إن أدهى الجرائم وأعظمها كارثية هي تلك التي تُرتكب تحت ستار الدين والشعارات المذهبية، وتسخير الفكر الطائفي لأجندات التوسع والهيمنة، حيث تتحول الأوطان إلى ساحات حرب أهلية، ويتم ارتهانها لصالح أطماع اقليمية، وما شهدته عواصم عربية كبغداد ودمشق وبيروت وصنعاء إلا دليل ساطع على ذلك
(السعودية تبني والحوثي يدمر)
وهنا يبرز التساؤل الملحّ بلا توقف: إلى متى يظل الشيعة العرب أداة في يد إيران؟
حين يُجري المرء مقارنة منصفة على أرض الواقع اليمني، يتكشف حجم التزييف الذي تمارسه جماعة الحوثي بوضوح جلي؛ ففي الوقت الذي تجد في اليمن مئات الشواهد والمشاريع الحية المتمثلة في المدارس والطرق والمعونات التنموية التي قدمتها السعودية ومصر وسائر الأشقاء العرب على مدار التاريخ، لن تجد لإيران شيئاً يذكر من أثر تنموي أو حضاري لا في اليمن ولا في أي دولة عربية أخرى، سوى الخراب والدمار وتفجير الدول من الداخل
(السعودية تحتضن 4 مليون يمني)
وتتجلى هذه الحقيقة بأرقام ودلائل لا تقبل التشكيك في الجانب السعودي: احتضان أكثر من 4 ملايين يمني يعيشون ويعملون في المملكة، تقديم مساعدات ودعم لليمن تجاوزت قيمتها 21 مليار دولار، ضخ الودائع والمساعدات في البنك المركزي اليمني لمنع انهيار العملة الوطنية، إنشاء المدارس، والمستشفيات، والموانئ، والمطارات، وصرف مرتبات الموظفين، إرسال المساعدات الغذائية والإغاثية لشعب اليمن في كافة المناطق، بما فيها المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثي، والتي لا يتورع الحوثيون عن نهبها وسرقتها من فم الجياع
إنها مفارقة صارخة في اليمن: السعودية تبني وتعمّر، بينما الحوثي يهدم ويدمر؛ ومع كل هذه الحقائق، يظهر مع الأسف رأي عام عربي غير مستنير، تخدعه الشعارات الرنانة فيتعاطف مع المعتدي على حساب من يمد يد البناء والإغاثة!
(الحقائق بالآثار وليس بالشعارات)
لا يمكن تقييم أي مشروع سياسي أو عسكري بمعزل عن نتائجه الميدانية؛ فالحقائق تُقرأ بأثرها لا بشعاراتها، لقد رُفعت عناوين "المقاومة" و"الجهاد" لتبرير التدخلات والتمدد الإقليمي، ولم تكن الحصيلة سوى دمار شامل طال غزة وسوريا والعراق واليمن
ووسط هذا الخراب الممنهج، يقف المرء مذهولاً أمام إصرار البعض على تكرار الوصفات الكارثية ذاتها؛ فهل يريد الحوثيون استنساخ فكرة حزب الله من لبنان وزرعها في اليمن؟ هل أعجبهم مصير لبنان، أم اعجبهم مصير السودان أم أعجبهم مصير العراق ، أم أعجبهم مصير ليبيا؟
( هل استهداف المقدسات حقيقة)
يتجلى خطورة المشروع الحوثي في خلفيته الأيديولوجية في قيامه على فكر عنصري سلالي يُرَوّج لفكرة أن بني هاشم هم "السيادة والأسياد" وأنهم الأولى بحكم اليمن وبسط سلطتهم على العرب عامة
ولا تتوقف خطورة هذا الفكر عند الاستعلاء الطبقي فحسب، بل تظهر في خطابه المتطرف الذي يدّعي أن "الطريق إلى المسجد الأقصى يمر بالضرورة عبر المسجد الحرام"
مروّجين لفكرة خطيرة مفادها أن المسجد الحرام محتل بشكل غير مباشر، كما أن المسجد الأقصى محتل بشكل مباشر، وهو ما يبرر في عقيدتهم استهداف قبلة المسلمين ومقدساتهم
إن الممارسات الإجرامية التي يرتكبها الحوثيون اليوم في اليمن، واعتداءاتهم المستمرة واستهدافهم للأراضي السعودية، وصولاً إلى تطلعاتهم العدائية المعلنة والمبطنة تجاه الحرمين الشريفين، لا تعدو أن تكون إعادة إنتاج لهمجية المغول والتتار؛ إذ تحيي هذه الأفعال في ذكريات الأمة حروب التدمير والاستباحة التي شنّها الغزاة قديماً على ديار الإسلام، مستهدفة مقدساته وكيانه من الداخل
(تعز.. شاهد حي على كذب الحوثي)
تتجلى ذروة المفارقة الدموية للصراع اليمني في مدينة تعز؛ فهي مدينة السلام التي لم تطلق رصاصة واحدة حتى تحمي كثافتها السكانية من ميليشيات الحوثي فكان جزاؤها حصاراً ظالماً استمر عشر سنوات واستهدافاً ممنهجاً للمدنيين بشتى أنواع الأسلحة والقصف، إن محاولة تسويق القتل والحصار تحت غطاء "التحرير" تفضح زيف الادعاءات الحوثية؛ إذ لا يمكن عقلاً أو منطقاً قبول فكرة "التحرير" التي تبدأ بسفك دماء الأبرياء وإخضاع الشعوب بالقوة والقهر والتسلط
إن المعيار الحقيقي لتقييم أي كيان أو مشروع يكمن في احترامه لسيادة الدول وحقن دماء المدنيين وصيانة كرامتهم الإنسانية، وليس في شعارات دينية وعرقية للهيمنة وخدمة أجندات خارجية، ليظل الإنسان العربي ومقدرات الأمة ومستقبل أجيالها عرضة للتبديد والضياع