.

وكان من أهم المراجع التي اعتمدت عليها رسالة الدكتوراه التي أعدها الدكتور بهجت عبد الغفور الحديثي عن أمية بن أبي الصلت وشعره، وهي رسالة مهمة نُشرت في بداية التسعينيات عن وزارة الثقافة العراقية. وقد انصبت معظم هذه الدراسات والتحقيقات على شعر أمية، ومحاولة التمييز بين الصحيح والمنسوب إليه، أكثر من انصرافها إلى كتابة سيرته، التي ظلت مجهولة إلى حد كبير.

من خلال هذه القراءات حاولت أن أستنبط ملامح شخصيته ومحطاته الفكرية، وأن أبني تصورًا روائيًا له اعتمادًا على ما أمكن استخلاصه من شعره والأخبار القليلة التي وصلتنا عنه. ومن هنا بدأت مساحة التخييل؛ إذ لم يكن أمامي تاريخ مكتمل يمكن نقله إلى الرواية، بل شذرات تاريخية وشعرية حاولت أن أبني بينها عالمًا متماسكًا.

تكشف الرواية عن جانب من الحياة الدينية والفكرية في الجزيرة العربية قبل الإسلام؛ ما أهم المفاجآت التي قادتك إليها رحلة البحث في هذا العالم؟

من أبرز المفاجآت التي كشفتها لي رحلة البحث أن هناك شخصيات قبل الإسلام كانت تفكر في التوحيد والنبوة بهذه الدرجة من العمق. كما اكتشفت جوانب من الحياة الدينية للعرب لا يعرفها كثيرون؛ فعلى سبيل المثال، تُنسب إلى أمية بن أبي الصلت عبارة «باسمك اللهم»، التي استخدمها العرب قبل الإسلام.

هناك تصور شائع بأن الحياة الدينية في الجزيرة العربية قبل الإسلام كانت قائمة على الأصنام والأوثان فقط، ثم جاء الإسلام ليغير هذا الواقع، لكن الصورة أكثر تنوعًا وتعقيدًا. فقد كان هناك أشخاص يبحثون عن التوحيد، وآخرون اعتنقوا النصرانية، فضلًا عن وجود اليهود والنصارى في مناطق مختلفة من الجزيرة العربية.

ومن الشخصيات التي توقفت عندها زيد بن عمرو بن نفيل، الذي كان يميل إلى التوحيد، وهو والد الصحابي سعيد بن زيد، وكذلك ورقة بن نوفل، وقس بن ساعدة، والجارود بن المعلى، وغيرهم ممن ارتبطت أسماؤهم بالبحث عن الدين أو اعتناق ديانات سابقة للإسلام. وقد منحت بعض هذه الشخصيات حضورًا داخل الرواية، ومن بينها زيد بن عمرو بن نفيل، الذي كان له دور في الأحداث.

هذه الشخصيات تكشف أن الجزيرة العربية احتضنت تنوعًا دينيًا وفكريًا قبل الإسلام، وأن الحياة فيها لم تكن محصورة في عبادة الأصنام كما قد يتصور البعض. وكلما تعمقت في دراسة تلك المرحلة، وجدت أن هذا الجانب يستحق مزيدًا من البحث والإضاءة.

وأعتقد أن من قيمة عمل مثل «نذير الطائف» أن يفتح أمام القارئ نافذة على هذا العالم الذي ربما لم يكن يعرف عنه الكثير، وأن يوضح أن المشهد الديني والفكري في الجزيرة العربية قبل الإسلام كان أكثر ثراءً وتنوعًا مما استقر في الأذهان

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء