محمد الشافعي: جمال عبد الناصر وقّع اتفاقية الجلاء بعد مفاوضات شاقة مع الإنجليز|خاص
تحل اليوم الاثنين، 19 أكتوبر، ذكرى توقيع اتفاقية الجلاء بين مصر وبريطانيا عام 1954، والتي نصت على انسحاب القوات البريطانية من منطقة قناة السويس خلال 20 شهرًا، وصولًا إلى خروج آخر جندي بريطاني في 18 يونيو 1956، بعد احتلال استمر نحو 74 عامًا.
وفي هذا السياق، استعرض المؤرخ والكاتب محمد الشافعي الجذور التاريخية للاحتلال البريطاني لمصر، ومحطات الحركة الوطنية المصرية وصولًا إلى ثورة 23 يوليو 1952، والمفاوضات التي قادها الزعيم جمال عبد الناصر مع الجانب البريطاني حتى توقيع الاتفاقية.
جذور الاحتلال
وقال الشافعي في تصريحات لـ إيجبتك": إن فهم اتفاقية الجلاء الموقعة في أكتوبر 1954 يستلزم العودة إلى عام 1882، للتعرف على الظروف التي مهدت للاحتلال البريطاني لمصر، مشيرًا إلى عملية التواطؤ التي تمت بين الخديوي توفيق والإنجليز وفرديناند ديليسبس، في مواجهة الثورة العرابية بقيادة الزعيم أحمد عرابي.
وأوضح الشافعي أن ديليسبس خدع أحمد عرابي، بحسب روايته، عندما طلب منه عدم إغلاق قناة السويس أمام الجنود الإنجليز، ووعده بالسماح بمرور جنود فرنسيين لمواجهتهم، لافتًا إلى أن القوات البريطانية واجهت صعوبة في دخول مصر عبر الإسكندرية وكفر الدوار، قبل أن تتجه إلى بورسعيد وتعبر قناة السويس، في ظل الأزمة المالية التي كانت تمر بها شركة القناة آنذاك.
وأضاف أن الاحتلال البريطاني استمر لسنوات طويلة، شهدت خلالها مصر حركات وطنية متعاقبة للمطالبة بالاستقلال، بدأت مع مصطفى كامل ومحمد فريد، ثم سعد زغلول وقيادات الحركة الوطنية، وصولًا إلى ثورة 1919 وغيرها من التحركات التي سعت إلى إنهاء الاحتلال.
الطريق إلى الجلاء
وأشار المؤرخ إلى أن الاحتلال البريطاني استمر في السيطرة على موارد مصر وثرواتها، موضحًا أن الحياة الحزبية التي سبقت ثورة يوليو شهدت، وفق تقييمه، انقسامات وارتباطات بقصر الحكم أو بالمندوب السامي البريطاني.
وأضاف أن ثورة 23 يوليو 1952، بقيادة جمال عبد الناصر، فتحت الطريق أمام مرحلة جديدة في التعامل مع الوجود البريطاني، موضحًا أن عبد الناصر سعى إلى تحييد بريطانيا والولايات المتحدة في بداية الثورة، من خلال تقديمها باعتبارها تحركًا داخليًا يستهدف نظام الحكم والفساد في عهد الملك فاروق.
ولفت الشافعي إلى أن القضاء على الاستعمار كان من الأهداف الرئيسية لثورة يوليو، وهو ما دفع عبد الناصر إلى الدخول في مفاوضات شاقة مع الجانب البريطاني من أجل إنهاء الوجود العسكري البريطاني في مصر.
مفاوضات شاقة
وأوضح الشافعي أن المفاوضات مع بريطانيا كانت شديدة الصعوبة، وكان يقودها من الجانب البريطاني أنتوني ناتينج، وزير الدولة للشؤون الخارجية، فيما تولى جمال عبد الناصر قيادتها من الجانب المصري، قبل توليه رئاسة الجمهورية.
واستعاد المؤرخ واقعة مرتبطة بصورة الزعيم أحمد عرابي المعلقة في بهو مجلس الوزراء، موضحًا أن عبد الناصر اتفق مع مصور مجلس الوزراء على التقاط صورة يظهر فيها المسؤول البريطاني أنتوني ناتينج أسفل صورة عرابي.
وأشار إلى أن هذه الواقعة حملت، في قراءته، دلالة رمزية مرتبطة بتاريخ أحمد عرابي ومواجهة الاحتلال البريطاني، مستحضرًا كذلك قانون الإصلاح الزراعي الصادر في 9 سبتمبر 1952، باعتباره جاء في ذكرى الثورة العرابية.
وأضاف الشافعي أن المفاوضات واجهت محاولات للتعطيل، وتحدث عن محاولات لتخريبها وتفجير مصالح بريطانية وأمريكية في مصر، إلى جانب ما وصفه بمحاولات بريطانية لتعقيد مسار التفاوض، قبل التوصل إلى اتفاق الجلاء.
توقيع اتفاقية الجلاء
وأكد المؤرخ محمد الشافعي أن المفاوضات انتهت بتوقيع اتفاقية الجلاء في 19 أكتوبر 1954، والتي حددت موعدًا لانسحاب آخر جندي بريطاني من مصر في 18 يونيو 1956.
وأوضح أن الاتفاقية تضمنت بندًا يسمح لبريطانيا بالعودة إلى قاعدة قناة السويس في ظروف محددة تتعلق بتعرض بعض الدول الحليفة لها في المنطقة لهجوم، أو بتهديد الملاحة في قناة السويس، وفقًا لما ذكره.
وأضاف أن العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 أعقبه إلغاء الاتفاقية، مشيرًا إلى أن قاعدة قناة السويس تحولت لاحقًا إلى معسكر الجلاء، الذي أصبح مقرًا رئيسيًا للجيش الثاني الميداني.
74 عامًا من الاحتلال
واختتم الشافعي حديثه بالتأكيد على أن توقيع اتفاقية الجلاء جاء بعد مسار طويل من المقاومة الوطنية والمفاوضات السياسية، معتبرًا أن جمال عبد الناصر نجح، من خلال مفاوضاته مع الجانب البريطاني، في الوصول إلى اتفاق أنهى الوجود العسكري البريطاني في مصر، مشيرا إلى أن خروج آخر جندي بريطاني في 18 يونيو 1956 مثّل نهاية مرحلة امتدت لنحو 74 عامًا منذ الاحتلال البريطاني عام 1882، مؤكدًا أهمية هذه المناسبة في تاريخ استقلال مصر.





