رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

 

 

شاهدت فيلم آخر رقصة في كيبور - The Last Dance In Kippur، والذي كتبه وانتهجه المخرج والموسيقار كريم عبد الوهاب، فشدني جدا اسم الفيلم وتفاصيله الدقيقة التي تناول بها انتصارات حرب أكتوبر المجيدة، لا سيما مع تجسيده استثنائيا لأدق كواليس الفترة الممتدة بين 3 و6 أكتوبر عام 1973.
ينتقل العمل بسلاسة بصرية مذهلة بين القاهرة وغرف عمليات القيادة العامة للقوات المسلحة المصرية، وبين بيت رئيسة الوزراء الإسرائيلية جولدا مائير واجتماعات الطوارئ في قيادة الأركان والموساد، مستعرضا استراتيجيات الخداع، ودور الاستخبارات، وبطولات الضفادع البشرية في تعطيل أنابيب النابالم، وصولا إلى فتح خط بارليف بخراطيم المياه وتشييد الكباري وتهاوي حصون العدو.

هذا المزيج السينمائي المحكم بلغت تكلفة إنتاجه نحو مليون و200 ألف جنيه مصري واستغرق تنفيذه 40 يوما من العمل المتواصل تحت إشراف المخرج والموسيقار كريم عبد الوهاب، وبدعم بحثي وتاريخي عسكري دقيق من المجموعة 73 مؤرخين، ليتوج ذلك الإنجاز بعرض ممتع وموثق يمتد لـ 33 دقيقة.

تتجلى قيمة هذا الفيلم في استخدامه المبتكر لتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي ومزجها بالأداء والإنتاج البشري، مما يبرهن على أن التكنولوجيا الحديثة أصبحت أداة استراتيجية في التوثيق التاريخي وصناعة السينما التي تماثل الواقع بدقة متناهية.
لقد نجحت هذه التقنية في إعادة خلق الملامح والانفعالات وتفاصيل الشخصيات التاريخية المؤثرة في الحرب بآلية حققت أعلى مستويات المصداقية والواقعية البصرية فرأينا كل الشخصيات التي كانت وراء هذا الانتصار وعلي رأسهم بطل الحرب والسلام الرئيس الراحل محمد أنور السادات وحرمه السيدة جيهان السادات ورصد لما حدث داخل بيته قبل المعركة. هذا النوع من الإنتاج البصري المبهر يتيح إمكانية إعادة بناء المعارك الكبرى والساحات العسكرية المعقدة دون الحاجة إلى الميزانيات الضخمة المعطلة أو القيود اللوجستية، مما يمهد الطريق لثورة سينمائية عربية تعيد تقديم أمهات القضايا والبطولات الوطنية بمرونة فائقة وكفاءة بصرية تضاهي الإنتاجات العالمية.

تزداد أهمية هذه التجربة بالنظر إلى المطالبات المتكررة على مدار عقود بإنتاج أعمال سينمائية تؤرخ لنصر أكتوبر العظيم، فقد نادى الرئيس الأسبق الراحل محمد حسني مبارك بضرورة إنتاج عمل ملحمي ضخم يوثق الحرب، وبدأت إدارة الشؤون المعنوية بالفعل في التحضير له، غير أن الميزانيات الضخمة المطلوب توفيرها أوقفت الإنتاج، لا سيما مع التخوفات التي أحاطت بكون كاتب السيناريو هو الكاتب الراحل أسامة أنور عكاشة لانتمائه الناصري وما قيل وقتها حول عدم إنصافه للرئيس الراحل أنور السادات، لتظل المكتبة السينمائية تعتمد لعقود طويلة على عدد محدود من الأفلام التقليدية التي أُنتجت عقب الحرب مباشرة مثل الرصاصة لا تزال في جيبي، والوفاء العظيم، والعمر لحظة، وأبناء الصمت، وبدور.

هنا تتجلى عبقرية تقنية الذكاء الاصطناعي في تجاوز عقبة التكاليف الباهظة، وإتاحة الفرصة لإنتاج أعمال توثق البطولات التاريخية بدقة متناهية وبأقل التكاليف، فضلا عن استحضار بطولات حرب الاستنزاف المليئة بالملحمية عقب نكسة 1967، وهو ما تجسد في نجاح فيلم الممر الذي حقق إيرادات ضخمة ونسب مشاهدة مرتفعة، مما يؤكد أن الشغف بهذه الأعمال حاضر بقوة وأن إنتاجها بتقنيات حديثة يضمن نجاحها وتواجدها بقوة في دور العرض السينمائي.

إن التوسع في توظيف الذكاء الاصطناعي لصياغة وتوثيق التاريخ يكتسب أهمية قصوى في الراهن الثقافي، إذ يُشكل جسرا معرفيا وبصريا حيا نحو الجيل الجديد الذي يتربى في أحضان الثقافة الرقمية الشديدة البصرية. إن شريحة واسعة من الشباب والأجيال الصاعدة باتت تتلقى المعرفة عبر الشاشات وتستجيب للمحاقاة التفاعلية، وكان التحدي دائما يكمن في كيفية نقل أحداث مفصلية كنصر أكتوبر لجيل لم يعايش الحرب ولم يلمس تفاصيلها إلا كرمزية أو عطلة رسمية.

يأتي استخدام الذكاء الاصطناعي هنا ليملأ هذه الفجوة المعرفية، محولا النصوص والتوثيقات التاريخية الصامتة إلى مشاهد حيّة تنبض بالواقعية وتلهم الوعي والوجدان، مكرسة قدرة التكنولوجيا الذكية على صون الهوية القومية وتعميق قيم الفخر والانتماء.

وهنا أؤكد أن هذه التجربة تستحق كل الإشادة والتقدير للمخرج والموسيقار كريم عبد الوهاب الذي وقف وراء خروج فيلم «آخر رقصة في كيبور - The Last Dance In Kippur» إلى النور؛ فقد جمع ببراعة بين مهاراته الموسيقية والرؤية الإخراجية المتطورة، وحمل على عاتقه تجربة شجاعة تخطت العقبات الإنتاجية التقليدية ومزجت بين الأداء البشري وتقنيات الذكاء الاصطناعي لتحقيق أعلى درجات المصداقية والواقعية البصرية.

إن هذا الجهد العظيم يثبت أن الفيلم ليس مجرد شريط سينمائي عابر، بل هو وثيقة تاريخية وفنية راسخة تُقدَم برؤية معاصرة تخاطب وجدان الأجيال التي لم تشهد النصر، لتبقى البطولات الوطنية حية في الوعي الجمعي، ومؤكدة على أن تطور التكنولوجيا، حين يمتزج بالإرادة الصادقة والبحث التاريخي الدقيق، يغدو درعا فكريا يحمي التاريخ من النسيان ويصون قيم العزيمة الوطنية ليراها ويستوعبها كل جيل جديد بنفس درجة الذهول والإلهام.
[email protected]

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء