رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

هل كانت الدراما قديمًا تبني المجتمع وأصبحت اليوم تهدمه كما يقال ويشاع أم أننا نحاكم حكايات الأمس بمعايير اليوم ونتجاهل أن المجتمع نفسه لم يعد كما كان؟

 

هذا السؤال يتجدد كلما ظهرت حكاية درامية تثير الجدل حول القيم والعلاقات الإنسانية لكن قبل أن نحكم على الدراما بأنها تصنع الوعي أو تهدمه علينا أن نسأل أنفسنا هل الدراما هي التي تصنع المجتمع أم أن المجتمع هو الذي يمدها بحكاياته الحقيقة أن العلاقة بينهما متبادلة فالدراما تستلهم الواقع وتعيد تقديمه وقد تدفع المشاهد أيضًا إلى مراجعة أفكاره ومواقفه.

 

ومن هنا تأتي المقارنة بين زينب في مسلسل هي والمستحيل ونورا في مسلسل طالع نازل امرأتان تفصل بينهما سنوات طويلة وتختلف ظروفهما وطبيعة علاقتهما بالرجل لكن حكايتيهما تفتحان بابًا واحدًا لفهم ما تغير في حياة المرأة وما لم يتغير في احتياجاتها الإنسانية.

 

زينب التي جسدتها صفاء أبو السعود بدأت رحلتها بوعي محدود بحقوقها وقدرتها على الاختيار عاشت مع صلاح الذي لم يمنحها القبول الذي كانت تبحث عنه وظلت تحاول أن تجد لنفسها مكانًا في حياة لا تشعر فيها بأنها مرغوبة لكن التعليم والوعي غيرا نظرتها إلى نفسها فلم تعد ترى أن مصيرها يتوقف على رضا زوجها أو أن العودة إليه هي النهاية الوحيدة الممكنة اختارت ألا تعود إليه واتجهت إلى بداية جديدة مع جارها الذي ساندها ووقف إلى جوارها.

 

لم يكن التحول الحقيقي في حكاية زينب أنها تعلمت القراءة فحسب بل أنها بدأت تدرك أن لها حقًا في الاختيار وأن الكرامة لا ينبغي أن تكون ثمنًا تدفعه المرأة كي تحتفظ بعلاقة لا تمنحها الأمان كما أن وجود من يساندها ساعدها على اكتشاف أن الخروج من واقع مؤلم ليس مستحيلًا.

 

أما نورا التي تجسدها منى زكي في مسلسل طالع نازل فتعيش تجربة مختلفة فهي امرأة ناجحة وشريكة في العمل والحياة ومديرة لزوجها علي داوود الذي يجسده محمد شاهين لم تبد علاقتها به قائمة على الزواج وحده بل على الصداقة والحب والتفاهم والشراكة لذلك جاء اكتشاف زواجه السري من مي وحملها منه صدمة تتجاوز الخيانة نفسها إذ وجدت نورا نفسها أمام حقيقة لم تكن تتوقعها من الرجل الذي اعتقدت أنها تعرفه وتثق به.

 

وهنا يظهر الفارق بين الوجعين زينب كانت تحاول أن تنال قبولًا لم تجده منذ البداية بينما نورا اعتقدت أن القبول والثقة موجودان بالفعل الأولى احتاجت إلى الوعي والدعم كي ترى طريقًا آخر لحياتها والثانية وجدت عالمها يهتز حين اكتشفت أن الحب والصداقة والنجاح المشترك لا تضمن وحدها صدق الطرف الآخر.

 

فالمرأة القوية ليست امرأة لا تحتاج إلى الاحتواء بل امرأة تستطيع أن تستقل بحياتها وفي الوقت نفسه ترغب في شريك يمنحها الحنان والأمان فالاحتواء ليس ضعفًا والاستقلال لا يلغي الحاجة إلى الحب وربما يفسر ذلك جانبًا من غضب نورا ورغبتها في الانتقام فهي لا تواجه خيانة زوج فحسب بل انهيار ثقة في شخص كان بالنسبة إليها صديقًا وحبيبًا وشريك حياة.

لا زينب أقوى بالضرورة من نورا ولا نورا أضعف منها فلكل منهما ظروفها ووعيها وطبيعة الخذلان الذي واجهته كما أن عرض الخيانة أو الألم على الشاشة لا يعني بالضرورة الترويج لهما فالفارق الحقيقي يكمن في كيفية معالجة الحكاية وما تتركه لدى المشاهد من أسئلة ومعان.

ربما لم تتغير الدراما وحدها بل تغيرت الحياة وتبدلت معها نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى الآخرين وأصبح من الضروري أن نقرأ كل حكاية في زمنها وظروفها قبل أن نصدر أحكامنا عليها فالمشكلة ليست في اختلاف زينب عن نورا بل في أن كلتيهما امرأة لها تجربتها الخاصة ووعيها المختلف ووجعها الذي لا يشبه بالضرورة وجع الأخرى.

 

فهل كانت الدراما القديمة أكثر قدرة على بناء الوعي أم أن المجتمع نفسه كان يطرح أسئلة مختلفة وهل أصبحت الدراما الحديثة أكثر جرأة أم أننا أصبحنا نرى على الشاشة ما لم نكن نريد الاعتراف بوجوده ربما لا تكون الإجابة في المفاضلة بين الأمس واليوم بل في قدرتنا على فهم ما تغير فينا وما زال يحتاج إلى التغيير.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء