رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من أضواء المسرح إلى ألسنة اللهب.. حكاية الأوبرا الخديوية التي وثقتها الكاميرا

إيجبتكِ

تحل اليوم الأحد، الأول من نوفمبر، ذكرى افتتاح دار الأوبرا الخديوية عام 1869، ذلك الصرح الذي ارتبط بتاريخ النهضة الفنية والثقافية في مصر، قبل أن تنتهي حكايته بحادث مأساوي في 28 أكتوبر 1971، بعدما التهمت النيران المبنى التاريخي بما احتواه من مقتنيات وديكورات وملابس ونوت موسيقية، لتتحول واقعة الحريق إلى واحدة من أبرز الأحداث التي استوقفت صناع الأفلام التسجيلية والمهتمين بتوثيق الذاكرة الفنية المصرية.

ولم يقتصر حضور الأوبرا الخديوية في التاريخ على كونها أول دار أوبرا في مصر وأفريقيا والشرق الأوسط، بل امتد إلى الأعمال الفنية التي احتضنتها خشبتها على مدار أكثر من قرن، وصولًا إلى الأفلام الوثائقية التي حاولت استعادة تفاصيل المكان والليلة التي اختفى فيها المبنى من خريطة القاهرة.

«حريق القاهرة».. كاميرا ألمانية توثق اللحظات الأخيرة للأوبرا

من أبرز الأعمال التي تناولت حريق الأوبرا الخديوية الفيلم الوثائقي «حريق القاهرة»، للمخرج كمال عبد العزيز، والذي عُرض بمركز الهناجر للفنون عام 2014، ويمثل وثيقة سينمائية نادرة للواقعة، بعدما نجح المخرج في الوصول إلى تسجيل مصور للحريق التقطه مصور ألماني كان موجودًا بالقرب من المبنى وقت اندلاع النيران.

وتكمن أهمية الفيلم في احتفاظه بمشاهد حية للحريق، بداية من اشتعال النيران وحتى انهيار أجزاء من المبنى، وهي لقطات لم تكن متاحة على نطاق واسع من قبل. ولم يعتمد العمل على المادة الأرشيفية وحدها، بل استعان بشهادات 13 شخصية عاصرت الأوبرا وعملت داخلها، من بينهم الفنان حسن كامي، والمطربة رتيبة الحفني، وراقصة الباليه ماجدة صالح، وصالح عبدون، آخر مدير للأوبرا القديمة، إلى جانب فنيين وعاملين وحارس المبنى.

ومن خلال هذه الشهادات، استعاد الفيلم ذكريات العاملين مع الأوبرا، وما احتضنته من عروض ومقتنيات، كما طرح تساؤلات حول ظروف الحريق والأسباب التي أدت إلى ضياع هذا الصرح الفني. 

«حريق الأوبرا 1971».. فيلم وثائقي يعيد فتح ملف الحادث

وفي سبتمبر 2026، أُعلن عن إنتاج فيلم وثائقي جديد بعنوان «حريق الأوبرا 1971»، من إنتاج قطاع الإنتاج الوثائقي بالشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، استعدادًا لعرضه على قناة «الوثائقية».

ويستعيد الفيلم تاريخ دار الأوبرا الخديوية منذ تأسيسها وافتتاحها، مرورًا بمكانتها في الحياة الثقافية والفنية المصرية، وصولًا إلى الحريق الذي دمر المبنى في أكتوبر 1971.

ويعتمد العمل على مواد أرشيفية نادرة وشهادات لفنانين ومثقفين وباحثين ومؤرخين، إلى جانب عدد من شهود العيان الذين عاصروا الواقعة، بهدف تقديم قراءة توثيقية لتفاصيل الحريق وملابساته، وإعادة إحياء ذاكرة المكان الذي كان شاهدًا على جانب مهم من تاريخ الفن في مصر. 

«عايدة» و«ريجوليتو».. عروض صنعت تاريخ الأوبرا الخديوية

وقبل أن تصبح الأوبرا موضوعًا للأفلام التسجيلية، كانت خشبتها مسرحًا لأعمال أوبرالية عالمية تركت بصمتها في تاريخ الموسيقى والفنون. فقد أراد الخديوي إسماعيل افتتاحها بعرض أوبرا «عايدة» للموسيقار الإيطالي جوزيبي فيردي، إلا أن العمل لم يكن قد اكتمل في الموعد المحدد، فشهدت الدار عرض أوبرا «ريجوليتو» بدلًا منها.

وبعد ذلك، قُدمت أوبرا «عايدة» للمرة الأولى على خشبة الأوبرا الخديوية في ديسمبر 1871، لتصبح من أبرز الأعمال المرتبطة بتاريخ المكان، خاصة أن قصتها استلهمت الحضارة المصرية القديمة، وجمعت بين التاريخ والموسيقى والاستعراض المسرحي.

واستضافت الأوبرا على مدار سنوات نشاطها عروضًا فنية وموسيقية متنوعة، ولم تكن مجرد مكان لتقديم العروض، بل مساحة التقت فيها الفنون الأوروبية بالاهتمام المصري بالموسيقى والمسرح والباليه. 

 28 أكتوبر 1971.. ليلة اختفى فيها أحد أهم معالم القاهرة

في الساعات الأولى من صباح 28 أكتوبر 1971، اندلعت النيران داخل مبنى الأوبرا الخديوية بمنطقة الأزبكية، واستمر الحريق نحو ست ساعات، حتى التهم المبنى الخشبي بالكامل، بما يضمه من ديكورات وملابس وإكسسوارات ومقتنيات ارتبطت بالعروض التي قُدمت على خشبته منذ افتتاحه.

وأثار الحريق تساؤلات حول أسبابه، خاصة مع تداول روايات وشهادات لبعض العاملين السابقين تحدثت عن اختفاء مقتنيات من المبنى قبل الحادث، وطرحت احتمالات بشأن ظروف اندلاع النيران. ومع ذلك، فإن هذه الروايات لا تمثل دليلًا قاطعًا على وجود شبهة جنائية، وتظل تفاصيل الواقعة محل اهتمام الباحثين والمهتمين بتاريخ الأوبرا.

ولم يتبقَّ من المبنى التاريخي سوى تمثالي «الرخاء» و«نهضة الفنون» للفنان محمد حسن، ليظلا شاهدين على دار كانت يومًا من أبرز علامات القاهرة الثقافية. 

 من الأوبرا الخديوية إلى دار الأوبرا المصرية الحالية

وبعد نحو 17 عامًا من الحريق، عادت دار الأوبرا إلى المشهد الثقافي المصري من خلال افتتاح دار الأوبرا المصرية الحالية بمنطقة الجزيرة في الزمالك، يوم 10 أكتوبر 1988، بالتعاون مع الجانب الياباني، لتستعيد القاهرة وجود مؤسسة كبرى تحتضن الفنون الموسيقية والمسرحية والاستعراضية.

ورغم اختلاف المبنى الجديد عن الأوبرا الخديوية القديمة، فإن الارتباط بينهما ظل حاضرًا في الذاكرة الفنية، خاصة أن الحريق لم ينهِ تاريخ الأوبرا بوصفها مؤسسة ثقافية، وإنما أنهى وجود مبناها التاريخي الذي ارتبط بأجيال من الفنانين والموسيقيين.

وهكذا، لم تعد حكاية الأوبرا الخديوية مجرد واقعة حريق مضى عليها أكثر من نصف قرن، بل أصبحت مادة وثائقية وفنية تستعيدها الكاميرا والشهادات والأرشيف، لتبقى تفاصيل الصرح الذي افتُتح عام 1869 حاضرة في الذاكرة المصرية، حتى بعد أن غابت جدرانه عن شوارع القاهرة. 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء