رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

لا ينبغي المبالغة في الرهان على نتائج الانتخابات الإسرائيلية، أو التعامل معها باعتبارها نقطة تحول حاسمة في مستقبل المنطقة؛ فسواء احتفظ بنيامين نتنياهو برئاسة الحكومة أو انتقلت السلطة إلى منافسيه، فإن تغيير رئيس الوزراء لا يعني بالضرورة تغيير السياسات التي تحكم سلوك إسرائيل تجاه القضية الفلسطينية وإيران وبقية الملفات الإقليمية، المسألة أعمق من المنافسة بين أسماء تتصدر المشهد الانتخابي، وترتبط بطبيعة النظام السياسي الإسرائيلي، وحسابات الائتلافات الحزبية، وموازين القوى بين التيارات التي تتنافس على السلطة، فضلا عن رؤية استراتيجية تشكلت على مدار سنوات، وتتعامل مع القوة العسكرية باعتبارها أداة أساسية لفرض الوقائع وإدارة الصراع.

 

من الخطأ التعويل على الانتخابات الإسرائيلية باعتبارها بوابة تلقائية لتغيير سياسات الاحتلال، أو انتظار أن يحمل رحيل بنيامين نتنياهو، إن حدث، نهاية لنهج استمر لعقود، المشكلة لا تختزل في شخص رئيس الحكومة، مهما كان حضوره وتأثيره، وإنما تمتد إلى منظومة سياسية تتنافس أحزابها على السلطة، بينما تتقاطع مواقف قطاعات مؤثرة فيها حول قضايا أساسية، في مقدمتها التعامل مع الفلسطينيين، والتوسع الاستيطاني، وفرض الوقائع بالقوة وقد يختلف المتنافسون في أسلوب إدارة الصراع، أو في حجم التصعيد الذي يرونه مناسبا، أو في طريقة التعامل مع الضغوط الأميركية والدولية، لكن هذه الاختلافات لا تعني بالضرورة خلافا على جوهر السياسات القائمة، إسقاط نتنياهو انتخابيا، إن تحقق، لا يسقط الاحتلال، وتغيير رئيس الحكومة لا يعيد الحقوق الفلسطينية، وتبديل الائتلاف الحاكم لا يوقف الاعتداءات ما لم يتغير النهج نفسه

 

ستظل غزة الاختبار الأوضح لأي حديث عن تغير السياسة الإسرائيلية، المعيار الحقيقي لا يرتبط بالخطاب الانتخابي أو الوعود التي تقدمها القوى المتنافسة، وإنما بما ستتبناه الحكومة من مواقف تجاه وقف الحرب، وحماية المدنيين، وإدخال المساعدات الإنسانية، ومستقبل القطاع، وحقوق الشعب الفلسطيني السياسية والوطنية كما أن التعامل مع الضفة الغربية والاستيطان لن يقل أهمية؛ لأن استمرار فرض الوقائع على الأرض يضعف فرص التسوية، ويجعل الحديث عن السلام منفصلا عن الشروط الضرورية لتحقيقه وإذا جاءت قيادة جديدة واكتفت بتحسين خطابها أمام المجتمع الدولي، بينما استمرت الممارسات نفسها، فلن يكون التغيير قد تجاوز حدود الصورة السياسية.

 

التجربة تكشف أن اختلاف القيادات الإسرائيلية لا يعني بالضرورة اختلافا جذريا في الأهداف فقد يتباين السياسيون في طريقة عرض مواقفهم، وفي قدرتهم على التواصل مع العواصم الغربية، وفي حساباتهم المتعلقة بالكلفة السياسية والعسكرية، لكن هذه الفروق لا تتحول تلقائيا إلى مراجعة للسياسات القائمة وقد تكون القيادة الأكثر هدوءا في خطابها أقدر على تخفيف الضغوط الخارجية واستعادة قنوات التواصل مع الدول التي توترت علاقاتها بإسرائيل بسبب الحرب في غزة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة استعدادها لتقديم تنازلات جوهرية للفلسطينيين ومن ثم، فإن الحكم على أي حكومة إسرائيلية يجب أن يستند إلى قراراتها وممارساتها، لا إلى الانطباعات التي تصنعها صورتها الجديدة.

 

وينطبق الأمر ذاته على الملف الإيراني، الذي يتجاوز الحسابات الانتخابية المباشرة إلى اعتبارات أمنية واستراتيجية راسخة في التفكير الإسرائيلي، الحرب على إيران مع إيران وبرنامجها النووي ونفوذها الإقليمي، ملفات ستظل حاضرة على جدول أعمال أي حكومة مقبلة، وإن اختلفت وسائل التعامل معها بين التصعيد المباشر والضغط السياسي والأمني والتحرك الدبلوماسي كما أن طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة ستظل عاملا مؤثرا في تحديد هامش الحركة الإسرائيلية، خصوصا في ظل ارتباط الحسابات الأمنية الإسرائيلية بالدعم الأميركي والتنسيق الاستراتيجي بين الجانبين.

 

وفي هذا السياق، لا يمكن فصل الانتخابات الإسرائيلية عن موقف واشنطن، ولا سيما أن الإدارة الأميركية توازن بين اعتبارات الشراكة مع إسرائيل، وحسابات الاستقرار الإقليمي، وتداعيات أي مواجهة واسعة مع إيران، وقد تكون للقيادة الإسرائيلية الجديدة فرصة لإعادة ترتيب علاقتها بالإدارة الأميركية أو تقديم نفسها بصورة مختلفة أمام المجتمع الدولي، لكن ذلك لا يعني أن المصالح الاستراتيجية الأميركية أو الإسرائيلية ستتبدل بمجرد تغير اسم رئيس الحكومة، العلاقات بين الدول لا تبنى على الأفراد وحدهم، وإنما على المصالح والتحالفات والاعتبارات الأمنية التي تحدد اتجاهاتها على المدى الطويل.

 

أما عربيا، فإن قراءة نتائج الانتخابات ينبغي أن تنطلق من متابعة السياسات الفعلية، بعيدا عن التعويل المسبق على تغير الأشخاص، المطلوب هو قياس أي تحول إسرائيلي بمدى انعكاسه على حقوق الفلسطينيين، ووقف الاعتداءات، واحترام القانون الدولي، وتهيئة الظروف أمام تسوية سياسية عادلة، كما أن الحفاظ على المصالح العربية يتطلب إدراك أن تبدل الخطاب الإسرائيلي قد يكون مهما في بعض الظروف، لكنه لا يغني عن وجود مواقف واضحة وآليات سياسية ودبلوماسية قادرة على التعامل مع الوقائع الجديدة، ومنع تحويل التحولات الانتخابية إلى غطاء لاستمرار السياسات ذاتها.

 

لا تكمن أهمية الانتخابات الإسرائيلية في رئيس الوزراء الجديد بل في قدرتها على إحداث تغيير ملموس في مسار الصراع، إذا تغيرت القيادة وبقي الاحتلال، واستمرت السياسات ذاتها تجاه غزة والضفة الغربية، وظلت المواجهة مع إيران محكومة بمنطق التصعيد وفرض الإرادة بالقوة، فإن ما حدث سيكون أقرب إلى إعادة ترتيب للمشهد السياسي منه إلى تحول استراتيجي.

 


الوجوه تتغير، و اللغة ووسائل إدارة الملفات قد تختلف لكن الاختبار الحقيقي يظل في القرارات التي تمس حياة الشعوب وأمن المنطقة ومستقبل التسوية، التغيير الذي لا يصل إلى السياسات لا يصنع واقعا جديدا، والرهان على الانتخابات وحدها يظل رهانا ناقصا ما لم تصاحبه مراجعة حقيقية للنهج الذي أبقى الصراع مفتوحا وأبعد المنطقة عن الاستقرار.

 

اللواء د. رضا فرحات
أستاذ العلوم السياسية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء