بحضور السفير علاء يوسف وعمرو الليثي.. 3 مسارات لتطوير الخطاب الإعلامي الموجه للشباب واستعادة ثقة الأجيال الجديدة
لم يعد كافيًا أن تخاطب المؤسسات الإعلامية الشباب بالوسائل التقليدية، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم الرقمي وتعدد مصادر المعلومات، بل باتت مطالبة بإعادة صياغة خطابها، وتطوير أدواتها، والاقتراب من اهتمامات الأجيال الجديدة، وإفساح المجال أمامها للمشاركة في إنتاج المحتوى وصناعة الرسائل المؤثرة.
وفي هذا الإطار، نظمت لجنة الإعلام بالمجلس الأعلى للثقافة، برئاسة الإعلامي الدكتور عمرو الليثي، بالتعاون مع الهيئة العامة للاستعلامات، ندوة بعنوان «الشباب والإعلام.. رسائل تصنع الأثر»، لفتح نقاش موسع حول مستقبل الخطاب الإعلامي، وسبل بناء وعي شبابي قادر على التعامل مع التحديات الراهنة، ومواجهة الشائعات والمعلومات المضللة.
وشهدت الندوة مشاركة نخبة من الإعلاميين والأكاديميين والمتخصصين وممثلي الكيانات الشبابية وطلاب الجامعات، حيث ناقش المشاركون قدرة الإعلام على مواكبة التطورات التكنولوجية، واستعادة ثقة الأجيال الجديدة، وتقديم محتوى يجمع بين المصداقية والجاذبية.
الهيئة العامة للاستعلامات: الشباب شركاء في بناء الوعي ومواجهة الشائعات
وفي مستهل الندوة، التي أدارها الدكتور أسامة السعيد، رئيس تحرير جريدة الأخبار وعضو لجنة الإعلام بالمجلس الأعلى للثقافة، أشاد السعيد بجهود الهيئة العامة للاستعلامات، خاصة في مجال تفنيد الشائعات ودحض الافتراءات داخل مصر وخارجها.
وأكد السفير علاء يوسف، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للاستعلامات، أن الندوة تمثل بداية لسلسلة من اللقاءات التي تستهدف الاستماع إلى الشباب والتعرف إلى رؤيتهم بشأن الرسالة الإعلامية، باعتبارهم شركاء أساسيين في عملية بناء الوعي، خاصة في ظل ثورة الإعلام الرقمي وما تفرضه من تحديات مرتبطة بانتشار الشائعات والأخبار الزائفة عبر منصات التواصل الاجتماعي.

وشدد السفير علاء يوسف، في رده على تساؤلات المشاركين، على أن الشباب يمثلون شريكا رئيسيا لمؤسسات الدولة في بناء الوعي والتصدي للشائعات، مؤكدًا أهمية الانتقال من أسلوب مخاطبة الشباب بصورة أحادية إلى إشراكهم في الحوار العام.
وفي هذا السياق، استعرض منصة «شات إيجيبت»، التي أطلقها مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، باعتبارها إحدى الأدوات الرقمية الحديثة التي تتيح الوصول إلى المعلومات الرسمية الموثوقة، وتساعد على التحقق من البيانات ومواجهة المعلومات المغلوطة.
كما أكد أهمية توظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة في تطوير وسائل التواصل مع الشباب، وتقديم المعلومات بصورة مبسطة وسريعة تتناسب مع طبيعة استخدامهم للمنصات الرقمية.
وأوضح أن تعزيز وعي الشباب يتطلب تزويدهم بالأدوات التي تمكنهم من التمييز بين المعلومات الصحيحة والمحتوى المضلل، بما يدعم مشاركتهم الفاعلة في القضايا الوطنية وبناء الوعي المجتمعي.
عمرو الليثي: المصداقية والتربية الإعلامية مفتاح استعادة ثقة الشباب
من جانبه، وضع الدكتور عمرو الليثي، رئيس لجنة الإعلام بالمجلس الأعلى للثقافة، قضية المصداقية في صدارة النقاش، مؤكدًا أن عنوان الندوة يضع المؤسسات الإعلامية أمام مسؤولية كبيرة في ظل عالم تتغير فيه وسائل التواصل وتتعدد فيه مصادر المعلومات.
وأوضح أن الإعلام أصبح قوة مؤثرة في تشكيل الوعي وصناعة الاتجاهات والتأثير في القيم والسلوكيات، خاصة لدى الشباب الذين يمثلون الشريحة الأكثر تفاعلًا مع المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي.
وأشار الليثي إلى أن المشهد الإعلامي شهد تحولات غير مسبوقة، إذ أصبح الجمهور يتلقى مئات الرسائل يوميًا عبر الهواتف المحمولة، تختلط فيها الأخبار بالآراء، والحقائق بالشائعات، والمحتويات المهنية بالمواد التي تصنعها الخوارزميات وتدفع بها إلى المستخدمين.
وحذر من أن خطورة المشهد لا تقتصر على انتشار الأخبار الكاذبة، وإنما تمتد إلى تراجع قدرة الجمهور على التمييز بين الحقيقة والمحتوى المصنوع للتأثير والتوجيه، خاصة مع التطور المتسارع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي.

وأكد أن التحدي الأكبر أمام المؤسسات الإعلامية يتمثل في استعادة ثقة الأجيال الجديدة، من خلال الالتزام بالمصداقية وتطوير المحتوى وتقديم رسائل إعلامية قادرة على الوصول إلى الشباب والتفاعل مع اهتماماتهم.
وليد رشاد: الشباب ليسوا كتلة واحدة.. ولا بد من فهم اختلاف احتياجاتهم
ومن منظور اجتماعي ونفسي، تناول الدكتور وليد رشاد، المشرف العام على برنامج بحوث الشباب بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، التحولات التي شهدتها أجيال الشباب، رافضًا وصف العلاقة بينها بأنها «صراع أجيال».
وأكد أن الاختلافات بين الأجيال يمكن أن تثري الحياة الثقافية والاجتماعية بدلًا من أن تتحول إلى مصدر للصدام، مشددًا على ضرورة عدم التعامل مع الشباب باعتبارهم فئة متجانسة يمكن اختزالها في شرائح عمرية جامدة.
وأوضح أن الشباب فئة اجتماعية تتأثر بالظروف والأحداث الاجتماعية والسياسية المحيطة بها، وهو ما يستلزم فهم احتياجاتها وتطلعاتها قبل صياغة الرسائل الإعلامية الموجهة إليها.
هناء فاروق: الخوارزميات تعيد تشكيل اهتمامات الجمهور وتزيد صعوبة مواجهة الشائعات
وفي سياق متصل، أكدت الدكتورة هناء فاروق، وكيل كلية الإعلام بجامعة القاهرة، أن تطور الخوارزميات أسهم في توجيه اهتمامات الجمهور نحو قضايا ومضامين بعينها، مشيرة إلى أن انتشار المحتويات القائمة على الشائعات والمعلومات الخاطئة، مدعومًا بآليات الانتشار الرقمي، يزيد من صعوبة مواجهة الأخبار الكاذبة.
وشددت على ضرورة دراسة كل مجتمع وفق خصوصيته، وعدم استنساخ التجارب الإعلامية من مجتمع إلى آخر دون مراعاة الاختلافات الثقافية والاجتماعية واحتياجات الشباب.

راندا طولان: لكل جيل لغته الإعلامية وطريقته في استهلاك المحتوى
ومن جانبها، أكدت الدكتورة راندا طولان، مدرس الإعلام بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، أن الفجوة بين الأجيال لا تقتصر على الاختلاف في الأعمار، بل تمتد إلى أنماط استهلاك المحتوى الإعلامي ومستويات الثقة في مصادر المعلومات وطرق التفاعل مع التكنولوجيا.
واستعرضت أوجه التشابه والاختلاف بين أجيال إكس وواي وزد، مشددة على ضرورة مراعاة خصائص كل جيل وطبيعة الجمهور المتلقي عند إعداد الرسائل الإعلامية، مع توظيف وسائل الإعلام في نشر الوعي وتسليط الضوء على النماذج الإيجابية.
أزمة الثقة بين الشباب والإعلام.. هل يقدم الإعلام ما يريده الجمهور أم ما يحتاج إليه؟
واحتلت أزمة الثقة بين الشباب والمؤسسات الإعلامية جانبًا مهمًا من المناقشات، حيث تساءلت سلمى علي، طالبة بكلية الإعلام، عن كيفية تجاوز فجوة الثقة بين الأجيال الجديدة ووسائل الإعلام التقليدية.
وفي السياق نفسه، طرح محمود محمد، طالب بكلية الإعلام بجامعة الأزهر، تساؤلًا حول طبيعة الدور الذي ينبغي أن يقوم به الإعلامي: هل يقدم للجمهور ما يريد رؤيته، أم ما ينبغي أن يراه؟
ورد الإعلامي محمود مسعد بأن من أبرز التحديات التي تواجه بعض الشباب الاستعجال في تحقيق مكاسب مادية من منصات التواصل الاجتماعي، وانتظار الفرص التي تتيح لهم الظهور والشهرة، داعيًا إياهم إلى عدم التسرع، والاهتمام بقيمة المحتوى الذي يقدمونه، والحرص على إنتاج مواد يستطيعون الاعتزاز بها.
مرصد الأزهر لمكافحة التطرف.. دعوة للتحقق من المحتوى الديني ومصادر المعلومات
وفيما يتعلق بالمحتوى الديني، أكدت الإعلامية يمنى عاطف أنه من أكثر أنواع المحتوى حساسية وتأثيرًا، محذرة من خطورة بعض المضامين التي قد تسهم في تضليل الجمهور والإضرار بالمجتمع.
وشددت على ضرورة التحقق من المعلومات ومصادرها، والتمييز بين العلم الحقيقي والادعاء، مشيرة إلى اعتمادها على الأزهر الشريف مرجعية أساسية فيما يتعلق بالقضايا الدينية.
ويتكامل ذلك مع تأكيد السفير علاء يوسف أهمية الاستفادة من دور المؤسسات الدينية والتوعوية، حيث أشاد بجهود مرصد الأزهر لمكافحة التطرف في نشر الوعي وتصحيح المفاهيم المغلوطة ومواجهة الأفكار المتطرفة.

3 مسارات رئيسية لتطوير الخطاب الإعلامي الموجه للشباب
وخلصت المناقشات إلى طرح ثلاثة مسارات رئيسية ومتكاملة لتطوير الخطاب الإعلامي الموجه للشباب، بما يضمن مواكبة التحولات الرقمية وتعزيز قدرة الإعلام على التأثير الإيجابي في وعي الأجيال الجديدة.
المسار الأول: الانتقال من تقديم المعلومات إلى بناء المعرفة
يرتكز المسار الأول على تطوير طبيعة الرسالة الإعلامية، بحيث لا تقتصر على نقل الأخبار والبيانات، وإنما تمتد إلى مساعدة الشباب على فهم القضايا وتحليلها وربط المعلومات بسياقاتها المختلفة.
ويتطلب ذلك إشراك الشباب في إنتاج المحتوى، وإتاحة الفرصة أمامهم للتعبير عن قضاياهم وتطلعاتهم بلغتهم الخاصة، بدلًا من التعامل معهم باعتبارهم جمهورًا يتلقى الرسائل من طرف واحد.
المسار الثاني: تعزيز التربية الإعلامية والرقمية ومهارات التفكير النقدي
ويركز المسار الثاني على تنمية مهارات التفكير النقدي والتحقق من المعلومات، ومساعدة الشباب على التمييز بين الحقائق والشائعات والمحتويات المضللة، خاصة في ظل التطور المتسارع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
فامتلاك القدرة على استخدام التكنولوجيا لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على تقييم المعلومات التي تقدمها، وهو ما يجعل التربية الإعلامية والرقمية ضرورة أساسية لبناء جيل أكثر وعيًا بمصادر الأخبار وأساليب التأثير والتضليل.

المسار الثالث: بناء شراكات مؤسسية مستدامة بين التعليم والثقافة والإعلام
ويستهدف المسار الثالث تعزيز التكامل بين قطاعات التعليم والثقافة والإعلام، لإنتاج محتوى يجمع بين المصداقية والجاذبية، ويعبر عن قضايا الشباب ويسهم في ترسيخ القيم الإيجابية.
كما يقوم على توسيع قنوات التعاون بين المؤسسات المختلفة والكيانات الشبابية، بما يتيح تحويل الحوار إلى مبادرات عملية ومستدامة تسهم في بناء الوعي المجتمعي.
من الحوار إلى التطبيق.. لقاءات دورية للاستماع إلى الشباب
وكشفت المناقشات التي شهدتها الندوة أن تطوير الخطاب الإعلامي الموجه للشباب لم يعد مجرد مسألة شكلية تتعلق بتغيير لغة الرسائل أو منصات نشرها، بل أصبح قضية ترتبط بقدرة المؤسسات على فهم الأجيال الجديدة، والتفاعل مع أسئلتها، وإشراكها في إنتاج المعرفة، وتعزيز ثقتها في المعلومات الموثوقة.
ومن هذا المنطلق، تمثل سلسلة الندوات التي تعتزم الهيئة العامة للاستعلامات تنظيمها للاستماع إلى الشباب خطوة نحو تعزيز الحوار المباشر معهم، والتعرف إلى تصوراتهم بشأن القضايا الوطنية والإعلامية، وتحويل مشاركتهم من مجرد حضور في الفعاليات إلى عنصر فاعل في بناء الوعي المجتمعي.
وتبقى الرسالة الأبرز للندوة أن الإعلام القادر على الوصول إلى الشباب والتأثير فيهم هو الإعلام الذي يستمع إليهم أولًا، ويفهم لغتهم واحتياجاتهم، ويمنحهم مساحة للمشاركة، ويقدم لهم معلومات موثوقة ومحتوى يحترم عقولهم ويواكب تطلعاتهم.