رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بريطانيا تخفي المومياوات المصرية بعد قرنين من عرضها

 المومياوات المصرية
المومياوات المصرية

أعادت قرارات عدد من المتاحف البريطانية بإخفاء مومياوات مصرية قديمة عن أنظار الجمهور، خلال الأسابيع الماضية، فتح النقاش مجددًا حول طريقة تعامل المؤسسات المتحفية الأوروبية مع الرفات البشرية، بعدما ظلت بعض هذه المومياوات معروضة أمام الزائرين لنحو قرنين، في خطوة أثارت تساؤلات حول أسباب تغيير سياسات العرض، وما إذا كانت هذه المراجعات الأخلاقية يمكن أن تفتح الباب أمام بحث إمكانية إعادة بعض الرفات إلى موطنها الأصلي في مصر.

وجاءت هذه التطورات في عدد من المتاحف البريطانية، من بينها متحف كيلفينجروف ومتحف هانتريان في مدينة جلاسكو، إلى جانب متحف مانشستر، حيث اتخذت المؤسسات قرارات متباينة بشأن المومياوات المصرية، بين إزالتها من قاعات العرض، وحجبها عن الجمهور، أو تغطية الأجساد مع الإبقاء على التوابيت ضمن المعروضات.

مومياوات مصرية تختفي من متحف كيلفينجروف

في مدينة جلاسكو، قرر متحف كيلفينجروف إزالة عدد من الرفات المصرية القديمة من قاعات العرض، من بينها رفات كاهن مصري قديم يُعرف باسم «نخت»، ويد محنطة عُثر عليها في وادي الملوك بالأقصر، إلى جانب رأس وقدم بشريتين محنطتين.

ووضع المتحف لافتات توضيحية للزائرين تشير إلى إزالة هذه الرفات، في إطار مراجعة طريقة التعامل مع الأجساد البشرية داخل المتاحف، واحترام أصحابها ومعتقداتهم المرتبطة بالموت والدفن.

وأوضحت مؤسسة «جلاسكو لايف»، المسؤولة عن إدارة المتحف، أن مشروع سياستها الجديدة بشأن الرفات البشرية يقترح عدم عرضها دون وجود موافقة موثقة ومستنيرة من المتوفى، أو من أحفاده في الحالات التي يكون ذلك مناسبًا فيها، وهو ما دفع المؤسسة إلى إعادة النظر في طريقة عرض المومياوات المصرية.

ولم تتوقف المراجعة عند متحف كيلفينجروف، إذ امتدت أيضًا إلى متحف سانت مونجو للفنون الدينية والحياة، حيث بدأت المؤسسة مراجعة طريقة عرض تابوت ورفات محنطة ضمن مجموعاتها.

مومياء مصرية تختفي خلف نسيج

وفي متحف هانتريان التابع لجامعة جلاسكو، اتخذ المسؤولون قرارًا بحجب جسد سيدة مصرية قديمة تُعرف باسم «شيب إن حور»، بعدما ظل جسدها المحنط معروضًا في المتحف منذ نحو عام 1820.

واختارت إدارة المتحف الإبقاء على التابوت ضمن المعروضات، باعتباره نموذجًا للفنون الجنائزية المصرية القديمة، بينما جرى تغطية الجسد نفسه بنسيج صُمم خصيصًا لهذا الغرض، في محاولة لتحقيق توازن بين عرض القطعة الأثرية واحترام خصوصية المتوفاة.

وجاء القرار عقب مشاورات مع متخصصين في علم المصريات، ناقشت خلالها الجامعة عددًا من الخيارات للتعامل مع المومياء، من بينها الاحتفاظ بها في المخازن، أو حجبها عن الجمهور، أو بحث إمكانية إعادتها إلى مصر.

مانشستر يوقف عرض مومياء بعد قرنين

وسبق قرارات متاحف جلاسكو إجراء مماثل في متحف مانشستر التابع لجامعة مانشستر، الذي أزال خلال سبتمبر 2026 مومياء سيدة مصرية تعرف باسم «أسرو» من قاعة مصر والسودان.

وظلت المومياء ضمن المجموعات المصرية المعروضة في المدينة منذ عام 1825، بينما يعود تاريخها إلى نحو 2700 عام.

وكانت المومياء قد خضعت خلال القرن التاسع عشر لفك بعض لفائفها، في وقت شهدت فيه المومياوات المصرية اهتمامًا واسعًا من جانب المؤسسات العلمية والجمهور الأوروبي، قبل أن تتغير النظرة إلى عرض الرفات البشرية مع تصاعد النقاشات الأخلاقية في السنوات الأخيرة.

وأكدت إدارة المتحف أن قرار إزالة المومياء جاء عقب مشاورات مع متخصصين مصريين وأفراد من الجالية المصرية وزائرين، مع مراعاة المعتقدات الجنائزية المصرية القديمة، التي ارتبطت بالحفاظ على الجسد المحنط داخل التابوت، ملفوفًا ومحجوبًا عن أنظار الأحياء.

القصة بدأت قبل قرارات 2026

ولا تعد هذه المرة الأولى التي تعيد فيها المتاحف البريطانية التفكير في طريقة عرض المومياوات المصرية، إذ تكشف السجلات الأرشيفية لمتحف مانشستر أن الجدل حول عرض الرفات البشرية بدأ منذ سنوات.

ففي أبريل 2008، غطى المتحف ثلاث مومياوات، من بينها مومياء «أسرو»، في إطار مراجعة لطريقة عرض الرفات البشرية.

وأثار القرار وقتها اعتراضات من بعض الزائرين، فيما أظهرت الردود التي تلقاها المتحف أن غالبية المشاركين فضلت استمرار عرض المومياوات، مع ترك حرية الاختيار للزائر بشأن مشاهدتها.

وتكشف هذه الواقعة أن النقاش حول المومياوات المصرية لم يبدأ في 2026، وإنما يعود إلى سنوات طويلة، مع محاولة المتاحف تحقيق توازن بين القيمة العلمية والتاريخية لهذه القطع، وبين الاعتبارات الأخلاقية المرتبطة بعرض أجساد الموتى أمام الجمهور.

مدونة جديدة تعيد تعريف التعامل مع الرفات

وتزامنت القرارات الأخيرة مع اعتماد المجلس الدولي للمتاحف «أيكوم»، في 25 يونيو 2026، مدونة أخلاقيات معدلة تتضمن مبادئ جديدة تتعلق بصون الكرامة الإنسانية للرفات البشرية واحترام قيمتها الثقافية والروحية.

وتدعو المدونة إلى مراعاة معتقدات المجتمعات التي تنتمي إليها الرفات، والتعاون مع أحفاد المتوفين أو الجهات المعنية عند بحث طريقة عرضها أو التعامل معها، إلى جانب دراسة طلبات إعادة الرفات إلى موطنها الأصلي وفق الظروف الخاصة بكل حالة.

وتوفر هذه المبادئ إطارًا مهنيًا لعمل المتاحف في التعامل مع الرفات البشرية، لكنها لا تعني تلقائيًا إعادة المومياوات إلى دولها الأصلية، إذ تظل مسألة الاسترداد خاضعة للقوانين المنظمة لملكية الآثار، والوثائق الخاصة بكل قطعة، والاتفاقات التي يمكن التوصل إليها بين المؤسسات والدول المعنية.

هل تعود المومياوات المصرية إلى مصر؟

أعادت قرارات المتاحف البريطانية طرح ملف استعادة المومياوات المصرية الموجودة خارج البلاد، خاصة مع اتجاه بعض المؤسسات إلى مراجعة الطريقة التي تتعامل بها مع الرفات البشرية، وفتح الباب أمام دراسة طلبات إعادتها في بعض الحالات.

ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة لأنه ينقل النقاش من مجرد طريقة عرض المومياوات داخل المتاحف إلى سؤال أكبر يتعلق بمستقبل وجودها ضمن المجموعات الأوروبية، وما إذا كانت المراجعات الأخلاقية الحالية يمكن أن تمهد لمفاوضات حول استعادتها.

لكن عودة أي مومياء إلى مصر تظل مرتبطة بعدة عوامل، من بينها تاريخ خروجها من البلاد، والوثائق التي تحدد كيفية انتقالها وملكيتها، والقوانين المعمول بها في الدولة التي توجد فيها، فضلًا عن الموقف الرسمي للجهات المصرية المعنية باسترداد الآثار.

وبينما تختفي بعض المومياوات المصرية حاليًا عن أعين زوار المتاحف البريطانية، فإن القضية تفتح بابًا أوسع للنقاش حول الطريقة التي تعاملت بها المؤسسات الأوروبية مع الرفات البشرية خلال القرنين الماضيين، وحول حق هذه الأجساد في الخصوصية والكرامة حتى بعد الموت.

وهكذا لم تعد المومياوات المصرية مجرد قطع أثرية تُعرض خلف الزجاج، وإنما أصبحت جزءًا من نقاش دولي حول الأخلاق والذاكرة والهوية، وما إذا كان المستقبل سيحمل تغييرات أكبر في طريقة عرضها أو حتى في مكان وجودها.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء