فقد ابنه وغاب صوته عامًا.. وقبّل حذاء زوجته.. أسرار ومحطات استثنائية في حياة حسن كامي بذكرى ميلاده
لم تكن حياة الفنان الراحل حسن كامي مجرد رحلة فنية حافلة بالنجاحات، رغم المكانة التي حققها في عالم الغناء الأوبرالي والتمثيل، إذ حملت مسيرته العديد من المحطات الإنسانية الصعبة والأزمات التي تركت أثرًا عميقًا في حياته، بداية من فقدان نجله الوحيد، مرورًا برحيل زوجته التي ارتبط بها بقصة حب طويلة، وصولًا إلى الخلافات التي اندلعت حول مكتبته التراثية وممتلكاته بعد وفاته.
وفي ذكرى ميلاده التي توافق الثاني من نوفمبر، يعود اسم حسن كامي إلى الواجهة باعتباره واحدًا من الفنانين الذين جمعوا بين الثقافة الموسيقية الرفيعة والحضور السينمائي والتلفزيوني، فضلًا عن اهتمامه بالكتب والمخطوطات النادرة، وشخصيته التي كشفت عنها لقاءاته التلفزيونية وتصريحاته الصريحة.
مأساة وفاة نجله الوحيد.. صدمة أفقدته صوته
كانت وفاة نجله الوحيد شريف عام 1991 واحدة من أقسى المحطات التي مر بها حسن كامي، بعدما لقي مصرعه في حادث سيارة إثر اصطدام مركبته بشاحنة من الخلف، ما أدى إلى سقوطها في إحدى الترع.
وكان الفنان الراحل خارج مصر وقت وقوع الحادث، استعدادًا لإحياء حفل أوبرالي في إيطاليا، وعندما تلقى خبر وفاة نجله قرر العودة، ورفض في البداية استكمال ارتباطه الفني، قبل أن يتدخل مسؤولون لإقناعه بالمشاركة في الحفل.
وفي أحد لقاءاته مع الإعلامي مفيد فوزي ببرنامج «مفاتيح»، استعاد كامي تفاصيل تلك التجربة القاسية، موضحًا أنه قرر أداء مقطوعة أوبرالية كان نجله يحبها، لكنه لم يتمالك دموعه خلال الغناء، واستمر في الأداء رغم انهياره العاطفي.
وكشف في لقاء آخر أنه فقد صوته لمدة عام كامل بعد تلك التجربة، في انعكاس لحجم الصدمة التي تعرض لها، مؤكدًا أن رحيل ابنه كان من أصعب الأحداث التي عاشها في حياته.
اعترافات صريحة عن أزمة منتصف العمر وزوجته
لم يتردد حسن كامي في الحديث عن تفاصيل حياته الزوجية، حتى المواقف التي شعر فيها بالخطأ والندم، إذ كشف خلال ظهوره في برنامج «القاهرة اليوم» عام 2015 عن مروره بأزمة منتصف العمر التي كادت أن تتسبب في انهيار زواجه من زوجته نجوى.
وقال في اعتراف لافت إنه قبّل حذاء زوجته حتى تسامحه على خطأ ارتكبه في حقها، موضحًا أن الأزمة كادت أن تنهي علاقتهما، لكنه تمسك باستمرار الحياة الزوجية بينهما.
كما تحدث عن مدى تأثير زوجته في حياته، مؤكدًا أنه لم يتوقع أن تحل امرأة أخرى محلها بعد رحيلها، وأنها كانت تمثل له شريكة الحياة والدعم الإنساني طوال سنوات زواجهما.
ورحلت نجوى عام 2012، لتبدأ مرحلة جديدة من العزلة والحزن في حياة الفنان الراحل، الذي اعتاد قضاء أوقات طويلة داخل مكتبته الشهيرة «المستشرق»، التي ارتبطت بذكرياتهما المشتركة.
أزمة مكتبة المستشرق.. صراع على الميراث والمقتنيات النادرة
من أبرز الأزمات التي ارتبطت باسم حسن كامي بعد وفاته، الخلافات القانونية والإعلامية التي اندلعت حول مكتبته الشهيرة «المستشرق»، وما تضمه من كتب ومخطوطات وخرائط ومقتنيات تاريخية نادرة.
وكان كامي قد تحدث في حوار صحفي سابق عن رغبته في تخصيص المنزل الذي عاش فيه مع زوجته لصالح جمعية للأيتام، كانت تتولى نجوى رئاستها، حتى يتحول إلى مركز ثقافي يتيح للأطفال تعلم الفنون التي أحبتها زوجته.
لكن بعد وفاته في ديسمبر 2018، ظهرت روايات متباينة بشأن ملكية المكتبة والفيلا والسيارات، حيث أعلن محاميه وجود عقود بيع لممتلكات الفنان الراحل، بينما اعترضت شقيقته وأسرتها على هذه التصرفات، وطرحت تساؤلات حول ظروف توقيع العقود ومقابل البيع.
ووصلت القضية إلى الجهات القضائية، كما تدخلت وزارة الثقافة لتأمين المقتنيات ذات القيمة التاريخية، وشُكلت لجنة لفحص محتويات المكتبة، قبل أن تنجح الوزارة في اقتناء مجموعة من الكتب والمخطوطات النادرة لصالح دار الكتب والوثائق القومية.
وضمت المجموعة 86 كتابًا ومخطوطًا ومقتنيات تراثية، من بينها إصدارات تاريخية نادرة تتعلق بتاريخ مصر والحملة الفرنسية وقناة السويس، وهو ما أعاد تسليط الضوء على القيمة الثقافية للمكتبة التي قضى كامي سنوات في رعايتها.
مصادرة أموال الأسرة.. درس لم ينسه حسن كامي
ومن التصريحات التي كشفت جانبًا من خلفيته العائلية والاجتماعية، حديثه عن مصادرة أموال أسرته خلال فترة ثورة يوليو، مشيرًا إلى أن هذه التجربة علمته أن الثروة يمكن أن تذهب في أي وقت، بينما تظل المعرفة والتعليم هما القيمة التي لا يستطيع أحد انتزاعها من الإنسان.
وقال خلال ظهوره في برنامج «القاهرة اليوم» إن ما تعلمه في المدرسة والجامعة والحياة كان أهم بالنسبة إليه من الأموال التي تأتي وتذهب، في تصريح عكس اهتمامه بالثقافة والمعرفة، وهو ما ظهر أيضًا في علاقته بالكتب والمخطوطات واقتنائه للمجموعات النادرة.
اعتزال الغناء الأوبرالي.. قرار وصفه بالقاسي
وعلى الرغم من المكانة التي حققها حسن كامي في عالم الأوبرا، فإنه اتخذ قرار اعتزال الغناء عام 2001، ووصف القرار خلال أحد لقاءاته التلفزيونية بأنه كان قاسيًا للغاية.
فقد ارتبط اسمه بالغناء الأوبرالي منذ بداية مشواره عام 1963، وشارك في تقديم عدد كبير من العروض العالمية، كما جسد شخصية راداميس في أوبرا «عايدة»، التي ظلت واحدة من أقرب التجارب الفنية إلى قلبه.
وقدم كامي عروضًا في مسارح دولية مختلفة، وشارك في نحو 240 إلى 270 عرضًا أوبراليًا وفقًا لاختلاف الإحصاءات المنشورة، وحقق حضورًا لافتًا في عدد من الدول الأوروبية والآسيوية والأمريكية، وحصل على جوائز وشهادات تقدير عن مشواره الموسيقي.
من «ناصر 56» إلى «الخواجة عبدالقادر».. أبرز أعماله الفنية
وبالتوازي مع مشواره الأوبرالي، خاض حسن كامي تجربة التمثيل، بعدما اكتشفه الفنان محمد نوح وقدمه للمسرح من خلال مسرحية «انقلاب»، لتتوالى مشاركاته في عدد من الأعمال المسرحية والتلفزيونية والسينمائية.
وفي السينما، شارك في أفلام بارزة من بينها «ناصر 56»، و«سمع هس»، و«دموع صاحبة الجلالة»، و«قليل من الحب كثير من العنف»، و«ليلة سقوط بغداد»، و«زكي شان»، و«بوبوس»، و«يا مهلبية يا».
أما في الدراما التلفزيونية، فترك بصمته في مجموعة من المسلسلات، أبرزها «رأفت الهجان»، و«بوابة الحلواني»، الذي جسد فيه شخصية ديليسبس، و«هوانم جاردن سيتي»، و«الملك فاروق»، و«العراف»، و«الخواجة عبدالقادر».
ومن المحطات اللافتة أيضًا مشاركته في فيلم «سمع هس»، الذي قدم خلاله أغنية «أنا وطني»، وجسد شخصية مطرب شهير يستولي على ألحان وأغانٍ ليقدمها بصوته.
حسن كامي.. فنان جمع بين الأوبرا والتمثيل وحب التراث
وُلد حسن كامي في القاهرة يوم 2 نوفمبر 1936، ودرس الحقوق بجامعة القاهرة، قبل أن يلتحق بمعهد الكونسرفتوار ويتخصص في الغناء الأوبرالي، كما استكمل دراساته الموسيقية في إيطاليا.
ولم يتوقف اهتمامه عند الفن، بل امتد إلى عالم الكتب والتاريخ، حيث ارتبط بمكتبة «المستشرق» التي أصبحت جزءًا أساسيًا من حياته، وحرص على اقتناء الكتب والمخطوطات والخرائط النادرة والحفاظ عليها.
ورحل حسن كامي في 14 ديسمبر 2018 عن عمر ناهز 82 عامًا، بعد أزمة صحية، تاركًا وراءه مسيرة جمعت بين الغناء الأوبرالي والتمثيل والاهتمام بالتراث، وحياة إنسانية شهدت خسارات وأزمات ظلت حاضرة في ذاكرة الجمهور حتى بعد رحيله.


