رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

- في ١٨ أكتوبر الجاري أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تأييده لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عبر منشور على منصة "تروث سوشيال"، وذلك قبل ٩ أيام من موعد الانتخابات التشريعية المقررة في ٢٧ أكتوبر إن لم يتم تأجيلها إذا صدقت توقعات البعض بأن نتنياهو سيفتعل أي شئ لتأجيلها، بما في ذلك توجيه ضربة عسكرية لإيران، وبرر ترامب موقفه بأن نتنياهو محارب عظيم و"شريك استثنائي في صنع السلام"، وهو بالتأكيد محارب، لكن صفة العظيم موضع جدل حتى داخل إسرائيل، ويكفي الجدل حول تقصيره في مواجهة "طوفان الأقصى"، ناهيك بالجانب الأخلاقي الذي حسمته المحكمة الجنائية الدولية بإصدارها الأمر باعتقاله لاتهامه بارتكاب جرائم حرب.


- ⁠أما الشراكة في صنع السلام فهي مجرد مزحة سخيفة عن شخص قاد عملية إبادة جماعية، ومريض بعشق الحروب، واعتبارها الطريق الوحيد لتحقيق الأهداف مهما بلغت تكلفتها الإنسانية والمادية، وناجح بامتياز في تخريب اتفاقات وقف إطلاق النار التي التزم بها، وآخرها اتفاق وقف إطلاق النار في غزة الذي أكمل السنة الأولى من عمره دون أن يتوقف القتل والتدمير، أو تدخل المساعدات بالمعدلات المنصوص عليها، أو تتشكل قوة الاستقرار الدولية، أو حتى تضع اللجنة الفلسطينية المكلفة بالحلول محل "حماس" في إدارة غزة أقدامها على أرض غزة. 

- ⁠لكن التبرير الأكثر قابلية للإقناع لتأييد ترامب لنتنياهو كان قول ترامب أن نتنياهو يمثل "نوع الشريك الذي تطالب به الولايات المتحدة في مواجهتها مع إيران، محذرًا من أن فوز أي شخص غيره سيُضْطَر الولايات المتحدة إلى إنهاء العمل العسكري ضد إيران بمفردها، وهو ما لا يميل ترامب إلى فعله، ومن هذا التبرير أبدأ محاولة تقييم هذا التصريح لنتنياهو.

- ⁠عودنا ترامب على إطلاق التصريحات المتلاحقة التي يلاحقنا بها في كل يوم، والتي يتجافى الكثير منها مع الحقيقة، كأن يقول أن إيران قد زالت من الخريطة وانتهى أمرها، أو أن مسؤًوليها يتسولون اتفاقًا معه، وكذلك عودنا على أن يقول كلامًا لا ينطوي على أي جديد، وإنما هو من قبيل البديهيات التي لا تحتاج أحدًا يذكرنا بها، ناهيك بأن يكون رئيس الدولة العظمى الأولى في العالم، كأن يقول أن الأزمة مع إيران ستُحَل إما بالطريقة السهلة (الدبلوماسية) أو بالطريقة الصعبة (العسكرية)، أو أن أسعار النفط ستنخفض بعد انتهاء الحرب، وأخيرًا عودنا على أن يقول كلامًا غير محدد، كقوله الذي يتكرر يوميًا تقريبًا بأن الحرب ستنتهي "قريبًا جدًا"، غير أن دعمه العلني لنتنياهو في الانتخابات التشريعية الوشيكة يمثل موقفًا بالغ التحديد، فهو يؤيد رئيس وزراء إسرائيلي يواجه تحديات حقيقية في هذه الانتخابات، وتضعه آخر استطلاعات الرأي العام الإسرائيلي في موقف أدنى من منافسه الرئيسي جادي أيزنكوت بفارق يتراوح بين ٩إلى٢٠ نقطة، وتعطي الأولوية كذلك لحزب أيزنكوت (يشار) على حزب نتنياهو (الليكود) بفارق يتراوح بين ٤-٦مقاعد . 

- - ⁠ومع ذلك فإنه نظرًا للطبيعة الائتلافية للحكومات الإسرائيلية فإن نتنياهو مازالت لديه الفرصة لتكوين ائتلاف حاكم جديد حتى ولو تفوق حزب أيزنكوت على حزبه، ومن هنا تأتي أهمية تدخل ترامب لإنقاذ نتنياهو من هزيمة محتملة قادمة، وهناك عدد من الملاحظات على هذا الموقف الذي اتخذه ترامب.

- ⁠والملاحظة الأولى أنه يمثل تدخلًا صارخًا في شأن داخلي إسرائيلي هو الأول من نوعه بالنسبة لترامب في هذه الانتخابات، على الرغم من مظاهر أخرى كثيرة للدعم السياسي لنتنياهو عموما، كما جرى على سبيل المثال في مطالبته الرئيس الإسرائيلي بالعفو الكامل عن نتنياهو في خطابه أمام الكنيست الإسرائيلي في أكتوبر٢٠٢٥، وهو الطلب الذي أتبعه برسالة بنفس المعني للرئيس الإسرائيلي في الشهر التالي (نوڤمبر٢٠٢٥)، ثم وصف موقفه بالمخزي في فبراير٢٠٢٦ لعدم إصداره العفو، وهدد في الشهر التالي بأنه سيفضح أمره، وصحيح أنه سبق لرؤساء أمريكيين أن تدخلوا في الانتخابات التشريعية مثل بِل كلينتون في انتخابات١٩٩٦ وباراك أوباما في انتخابات٢٠١٥، مع ملاحظة أن المرتين كانتا ضد نتنياهو وليس لتأييده وإنما لتأييد منافسيه المعتدلين إذا قورنوا به.

- ⁠ويُلاحظ أن كثيرًا من قرارات ترامب تُتَّهم بعدم الرشادة، وآخرها قرار ضرب إيران في نهاية فبراير الماضي بالتواطؤ مع نتنياهو الذي يشير معظم التقارير إلى أنه المسؤول عن توريطه في هذا القرار الذي وضعه في مأزق مازال عاجزًا عن الإفلات منه حتى الآن، بعد أن زَيَّن له -أي نتنياهو- أن إسقاط النظام الإيراني بسرعة مسألة ممكنة بل سهلة. 

- ⁠وهذا هو أول جوانب عدم الرشادة في قرار ترامب بتأييد نتنياهو علنًا في الانتخابات، ذلك أنه إذا كان العمل العسكري ضد إيران قد وضعه في هذا المأزق فلماذا الحرص على فوز من وضعه فيه؟ خاصة؛ -وهذا يفضي بنا للجانب الثاني من عدم الرشادة- وهو أن عداء إيران مسألة إجماع تقريبًا في إسرائيل، ولذلك لا يُتَصَوَّر أن هزيمة نتنياهو ستفضي إلى تغيير مهم في سياستها تجاه إيران، وقد يكون الاختلاف بين نتنياهو ومن يخلفه في اتجاه ترشيد السياسة وليس تغييرها، بل على العكس فإن قرار ترامب بإعلان دعمه القوي لنتنياهو يثير بالتأكيد حفيظة خصومه. 

- ⁠وبالفعل أثار هذا القرار من ترامب موجة غضب حادة بين قادة أحزاب المعارضة الذين اعتبروا الخطوة تدخلًا خارجيًا صريحًا وغير مسبوق في الشأن الداخلي والمسار الديمقراطي في إسرائيل، وشدد جادي أيزنكوت المنافس الأول لنتنياهو، والذي يسبقه حتى الآن في استطلاعات الرأي العام كما سبقت الإشارة، إلى أن حق اختيار رئيس الوزراء المقبل هو شأن يخص الناخبين الإسرائيليين وحدهم بعيدًا عن الضغوط أوالرسائل الخارجية. 

- ⁠كما يرى محللون أن جزءًا كبيرًا من الناخبين الإسرائيليين لا يحسمون خياراتهم بناءً على توجيهات تأتي من الخارج، بل يربطون قراراتهم بملفاتهم اليومية والأمن ومستقبل الدولة بعد سنوات الحرب المتعددة، ولا يقل عن ذلك أهمية بحال أن تأييد ترامب العلني لنتنياهو قد أدى وفقًا للتقارير إلى استياء وخلافات داخل إدارة ترامب ذاتها، على أساس أن وجود حكومة بديلة لا تعتمد على شركاء نتنياهو من اليمين المتشدد سوف يصب في مصلحة تنفيذ سياسات ترامب الرامية لتحقيق تسويات في غزة ولبنان وسوريا، وهي السياسات التي يعرقلها نتنياهو وحكومته المتطرفة.

- ⁠وإذا صحت التحليلات السابقة، أي أن ترامب لن يخسر كثيرًا إذا خسر نتنياهو الانتخابات، لأن العداء لإيران مسألة إجماع في إسرائيل، خاصة وأن أي قيادة إسرائيلية ليس بمقدورها أن تخالف الإرادة الأمريكية باعتبار أن أمن إسرائيل يعتمد اعتمادًا أساسيًا على استمرار الدعم الأمريكي، وأن انحياز ترامب لنتنياهو قد سبب اعتراض أحزاب المعارضة الإسرائيلية دون أن يضمن فوز نتنياهو، وأن هذا الانحياز قد سبب كذلك استياءً داخل دوائر في إدارة ترامب ذاتها، فإن هذا كله يعني أن قرار ترامب بدعم نتنياهو في الانتخابات علنًا سوف يُضاف بامتياز إلى قائمة القرارات غير الرشيدة التي اتخذها. 

- ⁠بل إن بعض الخبثاء قد بدأ يتساءل عما إذا كان لدى نتنياهو شئ ما يضغط به على ترامب حتى يتخذ مثل هذا القرار غير الرشيد، وهو نفس التساؤل الذي طُرِح غير مرة بخصوص تفسير مهادنة ترامب للرئيس الروسي، والله أعلم.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء