رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

«حاربوه في بداياته وخسر أمواله في أمريكا».. حكايات من حياة وديع الصافي

إيجبتكِ

ارتبط اسم الفنان اللبناني الراحل وديع الصافي بتاريخ طويل من الطرب العربي، بعدما استطاع بصوته الجبلي وأسلوبه الخاص أن يترك بصمة ممتدة في الأغنية اللبنانية والعربية، وأن يتحول إلى أحد أبرز رموز الغناء الكلاسيكي. لكن وراء هذه المكانة الفنية رحلة لم تخلُ من الصعوبات، بدأت بظروف معيشية قاسية في طفولته، ومرت بتجارب سفر لم تحقق أهدافها، وخلافات مع شركات الإنتاج، فضلًا عن مواقف وتصريحات كشف خلالها عن آرائه في الفن والحياة وزملائه في الوسط الفني.

من الفقر والعمل المبكر إلى لقب «صوت الجبل»

ولد وديع الصافي، واسمه الحقيقي وديع بشارة فرنسيس، في الأول من نوفمبر عام 1921 بقرية نيحا في جبل لبنان، ونشأ داخل أسرة بسيطة مكونة من ثمانية أبناء. واضطر إلى ترك الدراسة في سن مبكرة لمساعدة والده في تحمل أعباء المعيشة، لكنه لم يتخلَّ عن الموسيقى، التي بدأت علاقته بها منذ طفولته، متأثرًا بالغناء الشعبي الذي كان يسمعه داخل أسرته.

وفي عام 1938، كانت انطلاقته الفنية من خلال مسابقة غنائية نظمتها إذاعة الشرق الأدنى في بيروت، وتنافس فيها عشرات المواهب، ليحصد المركز الأول في الغناء والتلحين والأداء بأغنية «يا مرسل النغم الحنون». ومن هنا ارتبط اسمه بلقب «الصافي» بسبب صفاء صوته وقوته، قبل أن يصبح لاحقًا معروفًا بألقاب «صوت الجبل» و«مطرب الأرز».

تجربة مصر والبرازيل.. محطات لم تخلُ من التعثر

لم تكن رحلة الصافي الفنية مستقيمة منذ بدايتها، فقد حاول دخول الساحة المصرية خلال أربعينيات القرن الماضي، وسافر إلى القاهرة عام 1944، حيث استقبلته الفنانة نور الهدى وساعدته، لكنه لم يحقق النجاح الذي كان يطمح إليه، فعاد إلى لبنان لاستكمال مشواره.

كما خاض تجربة الغناء في البرازيل، حيث سافر مع فرقة فنية عام 1947، وأقام هناك حتى عام 1950، مقدمًا أعمالًا للجاليات اللبنانية والعربية، حملت مشاعر الحنين إلى الوطن والأهل. ولم تكن رحلاته الخارجية خالية من الخسائر المالية؛ إذ كشف في حوار صحفي قديم عن تعرضه لخسارة مادية خلال رحلة فنية إلى الولايات المتحدة، بسبب تعثر متعهد الحفل وخسارته أمواله في لعب القمار، مشيرًا إلى أن ما حصل عليه من أجر ساعده في سداد إيجار منزله وبناء منزل لأسرته.

انتقادات في بداياته.. ورد حاسم من وديع الصافي

ومن أبرز المواقف التي تحدث عنها الصافي في حوار صحفي أجرته معه صحيفة «النهار» عام 2002، الانتقادات التي واجهها في بداياته بسبب اعتماده على الغناء الشعبي والعتابا والمواويل، إذ قال إن البعض وصفه بأنه «مطرب العنزة والسطوح والقرميد»، لكنه أكد أنه لم يلتفت إلى تلك التعليقات، معتبرًا أن استمرار الحديث عنه كان دليلًا على تأثيره.

كما تحدث عن محاولات محاربته فنيًا، ورأى أن الأغنية اللبنانية الشعبية لم تكن تحظى في البداية بالتقدير الكافي لدى بعض الأوساط، قبل أن يعمل على تقديمها في قوالب موسيقية أوسع، تجمع بين التراث والتوزيع الأوركسترالي، وتصل إلى جمهور من مختلف الطبقات الاجتماعية.

وفي الحوار نفسه، عبّر عن اعتزازه بجذوره اللبنانية، وتحدث عن دوره في ربط المغتربين بوطنهم من خلال الأغنيات، كما قال عن معتقداته الشخصية: «إنني محافظ ولست متعصبًا»، مؤكدًا تقديره للناس على اختلاف خلفياتهم.

خلافه مع شركة روتانا.. اتهامات بالإهمال وفسخ التعاقد

ومن الأزمات التي ارتبطت باسم وديع الصافي في سنواته الأخيرة خلافه مع شركة «روتانا» للإنتاج الفني، والذي ظهر إلى العلن عام 2008، بعدما أعلن فسخ تعاقده معها، معترضًا على ما وصفه بإهمال اسمه وتاريخه الفني، وعدم تقدير حقوقه المعنوية والمادية.

ووفقًا لما نشرته صحيفة «الراي» الكويتية في نوفمبر 2008، وجّه الصافي انتقادات حادة للشركة، معتبرًا أنها لا تقدر الفن الراقي ولا تكرم رواد الأغنية العربية، كما أعلن اتجاهه إلى مواصلة نشاطه من خلال الإنتاج الخاص، بمساندة نجليه أنطوان وجورج.

وجاء موقفه في سياق خلافات أوسع شهدتها تلك الفترة بين عدد من الفنانين وشركات الإنتاج بشأن سياسة الاحتكار وحقوق عرض الأغنيات المصورة وتنظيم الحفلات، وهو ما جعل أزمة الصافي واحدة من المواقف التي عكست اعتراض بعض رموز الغناء على طريقة إدارة العلاقة بين الفنان وشركات الإنتاج.

مواقفه من الفن والاعتزال

كان وديع الصافي من الفنانين الذين تمسكوا باللون الغنائي الذي قدموه، وعبّر في لقاءاته عن رفضه لما اعتبره تراجعًا في مستوى بعض الأعمال الفنية، كما لم يكن متحمسًا لفكرة الاعتزال طالما ظل قادرًا على الغناء والعطاء.

وفي حواره مع «النهار»، ظهر تمسكه بمكانته الفنية واعتزازه بما قدمه، مؤكدًا أن الصوت الذي منحه الله إياه يمثل مسؤولية فنية لا يرغب في التخلي عنها. كما كان يعتز بتقديم التراث اللبناني إلى جمهور أوسع، من خلال دمج العتابا والميجانا وأبو الزلف في أعمال غنائية وصلت إلى المسارح والبيوت العربية.

أشهر أعماله السينمائية والغنائية

لم يقتصر مشوار وديع الصافي على الغناء والتلحين، بل شارك أيضًا في عدد من الأفلام السينمائية، من بينها «الخمسة جنيه»، و«غزل البنات»، و«اللحن الأول»، و«أنت عمري»، و«ليالي الشرق»، و«موال»، و«نار الشوق»، و«الاستعراض الكبير».

أما على المستوى الغنائي، فقد ترك مجموعة كبيرة من الأعمال التي ارتبطت باسمه، من أبرزها «دار يا دار»، و«على رمش عيونها»، و«لبنان يا قطعة سما»، و«عندك بحرية يا ريس»، و«ويلي لو يدرون»، و«جاروا الحبايب»، إلى جانب «عظيمة يا مصر يا أرض النعم».

وتعاون خلال مسيرته مع مجموعة من كبار الشعراء والملحنين، من بينهم الأخوان رحباني، ومحمد عبد الوهاب، وفريد الأطرش، وزكي ناصيف، وفيلمون وهبي، كما جمعته علاقات فنية وإنسانية بعدد من نجوم الغناء العربي.

 أزمة صحية وجراحة القلب قبل الرحيل

وعلى المستوى الصحي، خضع وديع الصافي لجراحة قلب مفتوح عام 1990، وفقًا لما تناولته تقارير عن مسيرته، لكنه واصل نشاطه الفني بعد ذلك، وظل حاضرًا في الحفلات والمناسبات الفنية لسنوات طويلة.

وفي 11 أكتوبر عام 2013، رحل الفنان اللبناني عن عمر ناهز 92 عامًا، عقب تعرضه لوعكة صحية نقل على إثرها إلى أحد مستشفيات بيروت، تاركًا وراءه مسيرة فنية امتدت لنحو 75 عامًا، وأكثر من خمسة آلاف أغنية وفقًا لما أوردته مصادر سيرته الفنية.

وبقي وديع الصافي واحدًا من أبرز الأصوات التي ساهمت في تشكيل هوية الأغنية اللبنانية، بعدما تجاوزت أعماله حدود بلاده، وحملت إلى الجمهور العربي ملامح التراث الجبلي والموسيقى الشعبية، لتظل أغنياته حاضرة في الذاكرة الفنية رغم مرور سنوات على رحيله.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء