رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

يثير الحديث عن احتمال إرسال قوات مصرية إلى المملكة العربية السعودية تساؤلات مهمة بشأن حسابات الأمن القومي المصري، وطبيعة التحديات التي تواجه المنطقة في ظل تصاعد التوترات بين السعودية والحوثيين، وتزايد المخاوف من اتساع نطاق المواجهة الإقليمية.


وتقوم الرؤية المطروحة في هذا السياق على أن التحرك المصري المحتمل، إذا تقرر، ينبغي أن يُفهم في إطار حماية الأمن القومي المصري، والحفاظ على استقرار الخليج، ومنع تشكل تهديدات استراتيجية جديدة تهدد المصالح المصرية، وليس باعتباره انخراطًا في حرب مفتوحة داخل اليمن.
منذ اندلاع العمليات العسكرية التي قادتها السعودية ضد الحوثيين في اليمن، واجهت مصر معادلة دقيقة تتمثل في دعم أمن المملكة، مع تجنب التورط في حرب برية واسعة داخل الأراضي اليمنية.


وقد ارتبط هذا الموقف بحسابات تاريخية واستراتيجية، في مقدمتها التكلفة البشرية والاقتصادية للحروب الإقليمية، فضلًا عن تعقيدات المشهد اليمني.

وفي هذا الإطار، يظل التمييز بين مساندة السعودية في الدفاع عن أراضيها، وبين المشاركة في عمليات عسكرية داخل اليمن، أمرًا جوهريًا عند تقييم أي تحرك عسكري مصري محتمل.

وأظهرت التطورات المرتبطة بحرب غزة أن اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب يمكن أن تترتب عليها تداعيات اقتصادية مباشرة على مصر، خاصة في ظل أهمية قناة السويس للتجارة العالمية ومصادر النقد الأجنبي.

ومن ثم، فإن استمرار التهديدات للملاحة البحرية لا يمثل تحديًا للسعودية وحدها، بل يمتد تأثيره إلى المصالح المصرية والأمن الاقتصادي الإقليمي، وهو ما يجعل استقرار البحر الأحمر أولوية استراتيجية للقاهرة.

وتمثل مشاركة مصر العسكرية في اليمن خلال الفترة من 1962 إلى 1967 إحدى أبرز التجارب التاريخية التي تفرض ضرورة التروي قبل اتخاذ قرارات بالتدخل العسكري خارج الحدود.

فقد تحملت الدولة المصرية آنذاك أعباء عسكرية واقتصادية كبيرة في بيئة جغرافية وسياسية شديدة التعقيد، وأظهرت التجربة صعوبة حسم الصراعات الداخلية اليمنية بالقوة العسكرية وحدها.

وتفرض هذه الخبرة التاريخية ضرورة تحديد أهداف أي تدخل محتمل بدقة، ووضع سقف زمني وعملياتي واضح له، وتجنب الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة الأمد.

ولا تقتصر التداعيات المحتملة للأزمة على اليمن والسعودية، بل تمتد إلى التوازنات الأوسع في المنطقة. فالتغيرات في موازين القوى الإقليمية، سواء ارتبطت بتعاظم النفوذ الإسرائيلي أو الإيراني، أو بتعرض دول الخليج لاضطرابات استراتيجية واسعة، قد تنعكس على المصالح المصرية بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية الحفاظ على استقرار الخليج باعتباره امتدادًا حيويًا للأمن القومي المصري، في ظل الترابط بين أمن البحر الأحمر والخليج والقرن الإفريقي.

وتثير التحولات الإقليمية تساؤلات بشأن قدرة التحالفات العسكرية القائمة على توفير ضمانات أمنية فعلية للدول المشاركة فيها، ومدى استعداد الأطراف المختلفة لتحمل تكاليف المواجهة عند اندلاع الأزمات.

وتؤكد هذه المعادلة أهمية بناء ترتيبات أمنية واضحة، تقوم على تحديد الالتزامات المتبادلة، وعدم الاكتفاء بالتفاهمات السياسية التي قد لا تتحول بالضرورة إلى دعم عسكري مباشر في أوقات الأزمات.

وتمثل التطورات في ليبيا والسودان عنصرين أساسيين في حسابات الأمن القومي المصري، نظرًا للحدود المشتركة والارتباطات الأمنية والاقتصادية بين هذه الدول. فاستمرار الصراع في السودان، واحتمالات تفاقم الانقسام الداخلي، إلى جانب التحولات في المشهد الليبي، كلها عوامل تستدعي متابعة دقيقة، خشية نشوء بؤر اضطراب جديدة بالقرب من الحدود المصرية، أو اتساع نطاق التدخلات الخارجية في دول الجوار.

وفي هذا السياق، تتطلب قراءة المشهد الإقليمي التمييز بين الوقائع المؤكدة والتقديرات السياسية المتعلقة بمواقف الأطراف المختلفة وطبيعة ارتباطاتها الخارجية.

وتقوم إحدى القراءات الاستراتيجية المطروحة على أن تراجع الاستقرار في دول الجوار، أو تعرض دول الخليج لتهديدات كبيرة، قد يؤدي إلى تغيرات في موازين القوى المحيطة بمصر، بما يفرض تحديات إضافية على أمنها القومي.

ووفقًا لهذه الرؤية، فإن أي تحرك مصري محتمل لمساندة السعودية يجب أن يرتبط بهدف محدد، يتمثل في حماية المملكة من التهديدات المباشرة، والحفاظ على استقرار الخليج، ومنع اتساع نطاق الصراع، دون التوسع إلى عمليات هجومية داخل الأراضي اليمنية.

لكن تقييم جدوى هذا التحرك يظل مرهونًا بطبيعة التهديد، والضمانات المتاحة، وحجم المخاطر التي قد تتعرض لها القوات المصرية، والنتائج السياسية والعسكرية المتوقعة.

ويظل الإطار الدستوري المصري عنصرًا حاسمًا عند بحث إرسال قوات مسلحة إلى خارج البلاد. وتنص المادة 152 من الدستور على اختصاص رئيس الجمهورية بإعلان الحرب أو إرسال القوات المسلحة في مهمة قتالية إلى خارج الدولة، بعد أخذ رأي المجلس الأعلى للقوات المسلحة وموافقة مجلس النواب بأغلبية ثلثي أعضائه.


ويعكس استمرار المناقشات البرلمانية حول طلب تفويض الرئيس عبد الفتاح السيسي باتخاذ الإجراءات اللازمة لدعم المملكة العربية السعودية عسكريًا، أهمية الملف المطروح وما يرتبط به من اعتبارات سياسية وعسكرية ودستورية، في ظل حساسية التطورات الإقليمية وتداعياتها المحتملة على الأمن القومي المصري واستقرار منطقة الخليج.

وفي النهاية، فإن جوهر المعادلة بالنسبة لمصر يتمثل في حماية أمنها القومي، والحفاظ على استقرار الخليج والبحر الأحمر، وتجنب الانخراط في حروب استنزاف جديدة. وأي تحرك عسكري محتمل ينبغي أن يُقاس بمدى تحقيقه لهذه الأهداف، وبقدرته على تقليل المخاطر لا مضاعفتها، مع إبقاء الحل السياسي في صدارة الخيارات المتاحة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء