رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

ذكرى رحيله «طه حسين».. تحدى فقدان البصر وصنع علامة فارقة في تاريخ الثقافة المصرية

إيجبتكِ

تحل اليوم، 28 أكتوبر، ذكرى رحيل الدكتور طه حسين، أحد أبرز رموز الفكر والأدب في مصر والعالم العربي، والذي ترك بصمة بارزة في الحياة الثقافية والفكرية، من خلال مؤلفاته النقدية والأدبية ومواقفه الداعية إلى التنوير وتطوير التعليم، ليظل اسمه حاضرًا في ذاكرة الثقافة العربية رغم مرور سنوات طويلة على رحيله عام 1973.

لم تكن رحلة طه حسين مجرد مسيرة أديب ومفكر، بل تجربة استثنائية استطاع خلالها تجاوز فقدان البصر في طفولته، ليصبح واحدًا من أبرز دعاة المعرفة والتجديد الفكري، ويحمل عن جدارة لقب «عميد الأدب العربي».

من كتاب القرية إلى رحاب الجامعة

وُلد طه حسين في 14 نوفمبر 1889 بقرية الكيلو، بالقرب من مغاغة بمحافظة المنيا، ونشأ في أسرة بسيطة، وفقد بصره وهو في الرابعة من عمره إثر إصابته بالرمد، كما أن هذه المحنة لم تمنعه من مواصلة رحلته مع العلم، بعدما ألحقه والده بكُتّاب القرية، حيث أظهر قدرة لافتة على الحفظ والاستيعاب، فتعلم القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم.

وفي عام 1902، التحق بالأزهر الشريف لمواصلة دراسته، لكنه لم يجد في أساليب التعليم التقليدية ما يلبي طموحه الفكري، خاصة مع ميله إلى البحث والمناقشة والتجديد.

وحصل طه حسين على درجة الدكتوراه عام 1914 عن رسالته «ذكرى أبي العلاء»، التي تناول فيها الشاعر والفيلسوف أبا العلاء المعري، وأثارت مناقشات وانتقادات واسعة في الأوساط الثقافية والدينية، لتكون بداية سلسلة من المعارك الفكرية التي ارتبطت بمسيرته.

وفي العام نفسه، أُوفد في بعثة علمية إلى فرنسا، حيث درس في جامعتي مونبلييه والسوربون، وتعمق في دراسة الأدب الفرنسي والتاريخ والفلسفة وعلم النفس.

 كما أعد أطروحته الثانية للدكتوراه حول الفلسفة الاجتماعية عند ابن خلدون، واستكمل دراساته في القانون الروماني، وهو ما أسهم في تشكيل رؤيته النقدية والمنهجية.

سوزان بريسو.. رفيقة رحلة العلم والحياة

احتلت زوجته الفرنسية سوزان بريسو مكانة مهمة في حياته الشخصية والعلمية، إذ كانت رفيقة دربه والداعم الأساسي له خلال سنوات الدراسة والعمل، وأسهمت في تيسير وصوله إلى الكتب والمعرفة، من خلال القراءة له ومساعدته في متابعة دراساته، فضلًا عن مساندته في مواجهة الصعوبات التي اعترضت طريقه.

ورُزق الزوجان طفلين، هما أمينة ومؤنس، وشكلت الأسرة جانبًا مهمًا من حياة الأديب الذي استطاع، بدعم المقربين منه وإصراره على التعلم، مواصلة إنتاجه الفكري والأدبي.

من الأستاذية إلى وزارة المعارف

بعد عودته إلى مصر، بدأ طه حسين مسيرته الأكاديمية أستاذًا للتاريخ اليوناني والروماني بالجامعة المصرية، ثم انتقل إلى تدريس الأدب العربي بكلية الآداب، وتولى عمادة الكلية، ليصبح أحد أبرز الوجوه المؤثرة في الحياة الجامعية.

وفي عام 1942، عُيّن مستشارًا لوزير المعارف، ثم تولى إدارة جامعة الإسكندرية، قبل أن يصبح وزيرًا للمعارف عام 1950. وخلال توليه الوزارة، تبنى توجهًا واضحًا نحو توسيع فرص التعليم، ودافع عن مجانية التعليم وإلزاميته، انطلاقًا من إيمانه بأن المعرفة حق للمجتمع وليست امتيازًا لفئة محدودة.

وارتبط اسمه بالدعوة إلى إتاحة التعليم أمام أبناء الشعب، وهي الرؤية التي عبّر عنها في كتابه «مستقبل الثقافة في مصر»، الذي ناقش فيه قضايا التعليم والهوية الثقافية وعلاقة مصر بالثقافة الأوروبية، إلى جانب أهمية الانفتاح على العالم مع الحفاظ على مقومات الشخصية الوطنية.

وفي مراحل لاحقة من حياته، واصل نشاطه الثقافي والأدبي، وعاد إلى الجامعة أستاذًا غير متفرغ، كما تولى رئاسة تحرير جريدة الجمهورية، وظل حاضرًا في النقاشات المتعلقة بالأدب والفكر والتعليم.

«في الشعر الجاهلي».. كتاب أشعل معركة فكرية

لم تكن أفكار طه حسين محل اتفاق دائم، فقد ارتبطت مسيرته بعدد من المعارك الفكرية التي عكست طبيعة المرحلة التي عاشها، خاصة مع كتابه «في الشعر الجاهلي»، الصادر عام 1926، والذي أثار جدلًا واسعًا بسبب المنهج النقدي الذي اتبعه في دراسة الشعر الجاهلي ومصادره.

وتعرض الكتاب لانتقادات حادة، ووصل الجدل حوله إلى ساحات القضاء والبرلمان، قبل أن يعيد طه حسين نشر أفكاره في صياغة معدلة تحت عنوان «في الأدب الجاهلي».

وعكست هذه المواجهات طبيعة مشروعه الفكري، القائم على إخضاع النصوص الأدبية والتاريخية للبحث والنقد، وهو ما جعله أحد أبرز رموز حركة التنوير في مصر خلال القرن العشرين، رغم استمرار الاختلاف حول بعض آرائه ومناهجه.

وإلى جانب معاركه النقدية، ترك طه حسين مؤلفات متنوعة في الأدب والتاريخ والفكر، من بينها «الأيام»، و«دعاء الكروان»، و«شجرة البؤس»، و«حديث الأربعاء»، و«مستقبل الثقافة في مصر»، التي تناولت قضايا المجتمع والهوية والتعليم، وأسهمت في إثراء المكتبة العربية.

«الأيام».. سيرة ذاتية تحولت إلى علامة أدبية

تظل رواية «الأيام» واحدة من أهم أعمال طه حسين وأكثرها حضورًا لدى القراء، إذ قدم من خلالها سيرته الذاتية، مستعرضًا طفولته في القرية، وتجربته مع فقدان البصر، ورحلته في طلب العلم، والصعوبات التي واجهها في طريقه إلى الجامعة.

واكتسب الكتاب مكانة خاصة لما جمعه بين السرد الأدبي والتأمل في التجربة الإنسانية، كما تحول إلى عمل درامي من خلال مسلسل تلفزيوني حمل الاسم نفسه، وجسد فيه الفنان أحمد زكي شخصية طه حسين، ليقدم سيرته إلى أجيال جديدة من المشاهدين.

كما تناول فيلم «قاهر الظلام» جوانب من حياته، وقام ببطولته الفنان محمود ياسين، في إطار الاهتمام الفني المستمر بتجربته الاستثنائية ومكانته في تاريخ الأدب المصري.

لم يقتصر تأثير طه حسين على مؤلفاته الأدبية والنقدية، بل امتد إلى قضايا التعليم والتجديد الثقافي، حيث دافع عن حق الإنسان في المعرفة، وشجع على إعمال العقل ومراجعة الأفكار السائدة، مع الاهتمام بالتراث العربي ودراسته من منظور نقدي.

ورحل طه حسين في 28 أكتوبر 1973، بعد مسيرة حافلة بالعطاء الأدبي والفكري، لكنه ترك وراءه إرثًا ظل حاضرًا في الجامعات والمدارس والندوات الثقافية، وأعمالًا ما زالت تثير النقاش حول الأدب والهوية والتنوير.

وفي ذكرى رحيله، يستعيد الوسط الثقافي سيرة رجل استطاع تحويل تحديات طفولته إلى دافع للمعرفة، وأن يجعل من الكتابة والتعليم وسيلتين للتغيير، ليبقى «عميد الأدب العربي» أحد الأسماء المؤسسة في تاريخ الفكر والثقافة المصرية الحديثة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء