رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

«لا يكبر الموتى».. أمير العطار يرصد أثر الانتحار والفقد في روايته الجديدة

إيجبتكِ

صدرت رواية "لا يكبر الموتى للروائي السكندري أمير العطار عن دار الرواق للنشر والتوزيع في 160 صفحة من القطع المتوسط، وتدور أحداث الرواية عن الموت بوصفه المادة الأساسية التي بنيت عليها الرواية.

يشرح المؤلف أمير العطار أن الموت ليس دائما نهاية الحكاية؛ ففي أحيان كثيرة يكون بدايتها الأكثر قسوة، حين يترك الراحل وراءه أسئلة لا تجد إجابات، وذكريات تستعصي على النسيان، وقلوبًا تحاول استيعاب غياب لم تكن مستعدة له. 

من هذه المنطقة الإنسانية الموجعة تنطلق الرواية لتقترب من ظاهرة الانتحار، لا عبر الانشغال وحده بأسباب اتخاذ الإنسان قراره الأخير، وإنما من خلال ما يتركه هذا القرار في حياة الآخرين.

تبدو أهمية الفكرة في انتقالها من لحظة الموت إلى الزمن الذي يليها؛ ذلك الزمن الذي يظل فيه الغائب حاضرًا، وتصبح حياته السابقة موضوعًا لإعادة النظر والتأويل، فيما يحاول المحيطون به فهم ما حدث، وترميم ما تصدع في داخلهم. فالانتحار، في هذا السياق، لا يمثل واقعة تنتهي بانتهاء حياة صاحبها، بل حدثًا تتسع دوائره داخل الأسرة والعلاقات الإنسانية، ويضع من بقوا أمام أسئلة قاسية عن الحب والفقد والذنب والعجز عن الفهم.

ومن هنا تكتسب عتبة العنوان دلالتها؛ فالموتى لا يكبرون في أعمارهم، لكن أثرهم في نفوس الأحياء قد يتضخم بمرور الزمن. وما يبدو في البداية غيابًا يمكن تحديده بلحظة واضحة، يتحول إلى فراغ ممتد، تتغير صورته من شخص إلى آخر، وتظل محاولات تجاوزه مرتبطة بقدرة كل إنسان على مواجهة الذكريات والتعايش مع ما لا يستطيع تغييره.

ولا يبدو اختيار الانتحار موضوعًا للرواية مجرد بحث عن واقعة صادمة أو مأساة استثنائية، بل محاولة للاقتراب من جانب أقل حضورًا في تناول هذه الظاهرة: مصير الذين يواصلون الحياة بعد رحيل أحد أحبائهم. فبدلًا من حصر الحكاية في البحث عن إجابة نهائية لسؤال: لماذا فعل ذلك؟ تتجه الفكرة إلى سؤال آخر لا يقل قسوة: ماذا فعل رحيله بمن تركهم؟ وكيف يمكن للإنسان أن يستأنف حياته بينما يظل جزء منه عالقًا عند لحظة الفقد؟

ولا يعني ذلك أن دوافع الانتحار تفقد أهميتها، وإنما أن الرواية، وفق التصور الذي يطرحه المؤلف، توسع دائرة النظر إلى التجربة، فلا تجعل الراحل وحده مركز المأساة، بل تمنح من حوله مساحة لفهم الألم الذي يستمر بعده، وهنا تصبح العلاقات الإنسانية نفسها موضع اختبار؛ إذ يكشف الغياب عن هشاشة الروابط، وعن المسافات التي قد تبقى مجهولة بين أقرب الناس بعضهم إلى بعض.

على المستوى الفني، يستخدم العطار تقنية السيناريو داخل البناء الروائي. وهو اختيار ربما يرتبط بعشقه للسينما وطريقته في تخيل الأحداث على هيئة مشاهد متتابعة، لكنه لا يقدمه بوصفه استعراضًا لتأثير الفن السينمائي في الكتابة، بل باعتباره استجابة لحاجة داخلية في الحكاية

وتكمن أهمية هذا الاختيار في أنه يطرح سؤالًا عن قدرة الشكل السردي على احتواء موضوع شديد الحساسية. فحين تتعدد أشكال الحكي، لا يعود التنويع مجرد انتقال بين تقنيات مختلفة، بل يصبح وسيلة لتوسيع زاوية الرؤية، بحيث لا تُختزل المأساة في صوت واحد أو تجربة منفردة. ومع ذلك، تظل فاعلية هذه التقنية مرتبطة بمدى اندماجها في النسيج الروائي، وقدرتها على تعميق التجربة من دون تشتيت مسارها.

في النهاية، تضع «لا يكبر الموتى» أمامنا سؤالًا يتجاوز لحظة الرحيل إلى ما بعدها: هل يستطيع الأحياء أن يفهموا الغائب، أم أنهم يظلون طوال الوقت يعيدون بناء صورته من الذكريات والاحتمالات والأسئلة؟ ومن خلال اهتمامها بأثر الانتحار في الآخرين، تفتح الرواية بابًا للتأمل في الحزن بوصفه تجربة لا تتوقف عند لحظة واحدة، بل تتغير وتتجدد مع مرور الأيام.

إنها فكرة تمنح العنوان بعدًا إنسانيًا لافتًا؛ فالموتى لا يكبرون، لكن الحكايات التي يتركونها لا تنتهي بالضرورة، وربما كان أصعب ما في الفقد أن يتعلم الأحياء كيف يواصلون حياتهم، فيما يظل الغائب حاضرًا في تفاصيلها

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء