ذكرى رحيل بهاء طاهر.. رحلة إبداعية صنعت بصمة خالدة في الأدب المصري والعربي
تحل اليوم الثلاثاء، 27 أكتوبر، ذكرى رحيل الأديب والروائي الكبير بهاء طاهر، أحد أبرز رموز جيل الستينيات في الأدب المصري والعربي، الذي استطاع من خلال أعماله القصصية والروائية أن يقدم رؤية عميقة للإنسان وتحولاته النفسية والاجتماعية، وأن يجعل من الكتابة مساحة للتأمل في قضايا الاغتراب والذاكرة والحرية والهوية.
وترك بهاء طاهر، الذي جمع في تجربته بين الرواية والقصة والترجمة والنقد، إرثًا أدبيًا متميزًا اتسم بعمق الرؤية وبساطة اللغة، واستطاع أن يصل إلى القارئ من خلال شخصيات إنسانية تعكس تعقيدات الحياة وتناقضاتها، لتظل أعماله حاضرة في المشهد الثقافي حتى بعد رحيله.
النشأة والبدايات الأدبية
وُلد محمد بهاء الدين طاهر في محافظة الجيزة يوم 13 يناير 1935، لأسرة فقيرة تعود أصولها إلى مدينة الأقصر، وكان والده أزهريًا متعلمًا، بينما عملت والدته ربة منزل. وتلقى تعليمه الابتدائي والإعدادي في الجيزة، ثم حصل على الثانوية العامة عام 1952، والتحق بكلية الآداب بجامعة القاهرة، حيث درس التاريخ وتخرج عام 1956، كما حصل على دبلومين للدراسات العليا في الإعلام والتاريخ الحديث.
بدأ حياته العملية مترجمًا بالهيئة العامة للاستعلامات بين عامي 1956 و1957، ثم انتقل إلى العمل الإذاعي، حيث عمل مخرجًا للدراما ومذيعًا في إذاعة البرنامج الثاني، وكان من مؤسسيها، وأسهم في تقديم مواد فنية وثقافية متنوعة.
ولم يقتصر نشاطه في الإذاعة على تقديم البرامج، بل قدم أعمالًا روائية وقصصية في صورة دراما إذاعية، وكتب السيناريو، وهي خبرات انعكست على أسلوبه الأدبي، خاصة في بناء الحوار ورسم الشخصيات، بما منح أعماله طابعًا إنسانيًا مميزًا.
تجربة الاغتراب والعودة إلى مصر
شهدت حياة بهاء طاهر محطات متعددة خارج مصر، إذ سافر إلى عدد من دول أفريقيا وآسيا وعمل مترجمًا، قبل أن ينتقل إلى جنيف عام 1981 للعمل مترجمًا في الأمم المتحدة، ويقيم هناك حتى عام 1995، ثم يعود إلى مصر في نهاية التسعينيات.
وساهمت تجربة السفر والإقامة خارج الوطن في إثراء رؤيته الأدبية، إذ حضرت موضوعات الاغتراب والانتماء والبحث عن الذات في عدد من أعماله، التي تناولت علاقة الإنسان بالمكان والذاكرة، وتأثير التحولات السياسية والاجتماعية على حياته ومصيره.
أبرز أعمال بهاء طاهر الروائية والقصصية
قدم بهاء طاهر مجموعة من الأعمال التي رسخت مكانته بين كبار الأدباء المصريين، وجاءت رواياته وقصصه معبرة عن اهتمامه بالتفاصيل الإنسانية، وقدرته على رصد التحولات التي يعيشها الأفراد والمجتمعات.
ومن أبرز مجموعاته القصصية «أنا الملك جئت»، و«ذهبت إلى شلال»، و«لم أعرف أن الطواويس تطير»، فيما ضمت أعماله الروائية «شرق النخيل»، و«قالت ضحى»، و«خالتي صفية والدير»، و«الحب في المنفى»، و«نقطة النور»، و«واحة الغروب».
وتعد رواية «شرق النخيل» من أبرز محطاته الأدبية، بينما حققت «خالتي صفية والدير» شهرة واسعة، بعدما تحولت إلى مسلسل تلفزيوني، كما تُرجمت إلى لغات عديدة، لتصل تجربة الكاتب إلى جمهور يتجاوز حدود العالم العربي.
وفي أعماله، لم يكن السرد مجرد حكاية للأحداث، بل وسيلة لاستكشاف النفس البشرية ومناقشة القضايا الاجتماعية والإنسانية، مع الاعتماد على لغة بسيطة تحمل في داخلها أبعادًا فكرية ودلالات عميقة.
الترجمة والنقد
امتدت تجربة بهاء طاهر إلى الترجمة والنقد والدراسات الأدبية، فلم يقتصر دوره على الكتابة الإبداعية، بل اهتم كذلك بالحركة الثقافية وأسئلتها، وقدم مؤلفات تناولت المسرح والثقافة والحرية وفن الرواية.
ومن بين كتبه «10 مسرحيات مصرية.. عرض ونقد»، و«أبناء رفاعة: الثقافة والحرية»، و«في مديح الرواية»، وهي أعمال عكست اهتمامه بمناقشة قضايا الإبداع ودور الثقافة في المجتمع.
كما ترجم أعمالًا أدبية من بينها رواية «الخيميائي» للكاتب البرازيلي باولو كويلو، التي قدمها بعنوان «ساحر الصحراء»، إلى جانب ترجمات أخرى، في إطار اهتمامه بالتواصل بين الثقافات وإتاحة الأدب العالمي أمام القارئ العربي.
وفي المقابل، تُرجمت بعض أعماله إلى لغات عالمية، من بينها الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والبرتغالية واليابانية والبولندية، وهو ما أسهم في انتشار تجربته خارج المنطقة العربية.
جوائز أدبية وتقدير عربي ودولي
حصد بهاء طاهر خلال مسيرته عددًا من الجوائز التي كرمت إسهاماته الأدبية، من بينها جائزة أفضل رواية بمعرض القاهرة الدولي للكتاب عام 1995 عن رواية «الحب في المنفى»، وجائزة جوزيبي أكيربي الإيطالية عام 2000 عن «خالتي صفية والدير».
كما حصل على الجائزة العالمية للرواية العربية عام 2008 عن رواية «واحة الغروب»، التي نالت تقديرًا واسعًا، إلى جانب جوائز وتكريمات أخرى عكست مكانته في المشهد الأدبي المصري والعربي.
ولم تأتِ هذه الجوائز من فراغ، بل كانت انعكاسًا لتجربة أدبية اتسمت بالخصوصية والقدرة على التعبير عن الإنسان في لحظات ضعفه وقوته، وربط التجارب الفردية بالتحولات الأوسع التي يشهدها المجتمع.
موقف إنساني لدعم الثقافة في الأقصر
لم تنفصل علاقة بهاء طاهر بالأدب عن اهتمامه بدور الثقافة في المجتمع، إذ تبرع بقطعة أرض يمتلكها في الأقصر للدولة بهدف إقامة قصر ثقافة يخدم أبناء المحافظة ويدعم الحركة الثقافية والمثقفين.
وأُقيم القصر على مساحة بلغت 1500 متر مربع، وبتكلفة إجمالية وصلت إلى 13 مليون جنيه، وضم قاعة لنادي التكنولوجيا ومكتبة للطفل ومكتبة عامة، في خطوة عكست إيمانه بأهمية إتاحة المعرفة والأنشطة الثقافية أمام مختلف الفئات.
وجسد هذا الموقف جانبًا من شخصية الكاتب الذي لم ينظر إلى الثقافة باعتبارها إنتاجًا أدبيًا فحسب، بل بوصفها خدمة عامة تسهم في تنمية المجتمع وتوسيع آفاق أفراده.
رحيل بهاء طاهر
في 27 أكتوبر 2022، رحل بهاء طاهر بعد فترة من المرض، تاركًا وراءه تجربة أدبية غنية امتدت عبر الرواية والقصة والنقد والترجمة، وأسهمت في تشكيل جانب مهم من ملامح الأدب المصري الحديث.
وبعد سنوات من رحيله، لا تزال أعماله حاضرة بين القراء والباحثين والمهتمين بالأدب، بما تحمله من أسئلة إنسانية تتجاوز زمن كتابتها، وبما تتميز به من قدرة على الجمع بين بساطة التعبير وعمق المعنى.
ويظل بهاء طاهر واحدًا من أبرز الأصوات الأدبية التي استطاعت أن تترك بصمة خاصة في الرواية المصرية والعربية، وأن تؤكد أن الإبداع الحقيقي لا يرتبط بزمن محدد، بل يواصل حضوره من خلال الأعمال التي تلامس الإنسان وتطرح أسئلة الحياة والحرية والانتماء.





