رغم المرض.. حكايات شعراء وأدباء يكتبون بمداد الألم والأمل|خاص
رغم قسوة المرض وآلامه، تظل الكتابة المتنفس والملاذ الذي لا يتخلى عنه المبدعون، إذ يتجاوز حدود الجسد ليمنح الروح القدرة على المقاومة والاستمرار، وبين وجع التجربة وأمل النجاة، يواصل عدد من الشعراء والأدباء الكتابة والإبداع، مؤكدين أن الحرف هو طوق نجاة، وأن عشق الأدب لا يهزمه المرض أو الفراش، ومن بين أؤلئك على سبيل المثال لا الحصر الذين كابدوا المرض ومازالوا نبراسًا للثقافة والأدب سمير الفيل، فتحي عبدالسميع، درويش الأسيوطي، وإبراهيم رضوان، وإليكم ما قالوه عن المرض والكتابة، وذلك في تصريحات خاصة لـ"إيجبتك":
بين عاتمة البصر والكتابة
يقول الروائي والأديب سمير الفيل، إنه خضع أمس لإجراء عملية جراحية لإزالة المياه البيضاء من العين، موضحًا أنه كان قد شرع في كتابة قصة جديدة بعنوان "أحوال التوت"، قبيل اليوم الذي توجه فيه للمستشفى لإجراء العملية.
ويضيف الفيل أن قصة "أحوال التوت"، هي القصة الأخيرة في مجموعته القصصية الجديدة والتي تحمل عنوان "نقط مطر من خلف زجاج شفاف"، التي تضم 14 قصة، من بينها "بيت العدوي"، و"سحر الفينيك"، و"تلك الصخرة"، و"بائع الأقمشة"، مشيرًا إلى أن هذه المجموعة تحمل الرقم 33 في مسيرته الإبداعية.
مشاكل الحبل الشوكي وعشق الكتابة
وفي السياق، يعرب الشاعر والكاتب فتحي عبد السميع، عن عشقه البالغ للكتابة الأدبية، قائلًا إن الكتابة تمثل الحياة الحقيقية للكاتب، مؤكدًا أنه لا يستطيع أن يعيش بصورة سليمة دونها، وهو ما يدفعه إلى مواصلة العمل على مشروعات أدبية متعددة، بالتوازي مع انشغاله بالشعر والتأمل في تفاصيل الحياة والأحداث المحيطة به.
ويضيف عبد السميع أنه انتهى من كتاب «حزين وغضبان»، وتعاقد مع دار المرايا على نشره قريبًا، كما انتهى من ديوان شعري بعنوان «العقرب وهو يجري»، الذي تعاقدت دار المتوسط على نشره، إلى جانب كتاب «مقالات في ماهية الشعر»، المقرر صدوره قريبًا عن دار دائرة الثقافة بالشارقة، مشيرًا إلى أنه يواصل حاليًا كتابة الشعر كلما واتته الفكرة، ويعمل على كتاب جديد عن «الثأر»، معربًا عن أمله في الانتهاء منه قريبًا.
سيرة ومسيرة
ويوضح أن مسيرته مع الكتابة، التي تمتد لنحو ثلاثين أو أربعين عامًا، دفعته إلى التضحية بالكثير من جوانب حياته الاجتماعية والأسرية، من أجل التفرغ للقراءة والكتابة، لافتًا إلى أن الكاتب يحتاج إلى أن يكون قارئًا جيدًا ومطلعًا على مختلف فروع المعرفة، وهو ما استلزم منه تخصيص وقت طويل للعمل الأدبي على حساب علاقاته بالأقارب والأصدقاء.
ويتابع أنه يجد نفسه اليوم أمام تساؤل بشأن ما يمكن أن يفعله بعد كل هذه السنوات من التفاني في الكتابة والتضحيات التي قدمها من أجلها، مؤكدًا أن الكتابة أصبحت حياته الأساسية، وأنه لا يعرف لنفسه حياة أخرى بعيدًا عنها.
ويشير إلى أن استلهام الأفكار يبدأ لديه من التأمل في الأحداث المحيطة به، ومراجعة مسارات حياته وذكرياته، موضحًا أن تفصيله صغيرة، مثل زهرة واحدة، قد تفتح أمامه آفاقًا للتأمل تمتد لأيام وأسابيع، كما يستلهم كتاباته من ذكريات الطفولة، لافتًا إلى أنه كتب عن القمر في دواوينه السابقة، ومن بينها ديوان بعنوان «لو أنني القمر».
ظروف صحية وتجربة إبداعية
ويلفت إلى أن تجربته الإبداعية تتداخل مع ظروفه الصحية وفترات المرض، موضحًا أنه اعتاد العمل على مشروعاته الأدبية لساعات طويلة وأيام متواصلة، وهو ما ارتبط أحيانًا بمعاناته الصحية، ومنها مشكلات في الحبل الشوكي وتآكل في فقرات الرقبة نتيجة الانحناء لفترات طويلة أثناء القراءة.
ويستعيد عبد السميع إحدى المواقف التي تعكس ارتباطه بالقراءة، موضحًا أنه عندما تعرض لمشكلات في الحبل الشوكي، طلب من أصدقائه البحث عن طبيب سبق أن عالجه، وكان يحمل معه مجموعة من الكتب وأوراقًا لتدوين يومياته، في مشهد يعكس مدى التصاقه بالقراءة والكتابة حتى في أصعب الظروف.
ويؤكد أنه اعتاد تدوين يومياته وتحويلها لاحقًا إلى أعمال إبداعية، فضلًا عن كتابة الخواطر والعمل على تطويرها لتصبح نصوصًا أدبية، مشيرًا إلى أن هذه الطريقة كانت مصدرًا لأفكار عدد من أعماله.
ويختتم حديثه مشيرًا إلى خضوعه سابقًا لعملية جراحية دقيقة لاستئصال ورم في المخ، موضحًا أنه اصطحب معه مجموعة من الكتب خلال رحلته لإجراء العملية، كان من بينها كتاب «طائر الرخيت»، كما التقط له شقيقه صورًا بصحبة الكتاب، في مشهد يجسد تمسكه بالقراءة والكتابة حتى في أكثر اللحظات صعوبة في حياته.
بين معاناة المرض.. والإصرار على الإبداع
ويقول الكاتب والشاعر درويش الأسيوطي، إنه مر بظرف صحي قاسٍ، لكنه استطاع تجاوز الجزء الأكبر من محنته بفضل الله، موضحًا أنه رغم استمرار معاناته من بعض آثار المرض، فإن ذلك لم يمنعه من مواصلة الكتابة والعمل على نشر كتبه وإبداعاته الأدبية.
ويضيف الأسيوطي أنه عاد إلى كتابة الرواية خلال فترة ما بعد المرض، وأنجز ما يقرب من أربع روايات، إلى جانب عدد من الكتابات المسرحية، ومواصلة العمل على مشروعه الأدبي، مشيرًا إلى أنه ألّف كتابًا بعنوان «قواعد اللغة الشعبية المصرية»، وآخر يتناول «المثل الشعبي».
ويوضح أن روايته الجديدة "رأس فارغ حد الجنون"، من المقرر أن تشارك في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2027، لافتًا إلى أنه يحرص على الفصل بين حالته الصحية والشخصية وبين عملية الكتابة، سواء في الأعمال المسرحية أو الروائية أو الكتابات الإنشائية.
ويؤكد الأسيوطي أنه لا يشعر بأن ظروفه الصحية تؤثر بصورة مباشرة في كتاباته، وإن كان من الممكن أن تنعكس عليها دون وعي منه، مشيرًا إلى أن من الطرائف المتعلقة بروايته الجديدة "رأس فارغ حد الجنون"، أن لغتها جاءت أكثر خفة مقارنة بلغات روايات أخرى كتبها.
الإيمان بالله والتسليم بقضائه في ماوجهة المرض
ويقول الشاعر الكبير إبراهيم رضوان، إن الإيمان بالله والتسليم بقضائه وقدره يمنحان الإنسان القدرة على مواجهة المرض والاستمرار في الحياة، مؤكدًا أن تجربته مع المرض جعلته أكثر تمسكًا بالأمل والحياة، خاصة من أجل أسرته وأولاده وإبداعه.
ويضيف رضوان أن كلمة «الأورام» كانت تثير القلق في نفسه قبل إصابته بالمرض، لكنه عندما مر بالتجربة سلّم أمره لله، وبعد خضوعه للعملية الجراحية وإزالة الورم، أخبره الطبيب بنجاح العملية، فعاد إلى حياته بصورة أفضل مما كان عليه، بعدما تخلص من الخطر الذي كان يهدده.
ويوضح أن الإيمان بالله والتمسك بالحياة يمثلان عنصرين أساسيين في تجاوز المحن، مشيرًا إلى أن كتاباته تأثرت بتجربته مع المرض، لكنها لم تحمل معاني الألم وحده، بل امتزجت بالأمل والنجاة والشعور برعاية الله ووقوفه إلى جانبه.
تجربة المرض والكتابة
ويلفت إلى أنه مر بتجربتين مع المرض، واستطاع تجاوزهما بفضل الله، مستعيدًا إحدى اللحظات الإنسانية التي عاشها خلال فترة علاجه، عندما أخبره الطبيب بأنه سيحتاج إلى فترة طويلة جدًا من العلاج، قبل أن يعود إليه لاحقًا ويبلغه بأنه أخطأ في تقديره، وأن حالته استجابت للعلاج.
ويتابع رضوان أنه عاش خلال تلك الفترة موقفًا إنسانيًا مؤثرًا، إذ شعر وكأن هناك من يربت عليه ويمنحه الطمأنينة، فقال لزوجته إنه ربما كانت السيدة مريم العذراء، فردت عليه قائلة: «وليه ما يكونش سيدنا محمد؟»، مشيرًا إلى أن الطبيب أخبره بعد ذلك بأنه سيتمكن من مغادرة المستشفى بعدما تحسنت حالته بصورة لم يكن يتوقعها.
ويضيف أنه لا يبكي كثيرًا، لكنه لم يتمالك دموعه في تلك اللحظة، حين تحدث إلى زوجته عن خوفه من مغادرة المستشفى وهو لا يزال يشعر بالتعب، مؤكدًا أن الإنسان عندما يكون بين المرضى داخل المستشفى قد يشعر بأن معاناته ليست منفردة، وأن الإيمان يمنحه القوة لمواصلة الطريق.
ويكشف رضوان أنه يواصل الكتابة بصورة مستمرة، ويعمل حاليًا على قصيدة بعنوان «يا مهدلة الهدمة القديمة على الفخاد»، موضحًا أنه يميل في كتاباته الحالية إلى القصائد ذات الطابع الرومانسي الاجتماعي، التي تحتمل أكثر من دلالة، فيمكن أن يتلقاها المستمع باعتبارها موجهة إلى حبيبة، أو معبرة عن حب الوطن.
ويشير إلى أن هذا التداخل بين العاطفة الوطنية والرومانسية ظهر في عدد من الأغنيات التي كتبها للفنان محمد منير، مؤكدًا أنه تربطه به صداقة، لكنه لم يكن يتخيل في البداية أن يكتب له كلمات أغنية.
مشوار الكتابة والغناء
ويستعيد رضوان جانبًا من مشواره الغنائي، موضحًا أنه تعاون مع الفنان محمد نوح في أغنيتي "الله حي"، و"مدد مدد شدي حيلك يا بلد"، كما كتب نحو عشر أغنيات لمحمد منير، من بينها "قلب الوطن مجروح"، التي تجمع بين الإحساس العاطفي والبعد الوطني.
ويروي أن أغنية «قلب الوطن مجروح» ارتبطت بموقف طريف مع محمد منير، إذ كان الفنان قد دعاه إلى تناول الطعام المصري معه، في الوقت الذي كان رضوان قد انتهى فيه من كتابة الأغنية، ثم سافر منير إلى ألمانيا، فظن الشاعر أنه سيعود ببشرة أفتح، لكنه فوجئ بعودته ببشرته السمراء، وهو ما ألهمه كتابة أغنية "فين الولد ما يروح لازم يعود أسمر"، التي جرى تسجيلها وحققت نجاحًا كبيرًا.









